فيلم للأميركي من أصل فلسطيني غازي البعليوي

«سلام بعد الزواج».. ضحك مر

فيلم«سلام بعد الزواج» كوميدي لكنه أثار جدلاً واسعاً بين النقاد. من المصدر

أثار فيلم «سلام بعد الزواج» جدلاً واسعاً، حول رسالته، في حين رأى نقاد أنه ينقل صورة مصغرة من الواقع الفلسطيني، وربما كان الواقع السياسي أكثر سوءاً مما نقله الفيلم، يرى آخرون أنه بالغ في نقل الصورة ولم يدخل في جوهر الصراع بين الشعب الفلسطيني والاحتلال الإسرائيلي، مشيرين إلى أن الصورة النمطية للعربي في الأفلام الغربية، خصوصاً الأميركية، تغيرت منذ أحداث 11 من سبتمبر، ففي السابق كان العربي يظهر دوماً في صورة لاهث وراء شهواته. وبعد تلك الأحداث، أصبحت صورته النمطية تنحصر في «الإرهابي».

وفيلم «سلام بعد الزواج» للمخرج الأميركي من اصول فلسطينية، غازي البعليوي، يجمع بين صورتين للعربي «الشهواني» و«المتطرف»، ويتناول الفيلم حكاية فلسطينية بطل شخصيتها الرئيسية اسمه «عرفات»، الذي ادى دوره المخرج نفسه.

لمشاهدة تفاصيل أوفر عن الموضوع، يرجي الضغط علي هذا الرابط.

يقال إن الكوميديا في النص هي الأخطر اذا ما حملت رسالة يراد ايصالها، فالفيلم كوميدي من الدرجة الأولى، لكن رسالته «ملتبسة»، ما أثار جدلاً بين النقاد. ففي حين تؤكد بطلة الفيلم هيام عباس حق الضحك «خلينا نضحك»، يرى آخرون أنه ضحك مر، خصوصاً إذا مر على شريط كامل من تاريخ تمثل في تضحيات كبيرة لكن النتيجة كانت مزيداً من التنازلات.

قد تكون المقدمة طويلة، لكنها ضرورية لما هو آت من تفاصيل من الصعب ادراكها في لحظة مشاهدة الفيلم، الذي يدور حول شخصية شاب اسمه «عرفات» وحيد عائلته الفلسطينية المقيمة في أميركا، المسكون ضمن عادات وتقاليد جعلته اسيراً لها، خصوصاً في ما يتعلق بالعلاقات خارج الزواج، والتي تسيطر على كل تفكيره. إذ إنه يلجأ إلى مشاهدة الأفلام الإباحية والدمى، وغيرها من الأمور التي يحاول من خلالها تخفيف شهوته التي تزيد يوماً بعد يوم، الى أن تقرر عائلته الذهاب الى فلسطين (الضفة الغربية) لاختيار عروس له. وفي لحظة توقيع عقد القران، يهرب الشاب، فتلحقه عائلة العروس تحمل مسدسات، لما شكله من فضيحة لهم، لكنه يتخلص منهم عند وصوله الى حاجز للاحتلال الإسرائيلي، رافعاً علامة الاستسلام، وهذه أول «صفعة كوميدية» في الفيلم، كما يصفها البعض. تعود العائلة الى أميركا، ويقرر عرفات الانضمام الى جمعية تعنى بحل مشكلات متعلقة بالعلاقات مع الآخر، وتتوطد علاقته مع أكثر الناجحين في هذا المجال، الى أن يقترح عليه الزواج من أجل المصلحة، والتي تتلخص في العثور على فتاة تريد الحصول على ما يسمى (غرين كارد)، منها يستفيد عرفات مادياً، خصوصاً أن من الشروط الواجب تحقيقها أن يقيم الزوجان معاً ستة اشهر، فيوافق عرفات بكل سذاجة كأنه لا يدرك قوانين أميركا، وكأنه جديد على هذه الحال.

تظهر الفتاة، ويتم اللقاء الأول الذي يجعل عرفات يقع في حبها من النظرة الأولى، في المقابل تستشيط الفتاة غضباً عندما تسمع اسمه، لنكتشف أن الفتاة «اسرائيلية». وبعد اقناعها تقبل الزواج به، ويقام العرس بوجود رجلي دين اسلامي ويهودي، ونصف علم فلسطيني مقترن بعلم «اسرائيلي»، وتبدأ المناوشات والخلافات بين الطرفين الدينيين، في مشهد كوميدي.

هذا الزواج الذي تم رفضه من عائلة عرفات يعيدنا الى المشهد الذي قرر فيه الشاب مصارحة أهله بشأنه. تسأله الأم «هي فلسطينية؟»، فتكون الاجابة كالصاعقة «هي من مكان بس احنا نحكي عنه فلسطين»، فيدرك الأهل الحقيقة المرة، لكنه يتنازل عن أهله مقابل فقط تحقيق شهوته. ويقول البعض إن الواقع السياسي المرير يتماثل مع هذا المشهد، خصوصاً في ظل تعنت الاحتلال وتنازلات يقدمها قادة فلسطينيون.

يرحل الشاب الى بيت عروسه، التي من الواضح أنها كانت مجندة سابقاً من خلال صورتها وهي ترتدي البزة العسكري المعلقة على البراد، وعلم «اسرائيل» الضخم الموجود في قلب الصالة، والعديد من المشاهد الأخرى. ويمر عرفات أمام كل هذا، بل يحاول التماهي مع المظاهر، فهو لا يريد الا أن يحقق مراده من عروسه، التي ترفضه، وتقول إن زواجها مصلحة فقط، لكن ثمة عاطفة في داخله تجاهها تجعله يحتمل كل هذا الرفض، فهو يريدها حبيبة وليست زوجة فقط من الممكن طلاقها.

وفي حفلة تنكرية، يفاجئ عرفات، الذي يحمل اسم رمز فلسطيني لقائد انتهى باغتيال، كما تشير تقارير عدة، عروسه بارتدائه زي الحاخام، فتشعر بالسعادة، وتوافق على مشاركته الحفلة، هو يريد ارضاءها، والتنازل دائماً من قبله، وهي لم تقدم ولا تضحية واحدة من أجله. ومن خلال ذريعة الاقامة، يحاول التقرب منها على الصعيد الاجتماعي، بأن يذهبا للتسوق معاً، أو أكل البوظة معاً، وهذا يجعل من تقاربهما أكثر فأكثر، فتتحقق رغبة عرفات أخيراً، ويقيم علاقته الزوجية معها.

في هذه الأثناء، يعرف المشاهد أن العروس لم تجرؤ على قول الحقيقة لعائلتها، على عكس عرفات الذي تخلى عن العائلة، وهو يريد التقرب منها ولا يسلم عليها الا بكلمة «شالوم»، ويبدأ تعلم اعداد الأطباق اليهودية، فقط لإرضائها والتقرب منها أكثر. في هذا الحين يقرر إمام الجامع أن يذهب مع والديه وعدد من الأصدقاء الى عرفات لإقناعه بضرورة انهاء هذا الزواج، لكنه لا يرضخ لهذا الضغط، بل ويعيب على الفتاة المنقبة الموجودة بين الجمع بأنه لا يعرفها ولا يعرف وجهها ليرد عليها.

ومن مكالمة واحدة من والدة العروس لها تأمرها بمغادرة أميركا والالتحاق بالعائلة، وتقرر التخلي عن عرفات غير معترفة له بحبها الذي في داخلها، خصوصاً بعد الشك في أنها تحمل طفلاً في أحشائها، لكن يظهر عكس ذلك.

وقبل مشهد النهاية، من المنصف المرور على مشاهد محددة، حول شخصية عرفات الذي يظهر في الفيلم راغباً في التمثيل، ويشارك في اختبارات أداء عدة، ودائماً يجب عليه تمثيل دور الفدائي أو الانتحاري أو الاستشهادي، لكن في الأداء الأخير، يحمل عرفات معه دمية على شكل رجل فلسطيني يرتدي الفلكلور الشعبي، ويربط نفسه بحزام ناسف، لكنه يرفض أداء دور العملية، متعاطفاً مع الرجل الذي لا ذنب له سوى شعوره بالقهر من الظلم منذ النكبة.

ومع اقتراب المشهد الأخير، الذي تقرر فيه العروس التخلي عن عرفات، يعيش في وضع نفسي صعب. وفي الأسبوع الأخير من وجود العروس في اميركا، حاول كثيراً ابقاءها لكن دون أي اهتمام من قبلها، الى أن يأتي يوم السفر الذي يتزامن مع وصول برقية قبول الإقامة لدى العروس، فيشعر عرفات بأن هذه الورقة هي من ستعيد عروسه له. يركض بكل سرعته للحاق بها، ويجدها وهي تستقل سيارة أجرة قاصدة المطار، يقول لها «اقامتك جاهزة، لا تسافري» فتصر على السفر، فيقول «أنا أحبك كثيراً، لا تدعيني وحدي» لتعترف هي الأخرى له بحبها، لكنها تصر على السفر. يودعان بعضهما، ولم يمض وقت على لف ظهره لها، لتظهر مرة أخرى لتقول له «شالوم» فيرد التحية بنفسها، ويقرران تحدي كل الرافضين والوعد من قبله بأنهما سينجحان.

طباعة