جديد داني بويل

«127 ساعة».. قبل الـموت بقليل

127 ساعة فقط لا غير تنحشر فــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي ساعة ونصف الساعة. أرشيفية

ليس زمناً مترامياً عليه أن يمر في فيلم لا تتعدى مدته الساعة ونصف الساعة، إنها 127 ساعة فقط لا غير، عليها أن تنحشر في ساعة ونصف الساعة، وليس الأمر بأكثر من شخصية واحدة وموقع تصوير واحد، وعلى رهان بأن الزمن الواقعي القصير والزمن الافتراضي للفيلم، كما هو متعارف عليه، قادر على أن يضعنا أمام حياة كاملة، لا بل بما يتعدى ذلك إلى جعل هذه الحياة على المحك، ومتى كانت كذلك، فإن القيم الحياتية ستكون متكاثفة ومتدافعة، سيكون الماء الذي نشربه ليل نهار معبراً حقيقياً للبقاء على قيد الحياة، الأمر الذي ندركه، أي أننا لا نستطيع الحياة من دون ماء، حقيقة بديهية سرعان ما تمسي صارخة ومدوية حين نكون على مقربة من الموت عطشاً، لا بل إن سكيناً مزيفة سرعان ما تصير غير قاطعة ولا حادة سرعان ما تتحوّل إلى خطأ وجودي.

«إياك أن تشتري سكيناً صينية مزيفة» سيخبرنا آرون رالستون (جيمس فرانكو) في فيلم 127 Hours 127 ساعة، المعروض حالياً في دور العرض المحلية، والمرشح لست جوائز «أوسكار»، بما فيها جائزة أفضل فيلم لهذا العام، وصولاً إلى جائزة أفضل ممثل في دور رئيس لجيمس فرانكو الموجود دائماً في أدور مميزة، وليكون في هذا الفيلم الذي أخرجه داني بويل صاحب «مليونير الأحياء الفقيرة» ملتقى لكل ما في الفيلم، ونحن نعود إلى ما بدأنا به بأن الفيلم يملك رهانات قليلة أي شخصية واحدة وموقع تصوير واحد، لكن هذه الرهانات سنتعرف عليها في الفيلم وهي تنجح في جعلنا متسمرين أمام ما نشاهده، والعناء الوحيد الذي نتكبده يأتي مما يعانيه رالستون، وما يمكن للحياة أن تصير إليه وصولاً إلا قراره الدامي الذي لن يجد محيداً عن المضي به رغم أن ما بحوزته ليس إلا تلك السكين الصينية.

آرون رالستون شخصية حقيقية، وما حدث معه هو ما سنشاهده في الفيلم، وقد صرح رالستون لدى مشاهدة الفيلم بأن الفيلم واقعي لدرجة الوثائقية «لكنه يبقى فيلما درامياً»، وعلى شيء يدفعنا هنا للقول إن وقائعاً استثنائية لها أن تتحول بالتأكيد إلى دراما، فكيف بمن يمضي في رحلة في مكان ناء لا شيء فيه إلا الصخور والجبال والمساحات المترامية، ومن ثم يقع في شق صخري، وبينما يقع ترافقه صخرة كبيرة، ولتنحشر ذراعه بين الصخرة والجدار، ويبقى آرون متدلياً بينما ذراعه مسحوقة بين الصخرة والجدار.

في ما تقدم هو كل أحداث الفيلم، وما تبقى متروك لأشياء كثيرة تستحضر مع الموقف الثابت والتراجيدي الذي يعلق به آرون، وهو يخرج كل ما في حقيبته من معدات التي لا تتعدى كاميرا الفيديو وكاميرا فوتوغرافية ديجيتال وسكين وعبوة مياه وحبال، وليبدأ بداية بمحاولة لحت الصخرة بوساطة السكين، الأمر الذي سرعان ما يكتشف عبثه.

مع هذا الموقف تحضر الأشياء الصغيرة، التي كلما كانت صغيرة ولا ندرك معناها في الحياة العادية فإنها تمشي شديدة الأهمية، ومثالنا في الفيلم على ذلك هي الحلقة المعدنية التي تكون في نهاية السكين، فعندما تقع السكين من آرون، فإنه يسعى إلى استعادته بقدمه التي لا تصل إليها، فيستعين بغصن شجرة صغير يقوم بثنيه من الأعلى، ولولا وجود تلك الحلقة فما كان للغصن أن يعلق بالسكين ويتمكن آرون من سحبها واستعادتها.

ومقابل ما تقدم تحضر المشاعر التي يشعر بها الإنسان لدى نجاحه في تحقيق ذلك، فرحه في استعادة السكين، فرحه بأن يتمكن من تثبيت الجبال بصخرة رابضة في الأعلى ليثبت نفسه ويتمكن من النوم.

وفي مستوى آخر، تحضر أيضاً المكالمة الهاتفية التي لم يجب عليها آرون، وقد كانت أمه المتصل، وبالتالي فإن أحداً لن يتفقده أو يعرف أين هو.

يبدأ الفيلم من شخصية آرون نفسها التي نمضي معه ربع ساعة أكثر أو أقل ونحن نتعرف إلى فرحها ومسعاها لأن تكون الحياة على اتصال بالبرية والطبيعة، وهو يتنقل بدراجته محتسباً الوقت الذي يستغرقه في تنقلاته، وهنا يتعرف إلى فتاتين ويمنح نفسه معهما مساحة أخرى من الفرح، ولعل هذا الوقت الوجيز الذي نمضيه معه قبل وقوعه في المأزق الكبير الذي يتربص به يكون كافيا لنعرفه جيداً، وأول ذلك نزوعه نحو التفاؤل وحب الحياة، وهنا تحضر صفة أخرى يقدمها الفيلم بامتياز بما يتعلق بشخصيته الرئيسة، ألا وهي تقديمها بعد نزع مفهوم البطولة الأجوف عنها، فكل ما يقدم عليه آرون في النهاية آت من تفاؤله، من قدرته على الغناء وهو على حافة الموت، ومسعاه لتوثيق ما عاشه عبر كاميرا الفيديو التي بحوزته، التي يستخدمها داني بويل كأداة سردية هو الذي اطلع على تسجيلات آرون الحقيقة، لا بل إن نفاد البطارية له أن يشير إلى مقاربة آرون الموت.

طباعة