فيلم لإبراهيم البطوط

«حـاوي».. «أطلّـع مـــن ضلوع الفقر لقمة عيش»

صورة

أبدأ الحديث عن فيلم بالحديث عن أغنية، أردد معها «بقيت حاوي.. بقيت غاوي بعز الجرح أنا ما ببكيش..بقيت عارف أطلع من ضلوع الفقر لقمة عيش.. بقيت قادر أداري الدمعة جوايا ما بينهاش.. بقيت راضي أنام رجليا مقلوبة كما الخفاش»، الأغنية للفريق المصري «مسار اجباري»، ولنا أن نجد فيها العمود الفقري لفيلم المخرج المصري إبراهيم البطوط «حاوي».

الفيلم والأغنية وجهان لعملة واحدة هي المضي خلف الأمل، وفي اتباع أيضاً لمستويات عدة من هذا الأمل، أولها الأمل السينمائي كون فيلم «حاوي» مدعاة له على صعيد انفتاحه نحو طرق أبواب كانت موصدة لزمن طويل، ألا وهو التجريب، الأمر الذي لن يكون غريباً على مخرج مثل البطوط، تحضر وتتكامل تجربته بعيداً عن الوصفات الجاهزة وفي تطلع نحو التأسيس لسينما مصرية مستقلة بحق، عينها على السينما أولاً فناً ومقترحاً جمالياً، منغمساً في الوقت نفسه مع هموم اجتماعية سياسية واقتصادية.

جاز

أعود إلى الأغنية مجددا وقد وضعت قسماً كبيراً منها، والتي يمكن تتبعها وفق بناء الفيلم نفسه، ونحن نرى الفرقة نفسها ضائعة لا تعرف ما الذي تفعله، وأمامها كلمات تلك الأغنية والتي نسمعها مغناة في النهاية، وهكذا يمكننا أيضاً اعتبار الفيلم مبنياً كما لو أنه قطعة من موسيقى الجاز، وعليه نمضي في تتبع السيناريو في هذا السياق مع تشعبات وتفرعات سرعان ما تعود إلى خط ناظم رئيس يجمع العوالم والشخصيات ويقدم لنا في النهاية فيلما متماسكاً يقول لنا ما يود قوله بمتعة ورشاقة وعمق في آن معاً.

وللتوضيح فإن البطوط لم يشتغل في الفيلم وفق سيناريو مكتوب، لم يكن هناك من أوراق، كان السيناريو في رأسه حسب قوله «الحوار لم يكن ارتجالياً بالمعنى المفهوم، لكن الحوار كان يتم الاتفاق عليه أثناء التصوير، فهو مكتوب داخل رأسي وليس على الورق، أسعى لجعل الممثلين يخلقون حوارهم بأنفسهم من شخصياتهم وطبيعتهم، من خبراتهم وحياتهم، حتى يصبح جزءا لا يتجزأ منهم، وليس مجرد بضع كلمات يردودنها أثناء المشهد دون أي مشاعر أو أحاسيس».

والنتيجة هي الفيلم نفسه الذي صوّر في الاسكندرية وكان كل ممثليه والفنيين فيه من هذه المدينة، وهنا يمكن المضي مع خطوط السرد مع خروج الشخصية الأولى من السجن وقد امهل 10 أيام، والذي تتبعه الكاميرا وهي تقول لنا كل شيء، ومن ثم تقدم لنا الشخصية الثانية المتمثلة في ذاك الذي يمشي في شوارع الاسكندرية برفقة حصانه، الحصان الذي يكون على شفير الموت، ومن ثم ذاك العائد إلى الاسكندرية بعد غياب طويل، والذي يسكن في «بانسيون» صغير، ينام على الأرض بين سريري الغرفة وما أن تفتح الباب له أمه حتى تلتمع دمعة في عينيه، وصولاً إلى ابنته التي لا تعرفه ويتواصل معها بعد أن يسعى إلى مقابلتها من خلال العمل، وصولاً إلى الراقصة التي تهوى الرقص وتتعرض لما تتعرض له من إذلال وسوء فهم.

احتمالات

فيلم إبراهيم البطوط مفتوح على كل الاحتمالات، ستلتقي الشخصيات وترتبط، ستكون حركية الأحداث توالدية، بمعنى أن كل شخصية ستقود إلى أخرى، والسرد سيكون غير خاضع لسياق تقليدي، الأجواء كفكاوية، والسواد هو الحاضر الأكبر، ثمة تدوير في الأحداث، وبكلمات أخرى، يؤسس للشخصيات بحيث تأتي فاقعة المعالم، وحمالة عوالم خاصة جداً، والتي ستمضي أحداثها ومصائرها في سياق المعالم الواضحة لها، إذ إن شخصية ذاك الرجل وحصانه كافيان لوضعنا أمام جماليات بصرية ولقطات لا تنسى وكل ما تقدمه هذه الشخصية من أحداث هي علاقتها بالحصان، والشغف به، وهو يمضي به في شوارع الاسكندرية ومن ثم يصل به إلى البحر، حيث يقوم بغسله هناك، ومع هذا يمكن لالتباس الوثائق التي على من خرج من السجن أن يسلمها أن تبقى ذات مسار بوليسي يبقى معلقاً، دون أن يكون ذلك إخلالاً بما نشاهده بمتعة بصرية خاصة.

سلبية

السلبية الوحيدة في الفيلم لها أن تكون مع مصير الشخصية سابقة الذكر التي تقضي بحادث سيارة، وأجد أنها لا حاجة لها إلى أن تنتهي أصلاً بنهاية حاسمة، خصوصا أن حادث السيارة منفذ بما هو متاح دون إقناع، ولتتأسس على هذا الحدث نهاية الفيلم التي تجمع جميع الشخصيات بعد أن تم ربطها ببعضها بعضاً درامياً، ولتمشي مع أغنية «مسار إجباري»، حيث الفرقة تعزف وتغني الأغنية وهي محمولة على عربة صاحب الحصان.

الفيلم مدعاة للتوقف طويلاً، ودعوة إلى مقترح جديد ومغاير في السينما العربية، مع تأكيد أن هذا النزوع التجريبي ليس بمعزل عن الواقع، فالفيلم في ملمح من ملامحه قراءة للواقع المصري ما قبل الثورة، بحث مضن عن مفاصل الأخلاقيات المتحكمة فيه، ولنكون أيضاً أمام ثلاثة معتقلين سياسيين كما سنكتشف في النهاية، كما أن هذه الواقعية ستكون ملتصقة بالاسكندرية، بجماليتها، بالتوثيق لها والالتصاق ببحرها.

تويتر