‏«ابن بابل» العراقي أثار توتراً بين مشاهديه‏

‏خليل شوقي: معوقات فنيـة واجتماعية تعرقل السينـما الخليجية ‏

خليل شوقي صاحب أول فيلم مصري ناطق في العراق. تصوير: لؤي ابوهيكل

‏‏قال الفنان العراقي خليل شوقي إن «عقبات فنية واجتماعية تعرقل صناعة السينما في دول الخليج العربي». واستعرض بدايات السينما في المنطقة، وقضايا تشغل العاملين في مجال الفن السابع.

و شهدت ليلة، أول من أمس، في مهرجان الخليج السينمائي فيي دبي، حوارات حول هموم وإشكالات السينما في العراق والخليج. وكان محور جلسة منتصف الليل النقدية للإجابة عن تساؤل: ماذا يحدث في السينما العراقية بعد الغزو والاحتلال؟ في حين اثار فيلم «ابن بابل» العراقي ضجة عقب عرضه، وصلت إلى حد التلاسن بين حانقين على الرئيس العراقي السابق صدام حسين وطالبي التماس الرحمة له. ومع وجود عدد من المخرجين العراقيين، فضلاً عن لقاءات إعلامية عقدها أحد المكرمين الثلاثة في الدورة الحالية للمهرجان، هو الفنان خليل شوقي، كل ذلك جعل مستقبل السينما في العراق والخليج محورا في دائرة الضوء اعلاميا.

شوقي الذي جاء إلى المهرجان مكرماً، حاملاً جهود 60 عاماً من العطاء في مجال الإخراج والتأليف والتمثيل التلفزيوني والمسرحي، قادماً من هولندا التي تحولت من منفى قصده قبل 18 عاماً إلى مستقراً لأسرته، يحرص دائماً أن يؤكد في مستهل لقاءاته «أنا كردي، بغدادي الهوى.. وطني العراق»، تماماً كما أكد عبر فيلم وثائقي عُرض في ليلة المهرجان الافتتاحية.

وفي حواره لـ«الإمارات اليوم» تطرق إلى قضايا متعددة، قال شوقي ان الحديث عن السينما الخليجية سيكون في معظمه حديثاً عن «مستقبل مجهول»، مضيفاً «السينما الخليجية لم تولد بعد، بل تمر بمراحل ولادة متعثرة قد تؤخر فعل الولادة نفسه عقوداً طويلة»، لافتاً إلى أن «الأفلام القصيرة والوثائقية التي يقدمها الشباب الخليجي يمكن أن تكون المقدمة الحقيقية لتلك السينما، بعد أحجار العثرة الكثيرة التي ألقيت في طريقها، وبشكل خاص في بلدي العراق، الذي كان رائداً في تلك الصناعة خليجياً».

واعتبر شوقي الذي يمتد ارتباطه بالتلفزيون العراقي منذ بداية بثه عام 1965 أن هناك معوقات فنية وإنتاجية واجتماعية كثيرة أعاقت ولادة تلك الصناعة خليجياً، مضيفاً: «الآن فقط بدأت إرهاصات مهمة لمقدمات مرحلة الولادة المنتظرة عبر أعمال نوعية لإنتاج أفلام قصيرة ووثائقية مبدعة من قبل الشباب الخليجي، الذين من المؤكد أن تجاربهم الغضة بحاجة إلى عقود عدة من أجل أن نلمس وجوداً للفيلم السينمائي الخليجي في دور العرض، وليس فقط في المهرجانات الخليجية التي تلعب في مجموعها دوراً مهماً لتحافظ على جنين السينما الخليجية الآخذ في التشكل الآن من دون تشوه».

ورأى خليل أن السينما الخليجية تأثرت كثيراً بما آل إليه مصير الفيلم العراقي، بسبب الحروب المختلفة، وبشكل خاص حرب الخليج الثانية، مضيفاً: «لم يعد ثمة رهان عراقي على الفيلم الروائي الذي يتطلب مقومات غير موجودة في الداخل العراقي الآن، وأصبح أقصى آمال المراقبين والنقاد في هذا المجال هو إنتاج أفلام وثائقية وقصيرة، يتم من خلالها استثمار الشق الإيجابي في معاناة العراقيين اليومية، التي يصلح الكثير منها لأن يكون نواة لمئات الأفلام الجيدة على مستوى النص والسيناريو».

«ليلى في العراق»‏

‏بكثير من حنين الذكريات عاد الفنان المخضرم العراقي خليل شوقي، المولود عام ،1929 إلى ذكريات تصوير أول فيلم مصري ناطق في العراق، بعنوان «ليلى في العراق»، مضيفاً: «لم نكن نحن العرب نمتلك خبرات التعامل مع الكاميرا، وكنا نتحسس خطواتنا الأولى التي كانت شديدة التواضع»، مضيفاً: «كان بالإمكان أن تكون تلك الخطوات أكثر تسارعاً لولا أحجار العثرة الكثيرة التي ألقيت أمامنا»، مشيراً إلى أن بغداد «كانت عامرة بـ12 دار عرض ما بين تقليدية وصيفية، وكانت محوراً لإنتاج دراما خليجية متميزة، قبل أن نعود إلى مربع يقترب كثيراً من نقطة الانطلاق، ولكن برأس أكثر وعياً وانفتاحاً، واضعين كل طموحنا على إبداع الجيل الشاب».

واستبعد شوقي أن تحقق الأفلام الأميركية، التي تتخذ من الأرض العراقية مكاناً ومن أحداثه خيوطاً درامية، معالجة لقضايا العراق بوجهة نظر يمكن أن يعتد بها سينمائياً، مضيفاً: «ليس لدي اعتقاد في أن السينما الأميركية تنحو منحى أكثر إيجابية»، مصرحاً: «نادراً ما أشاهد الآن فيلماً عربياً، ومعظم علاقتي التواصلية بالسينما أصبحت منحصرة في الأفلام الغربية».

يذكر أن خليل الذي درس عام 1943 المسرح في معهد الفنون الجميلة ببغداد، بدأ حياته المهنية موظفاً في السكة الحديد العراقية، قبل أن يقدم 250 عملاً إذاعياً، وكتب وأخرج نحو 36 عملاً تلفزيونياً، وشارك في تمثيل 25 عملاً تلفزيونياً وتسعة أفلام سينمائية، و27 مسرحية، فيما شارك أيضاً في العديد من المهرجانات العربية والدولية، ورغم بلوغه الـ،82 إلا أن الرجل يحرص دائماً على المشاركة الفعالة في المؤتمرات والندوات التي تتعلق بالدراما والسينما العربيين بشكل فاعل، متغلباً على حاجز إقامته في هولندا.

رغم ذلك لا يعتبر خليل إشكالية النص خاصية عراقية أو خليجية فحسب، بل يراها مشكلة تتعلق بالسينما العربية عموماً، مضيفاً: «إذا تحدثنا عن السينما العربية، نكون بكل تأكيد نتحدث عن السينما المصرية، لأنها النموذج الوحيد لصناعة السينما بكامل أدواتها وبيئتها وجمهورها وسعة انتشارها، وهي لسوء الطالع أيضاً النموذج العملي لغياب النص الجيد، سواء في مرحلة النشأة والانطلاقة الأولى في منتصف القرن الماضي أو حتى في المراحل المتتالية»، مضيفاً: «اقتربت في كثير من مراحل حياتي من العديد من الضالعين في عملية الإنتاج في السينما المصرية، ووجدت الكثيرين منهم أقرب إلى صفات التاجر منهم إلى ملامح صاحب المشروع الثقافي، وهو أمر انعكس على خياراتهم التي أصبحت تقليداً أصيلاً في بلد الإنتاج السينمائي الضخم الوحيد عربياً».

وأكد شوقي أن هناك تطوراً نوعياً حدث على الصعيد العربي في السنوات العشر الأخيرة، بسبب دخول الإنتاج السوري هذا المجال، مضيفاً: «الإنتاج السوري لفت الأنظار بشدة إلى أهمية تقديم منتج سينمائي هادف فكرياً، ونوعي وبشكل خاص على مستوى النص، وهو أمر تأثرت به أيضاً صناعة السينما المصرية التي لم تستطع رغم ذلك التخلص من كل آفاتها التجارية، بعد أن أصبحت تلك الآفات جزءاً من الجانب الأكثر طلباً في معادلة العرض والطلب بين المنتجين وأصحاب دور السينما». ‏

طباعة