علاقة العلماء والسلطة ليس ضرورياً أن يفهمها الشعب

«لقاءات قريبة» صورة مغايرة لسكـان الفضاء

الفيلم يركز على 4 عناصر أساسية تتمثل بفريق من العلماء والباحثين وظهور بسيط للسياسيين. أرشيفية

هم صادقون في ما رأوا ولو اتُهموا بالجنون والوهم حينها، فقد كشفت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)،  أخيراً، أن الأطباق الطائرة التي كانت تظهر في سماء صحراء نيفادا وتسببت في نسج روايات عن قطاع أطلق عليه اسم «المنطقة 51» ليست في الواقع سوى طائرات تجسسية من «طراز يو-2 » يجري اختبارها في هذه القاعدة السرية للغاية.

الصحن الطائر حقيقة لكنه ليس من الفضاء ولا يحمل داخله كائنات فضائية، هو ببساطة أداة تجسس أميركية، وجدت أن يكشف عنها في الوقت الجاري كي لا تكشفها الثورة المعرفية المرتبطة بالاختراقات الالكترونية على ما يبدو، هذا الصحن الطائر وما وراء كوكب الأرض كان ومازال هاجساً لدى صناع السينما الباحثين دوماً عن موضوعات تعمل على خلق الدهشة لدى المتلقي، وأهمية معظم تلك الأفلام انها كانت تصف نفسها بسينما «الخيال العلمي»، وليس حقيقة علمية «باستثناء القليل منها التي كانت تؤكد أن روايتها مبنية على قصص واقعية مثل ما حدث في فيلم «إنيبيندانس داي» للمخرج رونالد إيميرش.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجي الضغط علي هذا الرابط.

ولم يكن مفاجئاً أثناء البحث عن أول الأفلام التي تناولت قصص «الصحن الطائر الفضائي» أن يكون المخرج ستيفن سبيلبرغ من أوائل من قام بتقديم فيلم سينمائي كامل عن ما وراء كوكب الأرض حمل عنوان «لقاءات قريبة من النوع الثالث»، وكان هذا في عام 1977، بعد أكثر من 20 عاماً على صناعة أول فيلم عن الفضاء حمل عنوان «اليوم الذي توقفت فيه الأرض» للمخرج روبرت وايز، وكان هذا عام 1951.

سبيلبرغ الفضائي

مشاهدة فيلم «لقاءات قريبة من النوع الثالث» في الوقت الجاري، يعطي مخرجه سبيلبرغ فهمه للأمور بطريقة ذكية، فمنذ اللحظة أو المشهد الأول للفيلم الذي يسلط الضوء فيه على عدد من العلماء من مختلف مناطق العالم مع التركيز على عالمين من أميركا وفرنسا، وهم  في صحراء أمام عدد من الطائرات الكاملة بمعداتها لكن من دون طياريها، يضع المخرج يده على أولى الخطوات في الشك في ما وراء هذا الاختفاء، وقد مضت سنوات على ذلك، الذي أراده سبيلبرغ أن يحكيه بطريقة مباشرة هو أن ما يتفق عليه العلماء والسلطة ليس من الضروري أن يفهمه الشعب، وهذه الصيغة أو الخلاصة ستتم ترجمتها عبر المشاهد المتلاحقة للفيلم.

الإشارات الأولى

الفيلم يركز على أربعة عناصر أساسية  تتمثل بفريق من العلماء والباحثين، وظهور بسيط لأصحاب السلطة السياسية وهو ظهور مقصود، وعلى الشعب المتمثل عملياً بشخصيتين، هما «روي نري» والطفل «باي»، والموسيقى ودورها في توحيد الجميع. وكما هو متعارف عليه أن الأطفال والحيوانات هم من يتنبؤون بأي شيء غير مألوف، أو رؤية واستشعار ظواهر طبيعية، ومع أن الحيوانات لم تكن موجودة في الفيلم الا بمشهد يدل على نفوقها، فالتركيز كان في البداية مع الطفل «باي» الذي يستيقظ من نومه بعد سماعه صوت ألعابه التي تملأ المكان وتتحرك، يضحك بطفولة ويلحق ألعابه حتى يصل إلى خارج المنزل ويستمر في المشي نحو صوت موسيقى محدد، في هذا الوقت تنتقل الكاميرا إلى مركز الأرصاد الذي يؤكد وجود ظاهرة غريبة يلحقها فوراً انقطاع تام للكهرباء في المدينة، هذا يدفع شركة الكهرباء الى الاتصال بـ«روي نيري»، كي يسهم في معرفة نوع الخلل، و«روي» يظهر من أول لقطة له كعاشق ومهووس بالغرائب، لكنه وسط عائلة لا تصدق ما يقول. يذهب «روي» لتلبية نداء عمله، فيكون الشخص الشاهد على وجود جسم غريب يحلق فوقه مباشرة يحجب عنه كل ادوات الاتصال مع عمله، ويتركه في حيره تجعله يقرر العمل وحده في معرفة السر.

السلطة


بعد انتشار الخبر بين الناس بين مصدق ومستهجن ومبالغ في رؤياه، تتدخل السلطة في الموضوع من خلال مؤتمر صحافي تعقده للناس في الوقت الذي اختفى فيه «باي» الصغير، وعدد آخر من البشر، المشهد ينقسم إلى التالي، بين مهووسين بالغرائب واشخاص لديهم حجتهم في مشاهدة الجسم الغريب، وبين مستمعين من الناس في جهة وبين السلطة التي تستخدم خبراء لها في الاعلام كي تتواصل مع الناس لتنهي الحكاية بأن الجسم الغريب الذي يصدر صوت موسيقى ورآه الناس ما هو سوى لعبة يابانية وصلت بطريق الخطأ إلى أجواء مختلفة من العالم، وتريد أن يقتنع الناس بهذا التعليل، وأن اختفاء الطفل غير مرتبط بهذه اللعبة، حسب تفسيرهم، هذا المشهد تحديداً ما كان يراد منه صدقاً أن يشكك الناس بهذا الجسم، لأن السلطة وحدها هي التي تعرف أنه من صنيعتها، لكن في ذلك الوقت لم يكن سبيلبرغ يعي هذه الحقيقة التي انكشفت في الوقت الجاري وعلى لسانهم، وهو الذي قدم للسينما 13 فيلماً يتناول الفضاء والصحون الطائرة، ولعل اشهرها فيلم «آي تي».

ينتهي المؤتمر ويقرر «راي» أن يبدأ بحثه الخاص من خلال الاستناد على مجسم قام الطفل «باي» بصناعته من الطين، شعر أن له علاقة بالمكان الذي يعيش فيه الغرباء خارج كوكب الأرض، ويختار حديقة منزله كي يبدأ مخططه، وهنا ترحل عائلته عنه، فما يفعله ما هو الا مس من الجنون، حسب زوجته.

الظهور

تتوالى الأحداث وتبتعد السلطة عن المشهد ويستمرالعلماء برصدهم، ليكتشف العالم الفرنسي أن موسيقى يستخدمها الهنود في التواصل مع الصم والبكم، هي التي تردد صداها في الأجواء، فيعمل على ترجمة الحركات الناتجة عن تلك الموسيقى استعداداً للقاء الكائنات الفضائية، فتتحدد المنطقة بجانب المجسم الذي بناه «راي»، وتبدأ السيمفونيات بعزف الموسيقى بصوت عال، وتنجح الخطة، فتقترب الصحون الطائرة شيئاً فشيئاً من الأرض، فتتحقق الرؤية، وتنتشر بين الجموع، كل حسب هدفه، فالعالم يريد أن يشهد هذه اللحظة التاريخية كي يبحث فيها، والذي فقد عزيزاً يتمنى أن يكون داخل هذا الصحن الفضائي كوالدة «باي»، وجمهور متعطش ليكونوا جزءاً من واقعة ستصبح حكاية يرووها لأطفالهم قبل النوم، أما «باي» فهو لا يريد سوى أن يدخل هذا الصحن، ويلاحظ حماسته العالم الفرنسي من بعد، تتجمع الصحون الطائرة لتشكل مركبة فضائية على شكل دائري كبير، تهبط رويداً رويداً مع موسيقى تكاد تكون عالمية، إلى أن يفتح بابها، فتكون المفاجأة بجواب السؤال عن وجود طائرات بلا طيارين في المشهد الأول، فهم كانوا في داخلها منذ الأربعينات ولم تمر بهم السنين، لتلحقهم كوكبة من المفقودين يتزينهم  الطفل «باي» الذي يهرع إلى حضن أمه، ومع كل هذه المشاهد لم تظهر الكائنات الفضائية بعد، لكن ثمة إشارة مودة تظهر من قبلهم أنهم يريدون السلام ولا حرب بينهم وبين سكان الأرض. في هذه الأثناء وبسرعة كبيرة يعمل العالم الفرنسي على اختيار نماذج من علماء متطوعين ليذهبوا برحلة مع سكان الفضاء، ويأتي اليهم برجل دين يؤكد لهم أن هذا الفعل هو مرضاة للرب، ومن بين هؤلاء العلماء يذهب العالم الفرنسي إلى «راي» يطلب منه الانضمام.

النهاية

تظهر الكائنات الفضائية، أخيراً، وهي تشبه الانسان إلى حد ما، وتقوم  بحركة ترحيب بفرد الذراعين دلالة على السلام، ويشاء القدر أن تختار هذه الكائنات «راي» من بين المتطوعين ليشاركهم عالمهم الفضائي، فينتهي الفيلم بوداع «راي»، ولقطة للعالم الفرنسي الذي حل اللغز من خلال الموسيقى، وهو يودع الكائنات الفضائية بلغة الصم والبكم.

طباعة