ضعف التواصل بين المسؤولين والجمهور وراء رواج «البث المباشر»

البث المباشر يمتلك عناصر قوة كثيرة مقارنة بالوسائل الأخرى.        الإمارات اليوم

قال مستمعون للإذاعات المحلية إن رواج برامج البث المباشر، التي تتضمن عرضاً لعدد كبير من المشكلات يومياً، يكشف ضعف قنوات التواصل بين الجمهور والمسؤولين في الوزارات والمؤسسات الاتحادية والمحلية، فضلاً عن الشركات الخاصة، وتظهر التلكؤ في حل تلك المشكلات، ما يضطر اصحابها للجوء الى برامج البث المباشر لتشكيل ضغط على المسؤولين ودفعهم إلى الاهتمام بها. لكنهم طالبوا في الوقت نفسه الاذاعات بالاهتمام بكفاءة وقدرة المذيع على ادارة البرنامج والتصرف إزاء المشكلات المعروضة. في الوقت الذي رأى فيه مذيعون ومختصون في الإعلام أن برامج البث المباشر تمتلك عدداً من عناصر القوة التي تميزها عن بقية صيغ التواصل الاعلامي، «إذ إنها وسيلة تفاعلية تسير في اتجاهين ولا يقتصر الحوار فيها على طرف واحد بينما يغيب صوت المتلقي للمعلومات، بالإضافة إلى أن طرحها ومناقشتها للهموم والقضايا العامة أكسبها عنصر قوة ميزها عن بقية البرامج. لكنهم اشتكوا بدورهم من «وجود مسؤولين يرفضون التعاون والحديث عبر الاذاعات لأسباب مختلفة».

وتفصيلاً، قال سعيد حمد إنه واجه مشكلة مع احدى الدوائر الحكومية المحلية، أثناء سعيه للحصول على ترخيص منشأة، استغرقت نحو شهرين، ما دفعه الى الاتصال بأحد برامج البث المباشر، وشرح شكواه، وما هي الا دقائق حتى اتصل مسؤول من الدائرة المعنية وعرض حل المشكلة في دقائق.

وأفادت «أم رنا» وهي تعمل في إحدى الشركات الخاصة، بأنها لم تتمكن من الحصول على علاج لابنتها المصابة بأحد أمراض الدم، على الرغم من مراجعة أحد المستشفيات مرات عدة، وتمكنت من ذلك بعد اتصالها في البث المباشر.

في المقابل، اعتبر مساعد المدير العام للشؤون الإدارية والخدمات العامة في بلدية دبي عبيد سالم الشامسي، أن برامج البث المباشر واحدة من الوسائل المتعددة للتواصل بين المسؤولين وأفراد الجمهور، وأن البلدية ترحب بتلقي الملاحظات والشكاوى والنقد من خلال التواصل عبر أي وسيلة، لكنها لا تعطي اهتماماً خاصاً للمشكلات التي تنقل لها من خلال برامج البث المباشر. وأكد أن سرعة التجاوب مع مشكلات العملاء تحددها سياسة عامة تلزم البلدية نفسها بها في التعامل مع مشكلات الجمهور التي تحتم عليها الاستجابة السريعة وعدم إهمال أي شكوى، وهو الأمر الذي يراقب ويضبط من خلال برنامج يحسب المدة الزمنية المستغرقة في حل أي مشكلة ويتم تعميم نتائجه على رؤساء الوحدات والأقسام التنظيمية، وفي حال رصد أي تأخير أو عرقلة يتم التواصل مع العميل عبر رسائل الهاتف المتنقل النصية لاطلاعه على نتيجة الشكوى التي تقدم بها. وعن السبب في وصول المشكلات أساساً لبرامج البث المباشر، قال الشامسي «ربما لوجود الحوار واشتراك أكثر من طرف في مناقشة المشكلة وعرضها فإن المشكلة تتوضح ويتم فهمها أكثر من تسجيلها عبر أي وسيلة أخرى». ونفى أن يكون تسليط الضوء على المشكلة من خلال النقل الحي للبرنامج هو ما يدفع البلدية لحل المشكلة، مؤكداً أنه لا توجد سياسة مبرمجة لدى البلدية للتعامل مع المشكلات المنقولة عبر البث المباشر بجدية أو بسرعة، وأن كل ما في الأمر أنها وسيلة مثل غيرها من وسائل التواصل الأخرى.

 

 «مسنودون»

اعتبر المذيع ومعد البرامج الذي خاض تجربة تقديم برنامج البث المباشر في إذاعة نور دبي أيوب يوسف، أن انتشار برامج البث المباشر في كل إمارات الدولة خلق نوعاً من التنافس المثمر، «إلا أنه خلق في الوقت نفسه نوعا آخر من المشكلات، إذ أصبحت كل إمارة تتقوقع على نفسها وتتعامل مع المشكلة التي تخصها بمعزل عن ارتباطها بمشكلات الإمارات الأخرى». وعند سؤاله عن نوعية المسؤولين الذين لا يتجاوبون وكيف تعامل البرنامج معهم، قال يوسف إن هناك مسؤولين «مسنودون»، وأضاف أن هؤلاء «يضربون أسئلة وسائل الإعلام بعرض الحائط، لكنه أكد أن شريحة كبيرة من المسؤولين وتحديداً على مستوى الدوائر الحكومية في إمارة دبي متجاوبة، لاسيما أن هناك رقابة عليا توصي على الدوام بضرورة التعاون والتجاوب مع وسائل الإعلام».

عناصر قوة

ويشير استاذ الاتصال الجماهيري في جامعة الشارقة الدكتور محمد عايش، إلى أن مقارنة برامج البث المباشر بوسائل الاتصال الاعلامية الأخرى تكشف امتلاكها عناصر قوة تميزها عن بقية صيغ التواصل الاعلامي، أولها أنها وسيلة مباشرة تنقل الأفكار بشكل حي، إلى جانب أنها وسيلة تفاعلية تسير في اتجاهين ولا يقتصر الحوار فيها على طرف واحد بينما يغيب صوت المتلقي للمعلومات، بالاضافة إلى أن طرحها ومناقشتها للهموم والقضايا العامة أكسبها عنصر قوة ميزها عن بقية البرامج.

وأكد عايش أن وجود منصة إعلامية مثل برامج البث المباشر يعتبر نقلة نوعية وجيدة على مستوى الحرية الاعلامية في الدولة، إذ يتم الاتصال فيها والتفاعل بين الأطراف المشاركة، وفي كل الاتجاهات، ويضيف «ان جزءاً من الدور الذي تلعبه هذه البرامج يتمثل في توفير بيئة مناسبة للحوار مع صانعي القرار، ما يصب إلى حد ما في اتجاه رفع سقف الحرية الإعلامية.

أما مقدم برنامج البث المباشر في إذاعة نور دبي المذيع راشد الخرجي، فقال إن ردود الفعل على الشكاوى لا تكون واحدة في كل الأوقات، إذ هناك من يتعاون من المسؤولين لحل المشكلات المطروحة وهناك من لا يبدي أي تعاون، مشيراً إلى أن الامتناع عن المشاركة في البرنامج عادة ما يكون من المسؤولين الذين يرون في البرنامج سيفاً مسلطاً على رقابهم نتيجة فهمهم الخاطئ لوظيفته، واعتبار البعض له وسيلة لترصد العيوب والأخطاء. لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن البرنامج تمكن من تغيير أسلوب تفكير الكثير من المسؤولين بدليل تخصيص عدد من الدوائر الحكومية في دبي برامج إعلامية تتناول مسؤوليات ومهام مؤسساتهم، بغرض مساعدة أفراد الجمهور على فهم عملهم والتعاون معهم.

كما أعطى الخرجي أمثلة على بعض الإنجازات التي حققها برنامج البث المباشر مثل صدور قانون الاخطاء الطبية، بعد عرض الكثير من المشكلات المتعلقة بالأخطاء الطبية عبر البرنامج.

أما مقدم برنامج البث المباشر في قناة الرابعة في إذاعة عجمان عبدالله بن خصيف «أبوراشد» فاعتبر ترحيب المسؤولين في الدولة ببرامج البث المباشر خير دليل على إيمانهم بأهمية ودور تلك البرامج في حمل الناس على المشاركة والتعبير عن قضاياهم، ما زاد في النهاية من مستوى الحرية الإعلامية.

وأضاف أبوراشد إن استغلال البرنامج من قبل المشاركين فيه «أمر وارد كوننا بشر ومن الممكن أن نخطئ»، مؤكداً أنه لا يحصل في دولة الإمارات. وأكد أبوراشد أنه لا يلجأ الى «الفلترة» بمعنى انه لا يمنع احداً من الكلام لأن مشكلة كل شخص بالنسبة له هي أكبر مشكلة، وأن «الفلترة» ومنع الناس من الحديث هو إجحاف في حقهم. كما تحدث عن دور المذيع صاحب الخبرة في الإمساك بزمام الامور وإدارة الحوار بشكل إيجابي. وقال إن البعض لا يفهم دور مقدم البرنامج ويلومه على التدخل والمقاطعة، مع أن ذلك يمثل جزءاً من دوره في امتصاص انفعال المتصل والابتعاد عن المشادات الكلامية وتوجيه الاتهامات والوصول بالحوار نحو أهدافه.

أسماء مزيّفة

معد البرامج والمذيع أيوب يوسف لديه تجربة قاسية مع مستمعين اعتبرهم ««كاذبين» غيروا من نظرته للتعامل مع المشاركين في برامج البث المباشر.

يقول يوسف «كنت في البداية أصدق ما يقوله المستمعون، وأن المسؤول ممكن أن يكون ظالماً، لكن بعد ذلك اكتشفت أن بعض المشتكين يبالغون، وأن لهم غايات خاصة من وراء تضخيم المشكلة، ويبدأون بالكذب من اللحظة الأولى فيغيرون أسماءهم في وقت يهاجمون أشخاصاً بالأسماء، ويتعدون عليهم بالاتهامات. وأعطى أيوب مثالاً على افتراء بعض المشتكين، إذ طالب رجل وزارة الصحة بتأمين العلاج لابنته في الخارج وحين تابع برنامج البث المباشر مشكلته مع وزير الصحة، اكتشف أن الرجل يدعي تقصير الوزارة لأنه يريد مزيداً من الرحلات العلاجية بهدف السياحة، وأن علاج ابنته اكتمل في الخارج بعد سفرها مع الوالد ثلاث مرات، وأن كل ما كانت تحتاجه بعد ذلك هو المتابعة الطبية المتوافرة داخل الدولة.

الخرجي من جهته، وافق على استغلال البعض لطبيعة البرامج المباشرة في مهاجمة البعض نتيجة خلافات شخصية. وقال إنه يفلتر الاتصالات قبل الانتقال على الهواء لضمان عدم حدوث ذلك، إذ يطلب من المتصل تعديل طريقة الطرح، أو إلغاء جوانب معينة من الموضوع تتعلق بقضايا غير صالحة للنقاش على الهواء. وأكد انه يتم رفض كل رسائل التهنئة والمديح لأي جهة أو شخص، لأن ذلك نوع من التلميع يرفض البرنامج أن يكون شريكاً فيه، خصوصاً أن البعض يكونون أحياناً مجبرين من رؤسائهم على تقديم هذا المديح. وشرح أن الفلترة تعد المرحلة الأولى تأتي بعدها المرحلة الثانية، خلال البث على الهواء والتي يلعب المقدم دوراً في منع تحويلها إلى ساحة للهجوم أوالادعاء الباطل، مؤكداً عدم قطع الخط على الهواء حتى في تلك الحالات حتى لا تتهم تلك البرامج بالتضييق وعدم الشفافية وكبت الحرية. أما استاذ الاتصال في جامعة الشارقة محمد عايش، فأكد أنه «على مقدم البرنامج ألا يتحول إلى طرف لأنه وسيط بين الطرفين، ولا بد أن يلتزم به وألا يدلي برأيه أو يطرح التفسيرات والاجتهادات عن قضايا وأمور قد لا يفقه فيها».

طباعة