فيلم للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي
«رسائل من اليرموك».. جوع وموسيقى وحب
الجوع المصدر الرئيس لتزويد فيلم مشهراوي بالصور الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو. من المصدر
«وماذا بعد؟» سؤال يطرحه المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي في فيلمه «رسائل من اليرموك» بلهجته العامية «شو نعمل؟» في أكثر من مشهد، أو تحديداً بعد انتهاء المشهد المرسل إليه من قبل المصور نيراز، المقيم في مخيم اليرموك الفلسطيني في دمشق.
الفيلم الذي عُرض في الدورة الـ11 من مهرجان دبي السينمائي، يصيب المشاهد بحيرة، لا تقل عن حيرة مشهراوي، الذي وجد نفسه أمام الـ«سكاي بي» يتحدث مع لميس الفتاة الفلسطينية التي غادرت مخيم اليرموك بعد حصاره الممتد إلى اللحظة، وأصبحت لاجئة في ألمانيا حالياً، يسمع منها قصة نيراز، تحاول أن تقول له إن في جعبة نيراز الكثير من الحكايات التي تحتاج إلى أن تصل إلى العالم، وهي تنطق اسم نيراز تشعر كمشاهد بأن رجفة صوتها ما هي إلا دقات قلبها تجاه من تحب، والذي يعيش بعيداً عنها.
| لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط. |
مشهراوي، مع نيراز تارة، ومع المخيم أخرى، ومع التساؤلات تارات كثيرة، من الممكن اختصار حيرته بما قاله خلال الفيلم: «نيراز صار باعتلي صور كتيرة، وأنا بشوف هالصور، حياة ناس كاملة، بتموت، وبتجوع، واحنا بالسينما منسمي كل هالقصص مواد منعمل فيها شي فيلم».
الفيلم ببساطة وجد خلاصه بالتنقل بين ثلاثة محاور: الجوع، والموسيقى المنوطة بالشاب أيهم أحمد، وعلاقة الحب بين لميس ونيراز، وهناك مكان واحد يجمعهم اسمه مخيم اليرموك الذي تعيش فيه النسبة الأكبر من اللاجئين الفلسطينيين، ونسبة من السوريين، والذي يتعرض فوق حصاره منذ الثورة السورية إلى القصف والهدم والقتل، إضافة إلى مصطلح جديد اسمه «شهيد الجوع»، وهو الموضوع الرئيس والأول في الفيلم.
الجوع حسب نيراز - المصدر الرئيس لتزويد فيلم مشهراوي بالصور الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو - ليس المعنى الحرفي لعدم وجود الطعام فقط «بل لعدم وجود مكملات التغذية، فمريض السكر من السهل أن يموت من نقص الغذاء»، لكن في الوقت نفسه تمر المشاهد على لاجئين يحومون حول القمامة، يحاولون الوصول إلى لعق بقية الطعام، وتجميع فتاة الخبز، هو تفسير لكل صورة وقف أمامها مشهراوي يسأل نيراز عنها، مثل صورة الأطفال الثلاثة حليقي الشعر. يقول نيراز: «اسميتهم بالملائكة الثلاثة»، موضحاً «هؤلاء الأطفال نازحون من مخيم ملاصق لمخيم اليرموك، فقدوا الأم والأب، تمت حلاقة شعرهم بسبب مرض مصحوب بنقص الغذاء كيلا ينقلوه لغيرهم، ورفض النظام نقلهم خارج المخيم للعلاج»، وصورة الطفل الجالس يضع يديه على وجهه يقول نيراز: «ينتظر مثل كل شخص في المخيم، ينتظر ماذا لا نعرف».
لتنتقل الكاميرا مباشرة إلى مشهراوي، وهو يجلس في منزله فاتحاً نافذة على مدينة رام الله، داعياً نيراز النظر إليها، وكأن مشهراوي يريد أن يسخر من الظروف التي جعلت رام الله مدينة آمنة على رغم الحواجز والمستوطنين، مقارنة بمخيم اليرموك، فتلمس الحرقة في عين نيراز الحالم بالعودة يوماً ما ويقول: «هذه هي الحياة».
الحياة بالنسبة لنيراز تتعلق بسطح المنزل، سطح ليس مطلاً على أشجار ومناظر خلابة، بل على دمار وموت وقهر ونزوح يومي، يقول: «السطح في المخيم قصة بحد ذاتها هو مساحتك التي تتحرك فيها، ترى الناس من خلاله، هو المكان الوحيد الذي تشعر بأنك قريب من السماء فيه، بعيداً عن الحصار، تتذكر فيه أصوات الناس التي كانت في بيوتها يوماً، تنادي من خلاله أصحابك، السطح بالنسبة لنا حياة».
من هذا المشهد ينتقل مشهراوي إلى قرية عولم في فلسطين المحتلة، قرية قضاء طبريا، هي المنطقة التي تنحدر منها أصول نيراز، والتي لجأت عائلته منها إلى سورية إلى مخيم اليرموك في عام 1948. يقول مشهراوي: «مش عارف شو احكي لنيراز عن قريته، احكيله انه بطلت موجودة، انه صار فيها تطهير عرقي، انها مدمرة في الكامل.. قررت اني ما احكيله شي، خليها بمخيلته زي ما حكاله عنها أجداده».
التخيل هنا ينتقل بلقطة ذكية إلى رجل بيده وعاء فارغ في مخيم اليرموك، يسأله نيراز: «شو عم بتاكل». فيجيبه: «بشرب شوربة عدس مع لحمة، يا لطيف شو طيبة».
هنا تنتهي المشاهد المتعلقة بمسألة الجوع، التي كانت عبارة عن صور، ولقطات فيديو مع الناس، وهم يشربون الماء مع البهارات، ويقفون في طوابير ممتدة للحصول على رشفة منها.
يبدأ مشهراوي بالتركيز بعد ذلك على الحياة من خلال اللغة العالمية التي تجمع بين البشر، وهي لغة الموسيقى من خلال صديق نيراز الفنان أيهم أحمد، الذي وعد المخيم بأن يجعل صوت الموسيقى في المخيم أعلى من صوت الرصاص، يجر البيانو المتهالك من خلال عربة، ووراءه فرقته من الصغار والكبار من سكان المخيم، يغنون ويعزفون ويرقصون، يتحدون الموت ووابل الرصاص والجوع من خلال حناجرهم، كل يوم تجوب فرقة أيهم أروقة المخيم، يقفون منتصبي القامات، يشدون بأعلى أصواتهم عبارات منصبة أغلبيتها على الرجاء لأهالي المخيم بالعودة إلى حضنه، يقول أيهم: «التمسك بفكرة المخيم هو الطريق إلى عودتنا الى فلسطين».
ويعود بنا مشهراوي إلى فلسطين، الى مدينة رام الله، وتحديداً امام متحف محمود درويش، وصوت درويش وهو يقول ويبكي:
«سنلتقي غداً على أرض أختك فلسطين
هل نسينا شيئاً وراءنا؟
نعم.. نسينا تلفت القلب.. وتركنا فيك خير ما فينا
تركنا فيك شهداءنا الذين نوصيك بهم خيراً».
واتفق على إقامة معرض صور لنيراز عن لقطاته في مخيم اليرموك، اسماه «وللحلم بقية»، رافقه «سكاي بي» مع نيراز وفرقة أيهم أحمد الموسيقية، وعاش الجميع لحظة العودة، ولو إلى حين، في مشهد مبكٍ على حال كل من حمل الهوية الفلسطينية. تنتهي قصة الموسيقى مع أيهم عند انقطاع الماء لمدة 20 يوماً عن مخيم اليرموك، فيحول عربته التي يجر بها البيانو إلى عربة توزيع ما تيسر من الماء على أهالي المخيم.
خلال الفيلم تتعرض المشاهد إلى حدثين آخرين، أولهما الحرب الأخيرة على غزة، وكيف انقلبت الآية، وبات أهالي مخيم اليرموك يعتصمون نصرة لغزة يرددون شعاراً رفعه السوريون منذ بدء الثورة: «يا الله ما لنا غيرك يا الله». أصبح نيراز من يتصل بمشهراوي ليطمئنه على غزة، ويؤكد له وقوف المخيم إلى جانب غزة.
أما الحدث الثاني فهو استشهاد شقيق نيراز في دمشق، يسأل مشهراوي: «كيف مات؟» ليجيب نيراز: «هون ما في حد يموت بسبب».
يستمر مشهراوي بتساؤله «وشو بعدين؟»، ويجعل المشاهد يتساءل معه، خصوصاً أن موضوع الفيلم لم يظهر في رأسه، كل الحكاية أنه تلقى صوراً من نيراز، وأراد أن يصنع منها فيلماً، ليقرر في النهاية أنه سيقدمه هكذا، لكل آلامه وتساؤلاته، لكل أحلامه، الأحلام التي حملتها فتاة عشرينية معها عندما غادرت المخيم متوجهة الى ألمانيا، تاركة عائلتها في دمشق بعد نزوحهم من المخيم، وقلبها المتمثل بنيراز، هي اعترفت أخيراً بحبها الكبير لنيراز، يسألها مشهراوي: «وبعدين؟» لتجيب: «نيراز لن يترك المخيم قبل أن يعم السلام فيه، بعدها سأجعله يأتي الى ألمانيا لنؤسس حياتنا معاً»، متأثرة بجواب موظفة استقبال اعتماد اللجوء الألمانية عندما وضعت اسمها في خانة «من لا وطن لهم».
ينتهي الفيلم بصوت مشهراوي وهو يقول: «بعدما رأينا كل الصور، فلنفكر بما نستطيع تقديمه».
وتختم الكاميرا مع نيراز وهو على سطح منزله، وصوت أيهم أحمد وفرقته يغنون: «اليرموك اشتقلك يا خيا». «رسائل من اليرموك» هي رسائل جابت المخيم، صارخة حيناً وحالمة أحياناً، في زمن الحياة والحرب، والموت من الجوع، حاول مشهراوي طوال الفيلم تحييد موقف المخيم مما يجري في سورية، وقد نجح في ذلك، لكن من يعلم عمق المخيم يدرك تماماً أنه لن يكون إلا مع الضحية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news