علواش في فيلم ثوري غير منتهٍ

من الفيلم الجزائزي «نورمال». الإمارات اليوم

من البديهي أن يطغى الحديث عن ثورات «ربيع العرب» في مهرجان الدوحة «ترابيكا» على ما عداها من موضوعات أخرى، وعلى شيء يجعل الأفلام على اتصال بها وإن كانت لا تتناولها، كأن يجري التعريف بفيلم المخرج المصري خالد الحجر «الشوق» ضمن مسابقة الأفلام العربية بأنه «يأخذنا إلى أحد الشوارع المهمشة في الاسكندرية في مصر قبل الثورة»، وأن يحضر فيلم التونسي إلياس بكار «الكلمة الحمراء» ضمن أفلام مسابقة الوثائقي الذي يقدم سرداً توثيقياً لأحداث الثورة التونسية على لسان أحد أبطالها كما يقول لنا دليل المهرجان.

الفيلمان سابقا الذكر وغيرهما من أفلام ستعرض في الأيام المقبلة، وما سأقدم له هنا فيلمان جزائريان عرضا أول من أمس، الأول بعنوان «نورمال» أي طبيعي، له أن يقارب الثورة بطريقة تستدعي التوقف وهو بتوقيع المخرج الجزائري مرزاق علواش، ولعل ما يحمله هذا الفيلم سيكون على شيء من المقاربة الخاصة للثورات العربية، ونحن نتكلم عن فيلم بميزانية متواضعة، مصور بكاميرا ديجتال، الأمر الذي علينا أن نضعه في عين الاعتبار، والذي سيقودنا أيضاً إلى مسودة فيلم إن صح الوصف، فعلواش يخبرنا في هذا الفيلم من خلال حوارات مترامية قصة فيلم غير منته، وعليه فإننا سنقع من البداية على مخرج وزوجته وهما في نقاش مترام عن التظاهرات التي تشهدها الجزائر العاصمة، وسنعرف أن المخرج سيقوم بدعوة من شاركوا في فيلمه من ممثلين لمشاهدة نسخة منه، رغم أنه لم يكتمل، مع نية هذا المخرج أن يقوم بتضمين فيلمه شيئاً من الأحداث التي تشهدها الجزائر، المخرج غير مشغول إلا بفيلمه، بينما زوجته تسعى للمشاركة في التظاهرات، ولعل هذين الخيارين هما لب الفيلم، بمعنى طرحه سؤالاً كبيراً خاصاً بمهمة الفنان، وأين تكمن وظيفته، هل الأمر مقتصر على إنجاز المخرج فيلمه أم في مشاركته الفعلية في التظاهرات؟

ومع عرض المخرج فيلمه على الممثلين فإننا سنكون في فيلم داخل فيلم، أي أن نشاهد الفيلم الذي لم ينته منه المخرج، والذي يحكي عن كاتب مسرحي ترفض مسرحيته من قبل الرقابة، إضافة لعلاقته مع ممثلة فرنسية، وغير ذلك مما له أن يسلط الضوء على واقع الجزائر اليوم وحالة التخبط التي يعيشها شبابه، وخاصة مع الانتقال إلى تأثير الفيلم في الممثلين الذين يشاهدونه للمرة الأولى.

يبدو الأمر لمن يقرأ أن الأمر أشبه بالأحجية ونحن نتكلم عن فيلم داخل فيلم عن مسرحية لا تتم الموافقة عليها، لكن عند مشاهدة الفيلم سيبدو كل ذلك بمنتهى الوضوح، كما أن المشاهد سيتابع عدداً كبيراً من الحوارات لها أن تكون متمركزة تماماً حول دور الفنان في الثورة، وفي مستويات عدة بما فيها نقاشات خاصة بالجزائر والمخاوف التي تحيط بإرادة التغيير كون هذا البلد كان سباقاً في التجربة الديمقراطية التي أفضت في تسعينات القرن الماضي إلى اقتتال أهلي دام، الأمر الذي يحضر كعائق أيضاً أمام الحراك الجماهيري المطالب بالديمقراطية.

بالانتقال إلى فيلم جزائري آخر بعنوان «قديش اتحبني» إخراج فاطمة الزهراء زعموم، مشارك أيضاً في مسابقة الأفلام العربية، فإننا سننتقل إلى مزاج آخر تماماً عن فيلم علواش، حيث يمكن الحديث في هذا الفيلم عن العالم في عيني طفل اسمه عادل في الثامنة من عمره، نجده في رعاية جده وجدته، إذ تحضر علاقة الحفيد بجده وجدته في سياق مبني بحميمية لها أن تكون رهان الفيلم الرئيس، والدافع الرئيس لمتابعة المشاهدة، ولعل تلك العلاقة أجمل ما في الفيلم، ونحن نتابع ما يعيشه عادل معهما بينما والده ووالدته بعيدان عنه وقد قررا الانفصال.

فيلم «قديش تحبني» يقارب عادل من خلال محيطه وينقلنا إلى أزمته المتمثلة بتخلي والديه عنه برقة مفرطة، ولعل الأجواء التي يمضي فيها الفيلم تقول الكثير في هذا الخصوص، إنه عادل من سيأخذ جدته «نجية دباحي لعراف» للمرة الأولى إلى السينما، كما أن تلك الجدة ستكون بكامل حنانها محيطة بعادل، سيكون طبخها معبراً إلى حنانها، وحين تتأزم أمور حفيدها في النهاية مع معرفته أن والده ووالدته قد انفصلا عن بعضهما، وأن حياته لدى جديه دائمة فإنه سيمرض، بينما لن تتردد جدته بالذهاب إلى مدير حديقة الحيوانات لتسأله أن يسمح لحفيدها بالمشاركة في إطعام الحيوانات ومشاهدتها عن قرب. إنه فيلم محاط بالحنان إن كان لنا أن نصفه ختاماً.

طباعة