«الصدمة» يثير تساؤلات مشاهديه

«الفيلم» مقتبس من رواية لياسمينة خضرا. الإمارات اليوم

يثير فيلم «الصدمة»، الذي عرض ضمن برنامج «ليالي عربية» في مهرجان دبي السينمائي في دورته التاسعة التي تختتم اليوم، كثيرا من التساؤلات حول الفيلم الذي أخرجه زياد الدويري، وقام ببطولته نجم فيلم «الجنة الآن» علي سليمان، وريموندا مسلم وكريم صالح.

الحديث عن الفيلم يحمل تساؤلا كبيرا حول الرسالة المراد إيصالها، إذ أبرز الدويري «الاسرائيليين» في الفيلم متقبلين للآخر، خصوصا في مشاهد متعلقة بتصوير «الإسرائيلي» منفتحا على الآخر حتى لو كان ذلك الآخر فلسطينيا.

الفيلم الذي عرض، أول من أمس، في مول الامارات في دبي، استند الى رواية للكاتب الجزائري ياسمينة خضرا، وهو من سيناريو زوجة المخرج الدويري، جويل توما.

واللبناني الدويري المقيم في أميركا، اختار أن يكون موضوع فيلمه الطويل عن فلسطين، أو بالأحرى عن العلاقة التي تجمع الفلسطيني مع الكيان الصهيوني. وتدور قصة الفيلم حول الطبيب أمين الجعفري، المختص بالجراحة وهو من فلسطينيي ‬48، حكاية هذا الطبيب هي تماهيه في الاندماج مع المجتمع الإسرائيلي، ومحاولاته الجاهدة أن يتقبل وضعا لا ثاني له، بأن يكون جزءا من هذا المجتمع، والذي يحدث أنه يحصل على جائزة رفيعة في الطب من أكبر المؤسسات الإسرائيلية، ليكون أول عربي يحصل على مثل هذه الجائزة، ما يزيد من اعتقاده أنه يعيش في مجتمع لا يفرق بين مواطنيه، وعليه أن يتقبل هذه الحقيقة بل وينشرها، من خلال إخلاصه للفكرة التي أنسته الجانب الآخر أو الطرف الآخر من الحقيقة وهو لفظ اسم «فلسطين» والمنطقة المجاورة له التي تتمثل في الضفة الغربية وغزة التي تعاني كل يوم أزمات هذا الإسرائيلي الذي منحه الجائزة، كل هذا لم يذكر في الفيلم، ومن الممكن أن المخرج تجاوزه لأنه لا يريد تكرار مثل هذه الحقيقة، ربما.

ما الغاية

هناك الكثير من التساؤلات التي تحوم حول الفيلم، خصوصا في ما يتعلق بإظهار الإسرائيلي متفوقا وعلمانيا ومتقبلا للآخر، في المقابل، يظهر الفلسطيني جاهلا وعدائيا وبادئا في الهجوم، وليس لديه أي مانع في قتل الأطفال. وتجب الإشارة الى أن التساؤل ايضا يمتد الى الغاية من التركيز على عملية تل ابيب، التي اخذت مشاهد كبيرة مملوءة بالموت والصراخ والصدمة والبكاء، مقابل لقطة واحدة فقط لمجزرة جنين.

هذه مجرد تساؤلات لا تعني أي اتهام الى الدويري صاحب فيلم «بيروت الغربية» المعروف بمواقفه الوطنية وانتمائه للقضايا الانسانية، خصوصا في المنطقة العربية، رغم إقامته في الولايات المتحدة الأميركية.

يظل هذا الجراح في هذا الحالة، معتزا بنجاحاته وحياته الهادئة مع زوجته «المسيحية»، وتحت هذا الوصف يجب وضع خطين عريضين، لأن القادم متمثل فيها، إذ تحدث عملية «انتحارية أو استشهادية» حسب المسمى الذي لم يتفق عليه عالميا، في أحد المطاعم في تل ابيب، تتسبب هذه العملية في قتل أكثر من ‬17 اسرائيليا، معظمهم من الأطفال، مع أن العملية كانت في وضح النهار، والأطفال يجب أن يكونوا في مدارسهم في هذه الأثناء، حسنا، التدقيق في هذه المسألة ليس مهما، ربما يصلح مع هذا المشهد تحديدا المثل المعروف «خليك مع العيار لباب الدار»، لأن حالات الاختناق من قبل مشاهدين بدت واضحة جدا، وردات فعلهم كانت أوضح بسؤال كبير: ماذا يريد؟

تنقلب حياة الدكتور رأسا على عقب بعد هذه العملية، مع أنه خرج ودان هذه العملية فورا، أمام الجميع، الا أن هذا الإعلان لم يعفه من أن يصبح متهما، لأن جزءا من جثة زوجته عثر عليه في المطعم، لا بل وتأكد من خلال الطب الشرعي أنها من قامت بهذه العملية، بسبب وجود بقايا من رابط القنابل على جسدها، هذه الحقيقة لا يصدقها الدكتور الجراح، ويحاول إقناع المعنيين بأن هذا الكلام عار من الصحة، خصوصا أن زوجته مسيحية، ومسالمة جدا، اضافة الى أنه اعتبرها خائنة له، وهذا على الصعيد الشخصي إذا ما كانت بالفعل من قام بهذه العملية، يريد الدفاع عنها سياسيا وشخصيا كي لا يشعر بالخيانة مرتين، خيانة مكان منحه جنسيته، ومنصباً مهماً، وخيانة زوجته لأفكاره.

لكن رسالة منها تجعله يغير مجرى تفكيره، إذ كتبت فيها قبل رحيلها، أنها لا تريد إنجاب أطفال بلا وطن، وطلبت منه ألا يحقد عليها لأنه اذا فعل ستشعر بموتها الحقيقي. يقرر الجراح الذهاب الى الضفة الغربية، وتحديدا الى نابلس التي نسي طريقه اليها، بسبب اندماجه وإخلاصه للمجتمع الإسرائيلي، هذا الطريق كان الهدف منه البحث عن الذين جندوا زوجته وتبليغ السلطات الإسرائيلية عنهم، يريد أن يعرف من استطاع أن يقنع زوجته بأن تقضي على حياتها ولماذا؟

لكن هذا الطريق وهذه الرحلة يخلقان في قلب الدكتور شيئا آخر، وكأن عملية زوجته أرادت منها أن يعطي زوجها لنفسه فرصة مرة أخرى لاكتشاف فلسطينيته من جديد، ليتذكرها ويتذكر حبيبة قلبه كما لم يرها من قبل، يصادف صورها في كل شارع في فلسطين تحت مسمى شهيدة، يرفض المسمى، ويحاول أن يقنع نفسه أنها ليست كذلك، ويصل الى السبب وراء إقدام زوجته على هذه العملية التي ارتبطت بتأثرها الشديد بمجزرة جنين، ويقترب من ذاكرته أكثر ويتذكر ردات فعلها على هذه المجزرة، تبدأ حالة الإنكار بالتنحي شيئا فشيئا لديه، ويبدأ بالتصالح مع فكرة أن زوجته شهيدة بالفعل، حتى أنه يسمع من الذي جند زوجته أشياء لم يعرفها هو الذي شاركها كثيرا من التفاصيل، يشعر بهذا الألم الذي يجتاح سنين عمره كلها، يشعر للمرة الأولى بأنه فلسطيني.

تلك قصة الفيلم، الذي تميز بأداء بطله علي سليمان، الذي قدم شخصيات متعددة في العديد من الأفلام.

تويتر