ليلى المنشاري.. التونسية التي حوّلت واجهات «هيرمس» إلى مسارح من أحلام
من ألوان تونس المتوسطية وعطر حدائق الحمامات إلى أرقى واجهات شارع «Fauborg Saint Honoré» في العاصمة الفرنسية باريس، صنعت التونسية ليلى المنشاري مسيرة إبداعية استثنائية، تجاوزت المفهوم التقليدي لتصميم واجهات العرض، فهي لم تكن مجرد مصممة، بل صاحبة ابتكارات بصرية استثنائية حولت الزجاج إلى مسرح دافئ يروي أعمق الحكايات، ويستدرج المارة إلى عوالم مدهشة تفيض بالجمال.
ولدت ليلى المنشاري في تونس العاصمة عام 1927، ونشأت في كنف بيئة أتاحت لها احتكاكاً مبكراً بالفنون وسحر الطبيعة، حيث كان للحديقة التي عرفتها في طفولتها الأثر المستدام في تشكيل ذائقتها، وشكلت بنباتاتها الغريبة وألوانها المشعة، اللبنة الأولى في بناء قاموسها الجمالي الذي طالما استحضر سحر الشرق، وروح البحر الأبيض المتوسط، والأساطير القديمة وعظمة المواد النفيسة التي كانت تنتقيها ليلى بعناية فائقة.
وفي عام 1961 حملت ليلى حقيبة رسوماتها وألوانها وأحلامها وشغفها مقررة التوجه إلى دار «هيرمس» العريقة، وشاءت الأقدار أن توجه لها المسؤولة عن واجهات الدار آنذاك، آني بوميل، عبارة واحدة غيرت مجرى حياتها بالكامل قائلة: «ارسمي لي أحلامك»، فلم تكن تلك العبارة مجرد اختبار مهني عابر، بل بوابة سحرية فتحت موهبتها وفجرت مخزونها الثري من الخيال والإبداع الذي وسم أطول الشراكات الإبداعية في تاريخ أهم دور الأزياء والموضة الفرنسية، حيث انطلقت المنشاري في مسيرتها ضمن فريق بوميل، لتثبت كفاءة ورؤية استثنائية قادتها رسمياً عام 1978 لتولي مسؤولية تصميم واجهات متجر «هيرمس» التاريخي، في الوقت الذي لم تتوقف إبداعاتها عند الواجهات، بل امتدت لتتولى إدارة لجنة ألوان الحرير في الدار، وتضع بصمتها اللونية المذهلة على أشهر الأوشحة والمنتجات النسائية الراقية.
على امتداد مسيرة حافلة استمرت 35 عاماً، وتحديداً حتى عام 2013، أعادت ليلى المنشاري ابتكار واجهات المتجر أربع مرات سنوياً، تزامناً مع تعاقب الفصول، بينما لم تتعامل الفنانة والمصممة مع تلك الواجهات بوصفها مساحات تجارية لعرض الحقائب الفاخرة، بل باعتبارها «مسارح» مصغرة متكاملة الأركان والجماليات، استطاعت في مشاهدها المتحولة وببراعة موهبتها كل مرة، الجمع بين قسوة الرخام ونعومة الحرير، وعراقة الجلد ولمعان الصدف، مستدعية عوالم خيالية تحاكي قصور الملوك، وحياة الغابات وسحر البحار وغموض الصحراء، فقد كان كل تفصيل صغير في واجهاتها يؤدي وظيفة سردية محكمة تتحول في «مشهديتها الآسرة» منتجات «هيرمس» من سلع تجارية خلف الزجاج، إلى أبطال قصة بصرية ساحرة، وذلك بعد أن كانت عملية إنجاز كل واجهة في العلامة تنطلق من موضوع سنوي عام تحدده الدار، لتقوم المنشاري بإعادة تجسيده عبر رسومها واستخداماتها المتنوعة لمواد نادرة، تتعاون فيها مع أمهر الحرفيين حول العالم.
قبل الرحيل
في التفاتة تقدير كبرى، وتحديداً عام 2017، احتفى القصر الكبير في باريس بمسيرتها الاستثنائية، عبر معرض ضخم حمل عنوان «هيرمس تحلق.. عوالم ليلى المنشاري»، وذلك قبل رحيلها في أبريل 2020 عن عمر ناهز 92 عاماً، تاركة إرثاً يبرهن على أن خيال فنانة عربية كان قادراً على صياغة لغة موحدة للجمال، تتخطى الحدود وتثبت للعالم أجمع أن الواجهة التجارية، يمكن أن تكون مساحة ثقافية وفنية وبصرية خالدة الجمال والسحر.