«كريستيان ديور» تفتح أرشيفها على المستقبل في باريس
لم تأتِ مجموعة «كريستيان ديور» النسائية إلى منصة أسبوع باريس للموضة لتستعيد الماضي كما هو، بل لتختبر مقدار ما يمكن أن يتغيّر فيه قبل أن يفقد معناه، على المنصة بدت رموز الدار الفرنسية الشهيرة كأنها تدخل في حالة تفكيك وإعادة تركيب: الخياطة التي صنعت صورة ديور، الفساتين ذات الحضور المسرحي، القطع اليومية، والأحجام التي تتبدل من هيئة إلى أخرى، كلها اجتمعت في عرض يضع سؤالاً واحداً في الواجهة: كيف يمكن لدار يحمل اسمها أكثر من سبعة عقود من تاريخ الأزياء أن تتحدث بلغة الحاضر من دون أن تصبح أسيرة لأرشيفها؟ كان العرض، في جوهره، رحلة بين صورتين للمرأة، الأولى تعرفها ديور جيداً: امرأة تحيط بها الخياطة المحكمة، وتحدد الملابس خصرها وحركتها وتمنحها هيئة مصممة بعناية، والثانية أكثر تحرراً من هذه القواعد؛ تتحرك فيها القطعة مع الجسد بدلاً من أن تفرض عليه شكلاً واحداً، وتتجاور فيها الفخامة مع عناصر أقرب إلى الملابس اليومية، وبين الصورتين بدت المجموعة كأنها تبحث عن تعريف جديد للأناقة الديورّية، لا عن نسخة جديدة من الماضي.
تقاليد الخياطة
هذه المسافة بين الشكل والتفاصيل كانت من أكثر ما يلفت النظر في المجموعة، فالملابس لا تتخلى عن البناء، لكنها تخفف من صرامته، والقطع التي تستدعي تقاليد الخياطة الفرنسية لا تبقى بالضرورة محافظة على وظيفتها الأصلية. تتحول السترة إلى قطعة يمكن أن تحمل إحساساً أكثر عفوية، ويتراجع الفستان عن كونه مجرد استعراض للشكل ليصبح مساحة للحركة، فيما تتجاور التفاصيل الدقيقة مع قطع تبدو للوهلة الأولى أبسط وأكثر يومية.
وهنا تكمن أهمية التعامل مع المجموعة باعتبارها عملية إعادة توزيع للرموز. فديور لا تحتاج إلى اختراع هوية جديدة من الصفر، إذ إن لديها واحدة من أكثر الهويات رسوخاً في تاريخ الموضة. التحدي هو أن تجعل هذه الهوية قابلة للحركة، لذا فإن استدعاء عناصر من تاريخ الدار لا يبدو في المجموعة مجرد حنين، بل جزءاً من محاولة اختبار، أي من هذه الرموز مالايزال قادراً على العمل في خزانة المرأة اليوم، وأيها يحتاج إلى تغيير في النسب أو الخامة أو طريقة ارتدائه؟
الأرشيف مادة خام
منذ ظهور «المظهر الجديد» في أربعينات القرن الماضي، ارتبط اسم ديور بصورة أنثوية شديدة الوضوح: خصر محدد، وأحجام مدروسة، وتوازن بين صرامة الخياطة ورومانسية الفستان. هذه اللغة صنعت جزءاً أساسياً من شخصية الدار، لكنها تنتمي في الوقت نفسه إلى زمن كانت العلاقة بين الملابس والجسد أكثر تقيداً بالقوالب.
ما فعله العرض الجديد هو التعامل مع تلك اللغة بوصفها مفردات قابلة لإعادة الاستخدام. لا تختفي ذاكرة ديور، لكنها تتوقف عن كونها قالباً إلزامياً، وهذا يفسر التفاوت المقصود بين القطع الأكثر تركيباً والأخرى الأكثر انسياباً، وبين ما يبدو مأخوذاً من عالم الخياطة التقليدية وما يقترب من الملابس اليومية.
إنها مقاربة لا تقول إن الماضي انتهى، ولا إن المستقبل يجب أن يمحوه، بل تفترض أن أفضل طريقة للحفاظ على الإرث هو السماح له بالتغيّر.
اختبار للهوية
أهمية العرض الجديد تتجاوز تفاصيل الموسم نفسه، فالدار تختبر من خلاله توازناً حساساً بين ثلاثة عناصر: الاسم التاريخي، ولغة الملابس، والمرأة التي سترتديها اليوم.
وإذا كان هناك من دور الأزياء من تعتمد على إعادة إنتاج العلامات الأكثر شهرة لديها لضمان التعرّف الفوري إلى هويتها، فإن ديور تواجه معادلة أكثر تعقيداً، فكلما بالغت في تكرار رموزها، بدت أسيرة للماضي، وكلما ابتعدت عنها كثيراً، أصبح السؤال حول ما الذي يجعل القطعة «ديور» مشروعاً أكثر إلحاحاً.
المجموعة تتحرك في هذه المنطقة الرمادية تحديداً، فهي لا تتخلى عن الخياطة ولا عن الفستان ولا عن التفاصيل التي تمنح الملابس حضورها الفاخر، لكنها تسمح لهذه العناصر بأن تتجاور مع لغة أقل رسمية وأكثر انفتاحاً على الاستخدام اليومي.
وهكذا يصبح العرض حدثاً يتجاوز الملابس التي ظهرت على المنصة، إنه اختبار مستمر لهوية دار تحاول أن تتقدم إلى الأمام وهي تحمل تاريخها معها، اختبار لا تحسمه مجموعة واحدة، وإنما يتشكّل تدريجياً مع كل موسم كلما اتسعت المسافة بين ديور التي عرفها التاريخ وديور التي يريد أندرسون أن يكتب فصلها المقبل.
من الباب الصحيح
مع نهاية العرض، خرج المصمم جوناثان أندرسون لتحية الجمهور الكبير الذي شهد العرض، فالمصمم لا يظهر هنا بوصفه اسماً منفصلاً عن الحدث، بل باعتباره الشخص الذي يحاول إدارة معادلة صعبة داخل واحدة من أكثر مؤسسات الموضة ارتباطاً بتاريخها.
أندرسون جاء من عالم تصميم يتميّز بالتجريب، واللعب بالنسب، وإعادة تعريف وظيفة القطعة، بينما دخل إلى دار لها قاموس بصري شديد الرسوخ، لذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل وضع أندرسون بصمته على ديور؟ بل: ماذا يحدث لبصمته عندما تضطر إلى التفاوض مع تاريخ ديور؟
لم يحاول المصمم أن يجعل ديور نسخة من رؤيته الخاصة، كما لا أنه يبدو مستعداً لتحويل نفسه إلى حارس للأرشيف. المسار الذي يظهر في المجموعة هو محاولة جعل الاثنين يعملان معاً: أن يبقى الإرث مقروءاً، لكن من دون أن يكون هو الكلمة الأخيرة.