المخطوفون روائياً.. المفقودون وثائقياً

«ملاكي» وثيقة محملة بالكثير عن مخطوفي الحرب اللبنانية. أرشيفية

هل يمكن الحديث عن مخيلة أقل عطباً من الواقع؟ جملة ملتبسة بالتأكيد، لكن عند تحليلها ستكون سينمائياً على النحو التالي: هل يمكن الحديث عن تفوق السينما الوثائقية في العالم العربي على الروائية منها؟ للدقة! هل يشهد الفيلم الوثائقي العربي تطوراً، بينما الروائي في تراجع؟

للمقارنة هنا أن نقدم شيئا من الحقائق، أولها يتمثل بأنه لا جديد على المجال الروائي في انتاجات ،2010 ما من خروق استثنائية، بينما يمكن الحديث عن غير ذلك على الصعيد الوثائقي، كمّاً ونوعاً، وفي ذلك ما يغري أيضاً بتبني مقولة مثل إن الوقائع العربية التي تستدعي التوثيق من الكثافة والسعة بما يجعل الكم الكبير من انتاجات السينما الوثائقية العربية مهما اتسعت وتنامت أقل من الواقع، خصوصاً إن كان الأمر متعلقاً بمساحات تشمل مفاصل تاريخية أو مجتمعات واشكاليات وإثنيات ومشاغل وهموم لا تنتهي، وعلى أصعدة عدة سياسية واقتصادية واجتماعية، هذا الأمر يمتد ليطال الفيلم الروائي العربي، بمعنى أنها في معظمها تتصدى لموضوع بعينه، سابق للسرد السينمائي، الذي قد ينجح أو لا ينجح في تقديم رواية موازية للواقعي، ونقل الموضوعات إلى مستويات تجعلها على اقتراب من المتخيل بوصفه معادلاً موضوعياً للواقعي.

ننتقل إلى أفلام تتحالف مع ما سبق ذكره، ونكتفي بفيلمين لبنانيين هنا، يأتي فيلم بهيج حجيج «شتي يا دنيا» الفائز بجائزة أفضل فيلم في مهرجان أبوظبي السينمائي، وجائزة الإخراج في مهرجان وهران السينمائي ـ بما يسبقه تماماً بمعنى أنه أولاً وأخيرا فيلم عن مخطوفي الحرب اللبنانية الأهلية، وعليه فإن المقاربة التي تنطوي تحت هذا العنوان ستعدنا بسرد متمركز حول شخصية واحد من أولئك المخطوفين الذي نجده يخرج من سجنه أو خطفه، إلى النور أو الحرية، ولنمضي الفيلم كل الفيلم في تمطيط لمعانته مع عائلته التي عاشت لأكثر من 20 سنة من دونه، هذا الموضوع الذي سرد روائياً بميوعة ميلودرامية، سيقابله فيلم وثائقي بعنوان «ملاكي» لمخرج لبناني هو خليل زعرور، بما يجعل هذا الأخير وثيقة محملة بالكثير عن مخطوفي الحرب اللبنانية، لكن بوصفهم مفقودين هنا، وانتظارات من هم في الحرية لهم، أي العائلة والأهل والأبناء، وليكون فيلم زعرور الوثيقة الأهم عن المخطوفين والذين فقدوا ولم يعودوا موجودين، مع حالة أنهم ليسوا بأحياء ولا أموات.

في فيلم زعرور مشهدية خاصة جداً، وتنويع في السرد، وهو ينتقل من حالة إلى أخرى، وصولاً إلى استعادته في مرات عدة تجسيد ما يروى، أو أخذ مفردة من الحديث المروي وتحويله إلى مفردة بصرياً، كما سنرى سيدة تروي قصة خطف زوجها واختفائه، وهي جالسة في مساحة مغمورة بالثلج، بينما ورود حُمر مغروسة في الثلج تحيط بها.

لا بل إن زعرور، عدا تقديمه ضحايا الخطف في أسلوب مؤثر، فإنه يستثمر تماماً في أدوات سردية روائية، بما في ذلك اللقطات الطويلة وبناء مواقع التصوير، على طريقة الصيني جيا زانغ.

في ما تقدم نموذج لما نقصده بتفوق الوثائقي على الروائي، وهناك أمثلة أخرى نتركها لمناسبات أخرى، لها أن تلتقي ربما على قدرة الفيلم الروائي على التلفيق ما لم يصنع بأدوات سينمائية محكمة، وقدرة الوثائقي على بناء عوالمه حول موضوعه بجمالية خاصة، واستثماره الأدوات الروائية بأفضل مما يفعل الفيلم الروائي.

طباعة