فيلم عن معاناة الألمان مع النازية دون التركيز على «المحرقة»

«سارقة الكتاب».. عندما يكون الموت راوياً

يضع المخرج الحكاية التي غير فيها الكثير عن ما ذكر في الرواية الأصلية معاناة الألمان بشكل عام ، خصوصا معاناة غير المؤمن بالفكر النازي .أرشيفية

للأسف؛ لم يحظَ فيلم «سارقة الكتاب» للمخرج براين بيرسيفال، المأخوذ عن رواية حملت الاسم نفسه للمؤلف ماركوس زوساك، بنسبة مشاهدة عالية، حسب شباك التذاكر، في دور السينما المحلية، رغم أن الفيلم الذي تحدى الرواية وقدم نفسه كصورة مملوءة بالعناصر المؤثرة تمثيلاً وإخراجاً وموسيقى وصورة، تناول الحكاية الألمانية في عهد النازية دون التركيز على «المحرقة»، التي تعد العنوان الأبرز في معظم الأفلام التي تناولت ألمانيا في عهد أدولف هتلر، وهذا التفصيل تسبب في هجوم نقدي من مناصري فكرة الصهيونية وحقها في الحياة، حتى ولو على حساب وطن اقتلعه الصهاينة بالقوة بالأدوات «الهتلرية» نفسها. فشخصية اليهودي في الفيلم، التي تمثلت في (ماكس)، مرت كمرحلة وجدت بالفعل في ألمانيا النازية، لكن ليس كأساس للقصة.

عندما يكون الراوي هو الموت، حسب الفيلم، لابد من سماع الحكاية الى آخرها، خصوصاً أن بطلتها طفلة اضطرت إلى أن تعيش في كنف عائلة ألمانية لأن والدتها الحقيقية ألمانية شيوعية منبوذة وملاحقة من النازيين. فالقضية في الفيلم ليست في اضطهاد اليهود فحسب؛ بل في كل شخص ألماني غير منتمٍ إلى حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني الذي يعرف بـ«الحزب النازي» ومؤمن به.

 

كتاب الحياة

يعود فيلم «سارقة الكتاب»، الذي قام ببطولته صوفيا نيلسي وجيوفري راش وإيملي واتسون، إلى ثلاثينات القرن الماضي، في ألمانيا خلال عهد النظام النازي وبداية الحرب العالمية الثانية، يبدأ مع صوت راوٍ يحكي الحكاية، ولا تُعرف شخصيته إلا في المشاهد الأخيرة من الفيلم، يؤكد الراوي من خلال قصته أنه لا يعرف التعامل مع الأحياء، لكن هذا لا يعني حرصه عليهم، والدليل أن من ضمن ملايين البشر تلفت انتباهه شخصية معينة فيقوم بملاحقتها طوال عمرها، وهذه المرة وقع اختياره على «ليزلي» ذات التسع سنوات، تجلس في القطار تغني وإلى جانبها والدتها المثقلة بالحزن وشقيقها الصغير الذي يتوفى أثناء الرحلة، فتقوم الأم بدفنه، وأثناء ذلك تنتبه الفتاة «ليزل» إلى كتاب فتقوم بأخذه على الرغم من عدم إجادتها القراءة، لتبدأ معها طريق سرقة الكتب، التي تصر على أنها تستعيرها طوال أحداث الفيلم.

 

التبنّي

تسلّم الأم ابنتها إلى مندوبة من الصليب الأحمر الألماني، التي تقوم بدورها بتسليمها إلى عائلة ألمانية فقيرة، كانت تنتظر فردين للاستفادة من إعالة الدولة، لكنها تصدم بوجود فتاة دون شقيقها الذي توفي سابقاً. الأم الجديدة التي أدت دورها ببراعة الفنانة إيملي واتسون، واسمها في الفيلم روسا، تستقبل الفتاة بطريقة بعيدة كل البعد عن العاطفة، مستهزئة بقذارتها التي تنسبها إلى الشيوعيين، حسب ترويج النظام النازي الحاكم، في الوقت ذاته يظهر الأب الجديد الذي أدى دوره الفنان الأسترالي جيوفري راش، واسمه في الفيلم هانس، الحنان والعطف على الفتاة التي فقدت والدتها رغماً عنها، لأنها تحمل أفكاراً تعتبر خطرة على مشروع هتلر ورفاقه، وهنا يضع المخرج الحكاية التي غيّر فيها الكثير عن ما ذكر في الرواية الأصلية معاناة الألمان بشكل عام، خصوصاً من هو غير مؤمن بالفكر النازي.

تصل الفتاة بخطوات متثاقلة، مع صراخ وعصبية من الأم الجديدة، وأوامر صارمة، وهي لا تفكر إلا في كيفية الخروج من المنزل الجديد والعودة لحضن أمها، تقصد غرفتها، وتحتضن كتاباً عنوانه «مقابر الموت»، هي لا تستطيع قراءته، لكنها الذكرى الوحيدة من شقيقها، إضافة إلى صورته. يذهب الأب إليها، ويرى الكتاب، ويؤكد لها أنهما سيقرآن الكثير، لتبدأ معهما علاقة شعارها القراءة وتعلم الحروف في قبوٍ خاص في المنزل مملوء بالكتب وحائط، يطلب الأب من ابنته المتبناة أن تملأ الحائط بالكلمات الجديدة عليها وعلى حياتها التي ستعيش.

 

جانب آخر

في كل هذه الأحداث التي تعرف المشاهد إلى تفاصيل من حياة ليزل الجديدة، تظهر شخصية مؤثرة في الفيلم تتجسد في الطفل رودي الذي يقرر ومنذ لحظة مشاهدته ليزل وهي تترجل من سيارة الصليب الأحمر، أن تكون صديقته وأكثر، يمر عليها في أول صباح لها في البيت الجديد ليصطحبها إلى المدرسة، يتسامران ويضحكان كأي طفلين غير مدركين أن حياتهما ستصبح قريباً على المحك، ويصير رودي من الأشخاص المقربين من ليزل الخائفة دوماً من فكرة الفقدان، يغنيان معاً نشيد الحزب النازي الذي يطالبهم بالفخر بعرقهم ونبذ اليهود وكل من يخالف معتقداتهما. ليزل تتمسك بالأمل مجدداً عندما تستيقظ ليلاً على أنغام الأوكورديون الذي يعزف عليه والدها موسيقى أغنيتها المفضلة، تسأله: «هل هذه الآلة لك؟»، يجيبها «إنها لصديق ضحى بعمره من أجل أن أعيش أثناء الحرب». وللأوكورديون قصة أخرى تتضح تفاصيلها في مشاهد لاحقة.

أجراس الحرب

الحرب باتت وشيكة، لا أحد يجرؤ على الامتعاض، الجميع يؤدي القسم في بقاء الدولة الألمانية النازية، ومن ضمن المشاهد الجميلة في الفيلم، مشهد يتعلق باحتفالية من الضابط المسؤول عن المنطقة التي تعيش فيها ليزل، يهرع الزوج هانس وهو يبحث عن علم ألمانيا النازية كي يعلقه على المنزل، وعرقه يتصبب خوفاً، تسأله زوجته روسا أن يتريث، فيجيبها «لا وقت لدينا، كل المنازل علقت العلم، وأخاف أن نظهر معادين للفكرة النازية»؛ فيجده أخيراً في القبو، ويعلقه دون اكتراث إلى لونه وشعاره، خوفاً على حياته التي أصبحت ذات قيمة عندما أصبح أباً لـ«ليزل». تذهب العائلة كغيرها مسيّرة وليست مخيّرة لحضور الاحتفال لإعلان الحرب على أوروبا، لكن الاحتفال يأخذ مجرى آخر، إذ يتكوم عدد كبير من الكتب على شكل جبل في وسط الساحة، وهذه الكتب، حسب الضابط المسؤول، ستخرب عقل الشباب النازي، ويجب حرقها كلها، تشعر ليزل بالضيق وهي تشاهد الكتب وهي تحترق، وهي التي أصبحت تقرأ جيداً، تنتظر مغادرة الجميع إلى الكنيسة، وتقرر سرقة كتاب آخر من بين الدخان والرماد، فيشاهدها والدها وزوجة الضابط التي ستبنى علاقة بينهما في مكتبة قصرها، إذ فقدت هي الأخرى ابنها الوحيد في الحرب.

 

الأوكورديون

تبدأ الحملات الهتلرية للقبض على أي يهودي، وتهديد أي عائلة تحمي جيرانها اليهود (القردة)، كما كانت تصفهم الحملات. يُدق باب منزل هانس واذا بشاب في مقتبل العمر اضطر إلى أن يترك والدته تواجه الموت وحدها، بعد أن استطاع تهريبه جاره الألماني، يسأله «هل مازلت تعزف على الأوكورديون؟» فيدرك هانس أن الشاب هو ابن صديقه اليهودي الذي ضحى بحياته من أجل أن يعيش، فيقرر أن يخبئه في القبو، لأنه وعد والده أن يحرص على سلامة عائلته، ليدخل فرد جديد إلى حياة ليزل لتدرك أنها ليست الوحيدة في العالم التي فقدت والدتها بسبب هتلر، فها هو ماكس الشاب اليهودي الألماني فقد والدته أيضاً بسبب هتلر، وتبني علاقة معه أساسها الكتب التي بدأت بقراءتها في قصر زوجة الضابط الكبير، مع إصرار والديها على أن وجود ماكس هو السر الذي لا يجب أن يخرج من بين جدران المنزل.

يعي ماكس أن لدى ليزل موهبة خاصة أساسها النهم في قراءة الكتب، فيحثها كل يوم على وصف حالة الطقس بطريقتها، فتقول له «الطقس اليوم تختبئ فيه الشمس داخل محارة فضية». فيبدأ ماكس تخيل المشهد، وهكذا، إلى أن يمرض ويصاب بالحمى، لأن ليزل قررت وصف حالة الطقس يوماً بطريقة فعلية، وليس بالحديث عنه، فقامت بجرف الثلج بمساعدة والدها إلى القبو وصنع رجل الثلج احتفالاً بالعيد، وبسبب مرض ماكس الذي يطول وخوفاً من فكرة الفقدان مرة أخرى، تضطر ليزل إلى سرقة الكتب من القصر، وإعادتها فور انتهاء قراءتها، كي تقرأها لماكس، وهذا الشغف تمارسه ايضاً في الملاجئ مع صافرات الإنذار، فأصبح كل اللاجئين ينتظرون قصص ليزل التي استطاعت أن تخفف من وطأة الخوف من الموت إلى حين.

تستمر الأحداث الكثيرة في الفيلم ليس تركيزاً على الحرب بل على حياة من يعيش الحرب، بدأت القوات النازية تفقد قوتها، واشتد الموت والقتل، وغادر ماكس المنزل بعد أن أهدى ليزل كتاباً ورقاته بيضاء، بعد أن أزال صور هتلر منه، وطلب منها الكتابة ورصد كل شيء، خوفاً على حياة عائلة هانس، تصاب ليزل بالخيبة، تحاول التأقلم مع الموت والرحيل بسرقة الكتب أكثر وقراءتها، وتخيل النهايات إذا لم تنهِ الكتاب، لكن الراوي يعود مرة أخرى في المشاهد الأخيرة من الفيلم ليتضح أنه صوت الموت، الذي قرر أن يقبض على أرواح هانس وروسا ورودي وعائلته، وجعل ليزل تعيش مرة أخرى وحيدة بين ركام المنازل المهدمة فوق رؤوس أصحابها، لتنتهي الحكاية بمشهد ماكس وهو عائد إلى ألمانيا، بعد سيطرة القوات الأميركية، تستقبله ليزل التي أصبحت شابة، وصارت تعمل في محل والد رودي الذي كان وقتها في الحرب، ويستمر صوت الراوي ليؤكد أن ليزل استمرت علاقة صداقتها مع ماكس، وعاشت حياة مملوءة بكتابة القصص، وتزوجت وأصبحت جدة وتوفيت وهي تبلغ من العمر 90 عاماً.

للإطلاع على الموضوع كاملا يرجى الضغط على هذا الرابط.

 

 

طباعة