«ظلال على الأفق».. نادج فانيه تفكك الفخامةملابس قابلة للارتداء والاستثمار طويل الأمد

حين اختارت دار «هيرميس» عنوان «ظلال على الأفق» لمجموعتها النسائية لخريف وشتاء 2026، لم يكن الأمر مجرد اسم شاعري لعرض أزياء جديد، بل كان مفتاحاً لفهم الرؤية الإبداعية التي أرادت المديرة الفنية للأزياء النسائية، نادج فانيه، تقديمها من خلال واحدة من أبرز محطات الموضة العالمية هذا الموسم.

فالعنوان يوحي بالحركة والترقب والانفتاح على المجهول، وهي مفاهيم حضرت بقوة في العرض الذي احتضنته لوس أنجلوس، حيث واصلت فانيه تطوير السردية التي بدأت في أسبوع باريس للموضة، مقدمة ما وصفته بأنه «الفصل الثاني» من قصة لاتزال تتكشف تفاصيلها.

ومنذ توليها الإدارة الفنية للأزياء النسائية في«هيرميس» 2014، عُرفت فانيه بقدرتها على الموازنة بين الإرث التاريخي للدار الفرنسية والرغبة المستمرة في تحديث صورتها. وفي هذه المجموعة تحديداً، بدا أن المصممة الفرنسية تسعى إلى إعادة تعريف مفهوم الأناقة الهادئة الذي اشتهرت به الدار العريقة، من خلال التركيز على الحركة والانسيابية بدلاً من البنية الصارمة التي ميّزت كثيراً من مجموعات الدار السابقة.

وقالت فانيه، إن الفكرة المحورية للمجموعة «الصيف البروفنسي» في مرسيليا.. حين تتحول الموضة البطيئة من اتجاه هامشي إلى مشروع ثقافي متكامل، حيث تتحول الملابس إلى امتداد طبيعي للجسد، لذا جاءت التصاميم خفيفة ومتدفقة، تتحرك مع الخطوات، وتستجيب للحركة بدلاً من أن تفرض حضورها عليها.

وانعكس هذا التوجه بوضوح في الخطوط التصميمية التي سيطرت على العرض، فقد حضرت الفساتين الطويلة المنسدلة، والقصات الواسعة، والسترات الجلدية الخفيفة، والسراويل المرنة التي تمنح حرية أكبر في الحركة، كما بدت إطلالات كثيرة كأنها صُممت لترافق المرأة في تنقلاتها اليومية من دون أن تفقد طابعها الفاخر.

وفي الوقت نفسه، لم تتخلَّ الدار عن جذورها التاريخية، فالإرث المرتبط بعالم الفروسية الذي يُمثّل أحد أعمدة هوية الدار منذ تأسيسها في القرن الـ19، ظل حاضراً عبر السراويل المستوحاة من ملابس الفروسية والأحذية الطويلة والتفاصيل الجلدية الدقيقة، لكن هذه العناصر جاءت هذه المرة أكثر نعومة وأقل صرامة، بما يتماشى مع فكرة الحركة التي أرادت فانيه جعلها محور المجموعة.

أما لوحة الألوان فكانت جزءاً أساسياً من السرد البصري للعرض، فقد استلهمت المُصممة تدرجاتها من المشهد الطبيعي لسماء كاليفورنيا عند الغروب، بدءاً من الأصفر الذهبي وألوان الرمل الدافئة، مروراً بدرجات الأحمر والنحاسي، وصولاً إلى الأخضر الداكن والأسود. وبدا كأن كل مجموعة من الإطلالات تُمثّل مرحلة مختلفة من رحلة الشمس نحو الأفق، انسجاماً مع عنوان العرض نفسه.

واستخدمت الدار خامات متنوعة عزّزت هذه الفكرة، من الجلد الفاخر الذي تشتهر به «هيرميس» إلى الساتان والشيفون والمخمل، لتقديم توازن بين القوة والنعومة، والحضور البصري والراحة العملية، كما أظهرت المجموعة اهتماماً واضحاً بالتفاصيل الحرفية الدقيقة التي تُشكّل أهم العناصر التي تميّز الدار الفرنسية في عالم الرفاهية.

ولا تكمن أهمية هذا العرض في التصاميم وحدها، بل في الرسالة التي حملها، ففي وقت تتجه دور أزياء عدة نحو العروض الاستعراضية الضخمة والقطع اللافتة للنظر، اختارت «هيرميس» المراهنة على مفهوم مختلف، يقوم على الأناقة الهادئة والترف غير الصاخب، وهي فلسفة تعكس توجهات متزايدة داخل صناعة الموضة العالمية نحو الملابس القابلة للارتداء، والاستثمار طويل الأمد، بدلاً من الصيحات العابرة.

وبذلك لم يكن عرض «ظلال على الأفق» مجرد تقديم لمجموعة جديدة، بل كان إعلاناً لرؤية إبداعية متكاملة تقودها فانيه، رؤية تسعى إلى الجمع بين تراث «هيرميس» العريق ومتطلبات المرأة المعاصرة، وتؤكد أن الفخامة في عالم اليوم لم تعد مرتبطة بالمبالغة بقدر ما ترتبط بالحركة والمرونة والحرفية العالية.

الأكثر مشاركة