عقارات دبي تدخل مرحلة «شراكات استراتيجية» بين المطورين والمُموّلين

تشهد السوق العقارية في دبي تحولاً لافتاً في طبيعة العلاقة بين منظومتَي «العقار» و«التمويل»، مع تنامي الشراكات الاستراتيجية التي تستهدف دمج الحلول التمويلية في رحلة تملك العقار، للوحدات السكنية الجاهزة وتلك التي لاتزال «قيد الإنشاء».

وبعد الإعلان عن شراكات بين عدد من كبار المطورين العقاريين ومؤسسات مصرفية، خلال شهرَي يوليو وأغسطس 2026، لتوفير موافقات تمويلية مسبقة وحلول مخصصة للمشترين، انضم بنك دبي الإسلامي إلى هذه المبادرات، ليعلن حزمة حلول تمويلية لتيسير رحلة تملك العقار، في مؤشر يعكس اتساع نطاق التعاون بين القطاعين العقاري والمصرفي.

وأكد عقاريون ومصرفيون أن سوق دبي العقارية تنافسية، حيث لم يعد كافياً تقديم مشروع أو منتج عقاري متميز، من حيث البناء والتصميم والجودة فقط، بل أصبح تسهيل عملية الشراء نفسها عاملاً حاسماً في قرار المشتري، لافتين إلى أن السوق العقارية في دبي تتجه نحو مرحلة نضج وهيكلة أعلى، حيث أصبح فيها التمويل عنصراً تكاملياً يأتي جنباً إلى جنب مع المنتج العقاري.

وأوضحوا أن الابتكارات التمويلية في شراء مشاريع على المخطط، أصبحت تشكل عنصراً مهماً في التنافسية العقارية بين المطورين في دبي، ومتكافئة في أهميتها مع السعر، والموقع، وخطط السداد.

وأضافوا لـ«الإمارات اليوم» أن توافر خيارات التمويل في مرحلة مبكرة من رحلة التملك، يساعد المشتري على تكوين صورة أوضح عن التزاماته وقدرته التمويلية، وتوقعوا أن تشهد السوق تطوراً ملحوظاً نحو خطط أكثر مرونة، وبدلاً من النموذج التقليدي الذي يتضمن دفعة مقدمة كبيرة وأقساطاً مرتبطة بمراحل البناء، ستتجه الشركات إلى حلول أكثر ذكاءً تراعي طبيعة دخل المشتري، ونوع العقار، ومرحلة البناء، ما سيجعل «خطط السداد» أداة تنافسية بحد ذاتها، لا مجرد تفصيل إداري.

نمو الطلب

تفصيلاً، قال المدير التنفيذي لـ«دبي الجنوب»، نبيل الكندي، لـ«الإمارات اليوم»: «نلمس اهتماماً متزايداً من المتعاملين بخيارات التمويل العقاري للمشاريع العقارية على الخريطة، بالتزامن مع نمو في الطلب على المشاريع السكنية في منطقة (دبي الجنوب)، وتوسع قاعدة المشترين والمستثمرين».

وأضاف أن هذا الاهتمام كان أحد الدوافع وراء تعاون «دبي الجنوب» مع بنك الإمارات دبي الوطني، لتوفير حلول تمويلية مخصصة، تمنح المشترين المؤهلين خيارات أوسع ومرونة أكبر في التخطيط لعملية الشراء.

ورأى الكندي أن توافر خيارات التمويل في مرحلة مبكرة من رحلة التملك، يساعد المشتري على تكوين صورة أوضح عن التزاماته وقدرته التمويلية، معتبراً أن ذلك يمثل عاملاً مهماً عند اتخاذ قرار شراء العقارات على الخريطة.

وتابع: «تعمل الشركة على أن تواكب الحلول التمويلية نمو مشاريعها السكنية، وأن تكون جزءاً من تجربة متكاملة تسهّل على المتعامل الانتقال من مرحلة الاهتمام بالمشروع إلى اتخاذ قرار شراء مدروس»، لافتاً إلى أن المشاريع المؤهلة للاستفادة من حلول التمويل العقاري ضمن الشراكة مع بنك الإمارات دبي الوطني، تشمل المشاريع المتاحة للبيع على الخريطة ضمن محفظة «دبي الجنوب للعقارات».

ورداً على سؤال يتعلق بالمشروعات المشمولة بالتمويل، قال الكندي: «تحديد المشاريع والوحدات المشمولة يتم وفق الأطر المتفق عليها مع البنك، في حين تخضع أهلية المشترين لمعايير التمويل والائتمان المعتمدة لدى البنك، إلى جانب الشروط والأحكام المطبقة على كل حالة».

ولفت إلى أن هذه الآلية تتيح للمشترين التعرف إلى خياراتهم التمويلية في مرحلة مبكرة من رحلة الشراء، بما يمنحهم وضوحاً أكبر بشأن قدرتهم التمويلية، ويساعدهم على التخطيط بصورة أفضل قبل استكمال التزاماتهم.

وحول تأثير الشراكة في مبيعات العقارات على الخريطة ومعدلات التملك والاستثمار في «دبي الجنوب»، قال إن «دبي الجنوب» تتوقع أن تسهم الشراكة في دعم قرارات الشراء من خلال توفير خيارات تمويلية أكثر وضوحاً ومرونة للمشترين المؤهلين، خصوصاً في المراحل المبكرة من عملية شراء العقارات على الخريطة، مشيراً إلى أن الشركة تنظر إلى أثر الشراكة من منظور أوسع من مجرد زيادة المبيعات.

وأكد الكندي أن الشراكة تسهم في تسهيل رحلة التملك وتوسيع الخيارات المتاحة أمام المشترين والمستثمرين، بما يدعم نمو المجتمعات السكنية في «دبي الجنوب» على المدى الطويل، من دون تحديد نسبة مستهدفة أو متوقعة لحجم هذا التأثير.

توسيع الشراكات التمويلية

وفي ما يتعلق بخطط «دبي الجنوب» لتوسيع شراكاتها مع المؤسسات المالية، قال الكندي إن التعاون مع المؤسسات المالية يمثل جزءاً مهماً من تطوير تجربة التملك وتوفير حلول تتناسب مع احتياجات شرائح مختلفة من المشترين والمستثمرين، لافتاً إلى أنه ومع استمرار نمو المحفظة السكنية في «دبي الجنوب»، فإن الشركة تواصل دراسة فرص التعاون مع المؤسسات المالية التي يمكن أن تضيف قيمة حقيقية إلى رحلة العميل، وتوفر خيارات أكثر مرونة ووضوحاً.

وأكد أن معيار الشركة في أي شراكة جديدة يتمثل في أن تسهم في تسهيل الوصول إلى التمويل، وتبسيط الإجراءات، وتقديم حلول تتناسب مع طبيعة المشاريع واحتياجات المشترين، مع الحفاظ على أسس التمويل المسؤول.

وشدد الكندي على أن رؤية «دبي الجنوب» لا ترتبط بعدد الشراكات بقدر ارتباطها بجودة الحلول التي تقدمها، وأثرها الفعلي في تحسين تجربة التملك.

سوق تنافسية

بدورها، قالت العضو المنتدب لـ«شركة داماك العقارية»، أميرة سجواني: «سوق دبي العقارية تنافسية، حيث لم يعد كافياً تقديم مشروع أو منتج عقاري متميز من حيث البناء والتصميم والجودة فقط، بل أصبح تسهيل عملية الشراء نفسها عاملاً حاسماً في قرار المشتري».

وأشارت سجواني لـ«الإمارات اليوم» إلى أن المطورين يدركون أن الحلول التمويلية المرنة، سواء عبر شراكات مع البنوك أو شركات التمويل، أو حتى من خلال خطط سداد داخلية، تمنح ميزة تسويقية وبيعية بقدر ما تمثل خدمة مالية.

وأضافت: «هذا التحول يعكس نضجاً كبيراً في السوق العقارية في دبي، حيث بات المطور ينظر إلى نفسه كشريك في رحلة التملك الكاملة للمستثمر، وليس فقط كجهة مطورة للمشروع، وهو ما يعزز ثقة المشتري بالمطور».

ونوهت بأن شركتها أعلنت أخيراً مجموعة حلول تمويل مرنة، بالتعاون مع أبرز البنوك العاملة في الدولة، بهدف تسهيل تملك المنازل أو الاستثمار العقاري، لافتة إلى أن من أبرز هذه الحلول إمكانية الاستفادة من تمويل يصل إلى 85% من قيمة العقار.

وفصّلت: «تتوافر خيارات تمويل تصل إلى 80%، إضافة إلى حلول تمويلية لمشاريع البيع على الخريطة المؤهلة التي بلغت نسبة إنجازها 30%، ما يوسع نطاق خيارات التمويل عبر مجموعة واسعة من العقارات».

وتوقعت سجواني أن تشهد السوق تطوراً ملحوظاً نحو خطط أكثر مرونة، وقالت: «بدلاً من النموذج التقليدي الذي يتضمن دفعة مقدمة كبيرة، وأقساطاً مرتبطة بمراحل البناء، ستتجه الشركات إلى حلول أكثر ذكاءً تراعي طبيعة دخل المشتري ونوع العقار ومرحلة البناء، ما سيجعل خطط السداد أداة تنافسية بحد ذاتها، لا مجرد تفصيل إداري».

وأكدت أن وجود حلول تمويلية مدروسة يساعد فئة كبيرة من المشترين على توزيع العبء المالي على فترة زمنية أطول، ويمنحهم مرونة أكبر، كما أن أسعار الوحدات «قيد الإنشاء» عادة ما تكون أقل من أسعار الوحدات الجاهزة، فإذا اقترن ذلك بتمويل ميسر، يصبح الخيار أكثر جاذبية للمستثمرين والمستخدمين النهائيين على حد سواء.

ورداً على سؤال يتعلق بحجم الفائدة العائدة على أطراف المعادلة العقارية قالت سجواني: «كل الفئات تستفيد بالتأكيد، لكن المشتري لأول مرة، هو الأكثر استفادة، لأن التمويل يذلل أمامه أكبر عائق، وهو توفير الدفعة الأولى، يليه المستثمر، الذي يستطيع توظيف رأسماله في عدد أكبر من المشاريع، بدلاً من تجميده في وحدة عقارية واحدة».

وأضافت: «بالنسبة للمستخدم النهائي، فعلى الرغم من أن عائدات الاستثمار تكون أعلى عادة على المدى الطويل، فإنه يستفيد أيضاً، لكن بدرجة أقل نوعاً ما، لأن قراره غالباً ما يكون مرتبطاً بحاجة سكنية فعلية أكثر من ارتباطه بمدى توافر السيولة».

تحول في نموذج التمويل

في السياق نفسه، أكد الرئيس التنفيذي للخدمات المصرفية والأعمال في المصرف العربي للاستثمار والتجارة الخارجية (المصرف)، أحمد يوسف، أن الشراكات بين البنوك ومطوري العقارات في دبي تعكس تحولاً في نموذج التمويل العقاري، موضحاً أن دور البنوك لم يعد يقتصر على تمويل المشتري بعد اتخاذ قرار الشراء، بل أصبح أكثر تكاملاً مع المطور والمتعامل منذ بداية رحلة البيع.

وأشار يوسف إلى أن هذه الشراكات تتيح تصميم حلول تمويلية مرتبطة بمشروعات محددة، إلى جانب توفير موافقات مبدئية منذ بداية عملية البيع، ما يعزز ثقة المشتري، ويختصر الوقت بين اتخاذ قرار الشراء وإتمام إجراءات التمويل، مؤكداً أن هذا النموذج يعكس قوة العلاقة المتكاملة بين المطور والبنك والمتعامل، بما يدعم كفاءة السوق، ويسهم في تحسين تجربة شراء العقار.

وأكد يوسف أن الموافقات المبدئية تؤثر إيجاباً في المبيعات، نظراً إلى أن وضوح القدرة التمويلية للمتعامل قبل الالتزام بالشراء، يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في قراره، مبيناً أن وجود البنك ضمن منظومة المشروع يمنح المتعامل درجة أعلى من الثقة والشفافية.

ورأى أن هذا النموذج سيكون مهماً بشكل خاص في سوق العقارات «قيد الإنشاء»، إذ يمنح المشترين رؤية أوضح بشأن قدرتهم على تمويل الدفعات المستقبلية، وفي الوقت نفسه يساعد المطورين على تحويل عدد أكبر من المتعاملين المحتملين إلى مشترين فعليين.

وأوضح أن توسيع قاعدة التمويل العقاري، خصوصاً للعقارات قيد الإنشاء، يمكن أن يفتح السوق أمام شرائح جديدة من المشترين، ومن أبرزها المشترين للمرة الأولى، مؤكداً إلى أن هذه الفئة تحتاج عادةً إلى مزيد من الوضوح بشأن الدفعات، ونسبة التمويل والتكلفة النهائية.

وقال: «توفير حلول تمويلية مبسطة يمكن أن يشكل حافزاً لهذه الفئة لدخول السوق، لكن من الصعب تحديد نسبة دقيقة لحجم شريحة المشترين للمرة الأولى، إلا أنها تمثل شريحة مهمة للغاية»، لافتاً إلى أن قدرتها على النمو ستعتمد بدرجة كبيرة على توافر المرونة وسهولة الإجراءات التمويلية.

محرك للسوق

ورداً على سؤال يتعلق بمعايير التمويل والمخاطر المرتبطة به، قال يوسف: «يمكن للتمويل المصرفي أن يكون محركاً لنمو السوق العقارية»، مشيراً إلى أن دور البنوك يتمثل في دعم الطلب الحقيقي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على معايير ائتمانية منضبطة.

وأوضح أن «البنوك تضع في اعتبارها عند دراسة التمويل قدرة المتعامل على السداد، ونسبة التمويل إلى قيمة العقار، واستقرار الدخل، وجودة المشروع والمطور، إلى جانب تقييم المخاطر المرتبطة بكل حالة».

وأشار إلى أن التمويل المرتبط بمشروعات ومطورين ذوي سجل قوي، يساعد البنوك على إدارة المخاطر بصورة أفضل، مؤكداً أن الهدف في النهاية لا يقتصر على زيادة حجم التمويلات العقارية، وإنما يتمثل في بناء سوق عقارية مستدامة.

الابتكارات التمويلية

من جانبه، أكد المؤسس والرئيس التنفيذي لكل من شركة «بريدج بوينت»، المتخصصة بالحلول الفنية والإدارية لتنفيذ المشاريع العقارية في دبي، و«بيزنت» للاستشارات وإدارة وتطوير المشاريع العقارية، إسماعيل الحمادي، أن الابتكارات التمويلية في شراء مشاريع المخطط أصبحت تشكل عنصراً مهماً في التنافسية العقارية بين المطورين في دبي، ومتكافئة في أهميتها مع السعر، الموقع، وخطط السداد.

وأشار الحمادي إلى أن هذا يرجع إلى زيادة عدد المطورين والمشاريع في السوق وحدّة المنافسة، كما أنها أصبحت تمثل عنصراً آخر من عناصر الحملات التسويقية العقارية، لإضفاء جاذبية أكثر على المنتج العقاري.

ولفت إلى أن التغيرات الطارئة في السوق هي التي دفعت المطورين إلى التعاقد مع البنوك والمؤسسات المالية، لتسهيل رحلة المتعامل في البحث عن موافقة منحه قرضاً لشراء عقار على المخطط، وهذا ما يثبت ثقة القطاع المصرفي بالسوق.

وقال: «التجربة لا تصب في مصلحة المشتري فقط، بل حتى المطور والبنك مستفيدان، حيث يستفيد المطور من تسريع معدلات البيع وتقليل المخاطر الائتمانية، وتخفيض الاعتماد على خطط السداد الطويلة المباشرة، فضلاً على استفادة البنك عبر توسيع محفظة القروض العقارية مع مطورين موثوقين، وخفض مخاطر التعثر بفضل التدقيق المسبق وضمانات المشروع».

وأوضح أن تغير شريحة المشترين وارتفاع أسعار الفائدة عالمياً، فرض على المطورين والبنوك هذا التوجه نحو خلق استراتيجيات مرنة لخفض التكلفة الإجمالية للتمويل، وجعل الأقساط أكثر ملاءمة للعملاء حصرياً للمطور المعني بالعقد.

ورأى الحمادي أن هذه الخطوة تؤكد للجميع أن السوق العقارية في دبي تتجه نحو مرحلة نضج وهيكلة أعلى، حيث أصبح فيها التمويل عنصراً تكاملياً يأتي جنباً إلى جنب مع المنتج العقاري، وهذا ما يسهم أكثر في تعزيز الجاذبية الاستثمارية العقارية، مع تقليل نسبة إلغاء عقود الشراء، حيث إن التمويل المسبق يضمن قدرة المشتري المادية قبل التوقيع، ما يقلل حالات التخلف عن السداد أثناء فترة البناء.

وقال الحمادي: «من المتوقع أن يتجه هذا النموذج ليكون معياراً رئيساً في عمليات إطلاق المشاريع الكبرى في دبي؛ حيث يسهم وجود الشريك المصرفي منذ اليوم الأول، في رفع موثوقية المشروع أمام المستثمرين المحليين والدوليين».

شراكات عقارية مصرفية

أعلنت شركات عقارية، خلال شهرَي يوليو وأغسطس 2026، توقيع اتفاقات تعاون مع مجموعة من البنوك، تمثلت في توقيع «شركة دبي الجنوب للعقارات»، المملوكة بالكامل لـ«دبي الجنوب»، شراكة استراتيجية مع بنك الإمارات دبي الوطني، لتزويد المتعاملين بحلول تمويل سكني مخصّصة للعقارات على الخريطة، فيما أعلن بنك أبوظبي التجاري تعاوناً استراتيجياً بموافقات مسبقة مع كل من «إلينغتون العقارية»، و«إعمار للتطوير»، بهدف تمكين المتعاملين من شراء العقارات الجاهزة وقيد الإنشاء.

كما أعلن بنك دبي الإسلامي إطلاق حلول جديدة للتمويل السكني، مصممة لتلبية احتياجات المتعاملين الراغبين في شراء العقارات بنظام التملك الحر، ضمن المشاريع السكنية المطروحة على الخريطة، من قِبَل شركات التطوير العقاري في الدولة.

الأكثر مشاركة