استثمارات بمليارات الدراهم تُركز على بناء مجتمعات مستدامة تجمع بين السكن والعمل والترفيه والخدمات

«المدن المتكاملة».. نقلة نوعية في السوق العقارية الإماراتية

صورة

شهد القطاع العقاري في دولة الإمارات خلال عام 2025 حراكاً لافتاً تمثّل في الإعلان عن عدد من المشروعات العقارية الكبرى التي تتجاوز مفهوم التطوير التقليدي لتقدّم نماذج لمدن متكاملة ومستدامة، تجمع بين السكن والعمل والترفيه والخدمات ضمن منظومة واحدة.

وأكد عقاريون أن حجم الاستثمارات الضخمة في هذه المشروعات يؤشر إلى مرحلة جديدة ونقلة نوعية في التطوير العمراني، تقوم على بناء مجتمعات متكاملة ومستدامة، قادرة على تلبية متطلبات السكان والمستثمرين، على حد سواء.

وأضافوا لـ«الإمارات اليوم» أن المدن المتكاملة تشهد عادة طلباً أقوى وأكثر استقراراً مقارنة بالمشروعات التقليدية، نظراً إلى قدرتها على استقطاب شريحة أوسع من المشترين بغرض السكن والاستثمار في آن واحد، لافتين إلى أن المدن المتكاملة والمستدامة تُعدّ أحد الملامح الرئيسة لمستقبل التطوير العقاري في الإمارات، خصوصاً في دبي.

ركيزة أساسية

وتفصيلاً، أكد رئيس مجلس إدارة «شركة بن غاطي العقارية»، محمد بن غاطي، أن «المدن المتكاملة تمثّل ركيزة أساسية في التطور العمراني لدبي»، مشيراً إلى أن العالم كله يتجه بقوة نحو هذا النمط من المجتمعات.

وأضاف بن غاطي لـ«الإمارات اليوم»: «الساكن اليوم لا يكتفي بوحدة سكنية فقط، بل يسعى إلى تجربة حياة متكاملة تشمل المدارس والخدمات والمرافق الرياضية والترفيهية، وغيرها من الاحتياجات اليومية»، لافتاً إلى أن «هذا ما نسعى إلى توفيره كمطورين، بهدف تقديم خدمة متكاملة للعميل، تجمع بين الراحة وجودة الحياة والمرونة في آن واحد».

وأشار إلى أن المشروعات الكبرى التي تعتمد على مفهوم المدن المتكاملة، ليست مجرد استثمار عقاري، بل تُشكّل نقلة نوعية في السوق تعيد رسم خريطة التطوير العقاري في الإمارات، وتضع معايير جديدة للاستدامة والتكامل بين مختلف عناصر المجتمع.

وأوضح بن غاطي أن إعلان شركته عن مدينة تحمل علامة «مرسيدس - بنز»، جاء مواكباً لهذا التوجه، مؤكداً أن «الشراكة مع العلامات التجارية العالمية تأتي بهدف تقديم منتج عقاري فريد ومميز، يُعزّز تنافسية سوق دبي العقارية».

تحول واضح

من جهته، قال الرئيس التنفيذي لمجموعة «عزيزي للتطوير العقاري»، فرهاد عزيزي، إن «السوق العقارية في دبي تشهد تحولاً واضحاً في تفضيلات السكان والمستثمرين نحو أنماط حياة أكثر تكاملاً واستدامة، حيث لم يعد الطلب يقتصر على امتلاك وحدة سكنية فقط، بل بات يتجه نحو بيئة متكاملة تجمع السكن والعمل والترفيه، والخدمات اليومية في مكان واحد».

وأضاف عزيزي أن هذا التوجه يعكس نضج السوق وارتفاع وعي المشترين بغرض السكن، إضافة إلى متطلبات المستثمرين الباحثين عن مشروعات قادرة على الحفاظ على قيمتها على المدى الطويل.

وأشار إلى أن المدن المتكاملة توفّر تجربة معيشية أكثر توازناً، وتقلّل الاعتماد على التنقل اليومي، وتُسهم في بناء مجتمعات حية تدعم جودة الحياة، بما ينسجم مع رؤية دبي للتنمية الحضرية المستدامة.

ونوّه بأن المدن المتكاملة تشهد عادة طلباً أقوى وأكثر استقراراً مقارنة بالمشروعات التقليدية، نظراً إلى قدرتها على استقطاب شريحة أوسع من المشترين بغرض السكن والمستثمرين في آن واحد، مؤكداً أن هذا «الطلب المستدام ينعكس إيجاباً على الأسعار، من خلال نمو متوازن قائم على الاستخدام الفعلي للمشروع، وليس عبر قفزات سعرية قصيرة الأمد».

وبين أن تنوّع العقارات داخل هذه المجتمعات، سواء السكنية أو التجارية أو الفندقية أو الترفيهية، يعزّز السيولة ويخفف تقلبات السوق، ويمنح المشروعات قدرة أكبر على الحفاظ على جاذبيتها عبر مختلف الدورات العقارية.

وشدد عزيزي على أن المدن المتكاملة تُعدّ أحد الملامح الرئيسة لمستقبل التطوير العقاري في الإمارات، لاسيما في دبي، حيث تتقاطع رؤية التخطيط الحضري مع متطلبات النمو السكاني والاقتصادي.

وأوضح أن هذا النموذج لا يُلغي المشروعات السكنية التقليدية، لكنه يُقدّم بديلاً أكثر شمولية يلائم أنماط الحياة الحديثة، ويواكب التوجهات العالمية في تطوير المدن الذكية والمستدامة.

وأضاف أن الدعم الحكومي المتواصل للبنية التحتية والنقل والخدمات، يُعزّز فرص نجاح هذا النوع من المشروعات، ويؤهله للعب دور محوري في المرحلة المقبلة من تطور السوق العقارية، وفي هذا الإطار يأتي مشروع «عزيزي ميلان» في مقدمة مشروعات المجموعة، بوصفه مدينة متكاملة مستوحاة من أسلوب الحياة الإيطالي، تمتد على مساحة تقارب 40 مليون قدم مربعة، باستثمارات تتجاوز 75 مليار درهم، بينما من المتوقع أن تستوعب نحو 144 ألف نسمة.

وأكد عزيزي أن العائد في المشروعات المتكاملة لا يُقاس بسعر البيع فقط، بل بمنظومة متكاملة من القيم المضافة، تشمل ارتفاع الطلب، وتنوّع مصادر الدخل، واستمرارية الإشغال، ونمو القيمة الرأسمالية على المدى الطويل.

وأوضح أن «عزيزي ميلان» يعدّ استثماراً طويل الأمد في مدينة قائمة بذاتها، ما يخلق فرصاً مستدامة للعائدات الإيجارية والتجارية، ويُعزّز جاذبيته في مختلف مراحل السوق.

وأشار إلى أن المدن المتكاملة تُسهم في إعادة توزيع الطلب داخل الإمارة من خلال خلق مراكز جذب جديدة، تقلل الضغط على المناطق التقليدية، وتفتح آفاقاً عمرانية واقتصادية جديدة، بما يدعم استقرار الأسعار ويوفر خيارات أوسع للمشترين تتناسب مع احتياجاتهم وأنماط حياتهم المختلفة.

وشدد على أن «استدامة المدن المتكاملة تنبع من التخطيط طويل الأمد، وتنوّع الاستخدامات، وجودة البنية التحتية، والاهتمام بتجربة السكان اليومية».

 شرائح جديدة

من جانبه، قال المدير التنفيذي لمجموعة تايجر العقارية، المهندس عامر الزعبي، إن «توجه المطورين لإنشاء مدن متكاملة سيعيد تشكيل خريطة الطلب، من خلال استقطاب شرائح جديدة تبحث عن حل سكني متكامل وجاهز دون أعباء إضافية، ورفع معايير الجودة من حيث التشطيب والفرش والمرافق والخدمات، وخلق مرجعية سعرية جديدة تعتمد على قيمة الحياة المتكاملة وجودة التشغيل وخدمة ما بعد البيع، وليس على السعر فقط».

وأضاف الزعبي أن قرار إطلاق شركته مدينة متكاملة في إمارة عجمان جاء استجابة لتطور احتياجات السوق، حيث لم يعد الأفراد يقتصرون على شراء وحدة سكنية، بل يبحثون عن تجربة حياة متكاملة وجاهزة للعيش من اليوم الأول.

وأشار إلى أن الفجوة التي رصدها فريق الشركة كانت واضحة في السوق، وهي أن «هناك مشروعات جيدة من حيث البناء، لكنها تفتقر إلى التكامل الحقيقي بين السكن، والخدمات اليومية، والترفيه، والمساحات الخضراء، إضافة إلى ضعف منظومة ما بعد البيع وإدارة المجتمع».

وأوضح الزعبي أن القيمة الاستثمارية الإجمالية للمدينة تصل إلى 10 مليارات دولار (36.7 مليار درهم)، تُضخ على مراحل مدروسة تشمل البنية التحتية، والتطوير العمراني، والمرافق وتشغيل المجتمع، وخدمات ما بعد البيع طويلة الأمد.

وأضاف: «العائد الاستثماري يتحقق عبر عدة محاور رئيسة، منها ارتفاع قيمة الأصول مع اكتمال مراحل التطوير وجاهزية المدينة الكاملة، وعائدات تشغيلية مستدامة من الأنشطة التجارية والخدمية داخل المدينة، إلى جانب طلب إيجاري قوي ومستقر نتيجة كون الوحدات مفروشة بالكامل، ومدعومة بإدارة محترفة وخدمات ما بعد البيع».

وتابع: «نتوقع عائدات جذابة على المدى المتوسط مع تسليم المراحل الأولى، وعائدات استراتيجية طويلة الأمد، مع نضوج المدينة كمجتمع متكامل مطلوب للسكن والاستثمار».

قرارات الشراء

بدوره، قال المدير التنفيذي للعقارات في «شروق»، يوسف أحمد المطوع، إن «المشترين في السوق العقارية الإماراتية يتمتعون اليوم بدرجة عالية من الوعي والنضج في قراراتهم الشرائية، إذ باتوا ينظرون إلى العقار من منظور طويل الأمد، ويأخذون في الاعتبار عوامل الصحة والاستدامة وجودة الحياة المجتمعية، إلى جانب تكاليف التشغيل والصيانة».

وأشار المطوع إلى أن إطلاق «مدينة الشارقة المستدامة 2» يأتي امتداداً للنجاح الكبير الذي حققته «مدينة الشارقة المستدامة 1»، التي أُطلقت عام 2019 بوصفها أول مجتمع سكني مستدام في إمارة الشارقة، حيث جاءت لمعالجة الفجوة بين الطموح والواقع في سوق العقارات.

وأكد أن «جودة التصميم لم تعد المعيار الوحيد لدى العائلات، بل أصبح التركيز منصباً على الاستدامة، وكفاءة التكاليف، وجودة البيئة المعيشية، والانتماء إلى مجتمع متكامل ونابض بالحياة»، منوهاً بأن المستثمرين يتطلعون في المقابل إلى أصول عقارية تحافظ على قيمتها وملاءمتها للمستقبل، وتتمتع بالمرونة والاستدامة على المدى الطويل.

وأشار المطوع إلى أن تطوير المشروع ينسجم مع رؤية القيادة في إمارة الشارقة، ويأتي استجابة للطلب القوي في السوق، ويهدف إلى توسيع نطاق مفهوم العيش المستدام، وتلبية الطلب المتزايد على المجتمعات المتكاملة منخفضة الانبعاثات الكربونية، وتعزيز التزام الإمارة طويل الأمد بالاستدامة وجودة الحياة، إلى جانب تطوير مشروعات مرنة قادرة على مواكبة متطلبات المستقبل.

وأكد أن «رفاه الإنسان يظل البوصلة الأساسية في تطوير المشروع»، لافتاً إلى أن العمل ينصب على إنشاء مجتمعات عالمية المستوى، سعيدة ومستدامة وتسهم في تقليل الأثر البيئي إلى أدنى حد، وتعظيم القيمة المضافة لحياة السكان اليومية، من خلال الحدائق، ومسارات الدراجات، والمساحات الخضراء الواسعة، إلى جانب برامج مجتمعية مثل مبادرة المناطق الزراعية التي تُعزّز الترابط الاجتماعي وتشجّع أنماط الحياة الصحية.

وأكد المطوع أن «المدن المستدامة باتت تمثّل النموذج المرجعي لمستقبل التطوير العقاري، لما لها من دور محوري في تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي، والبعد الاجتماعي، والاستدامة البيئية»، موضحاً أن مشروعات مثل «مدينة الشارقة المستدامة 2» تُثبت إمكانية الجمع بين سهولة العيش، وروح المجتمع، والهوية الثقافية، والوعي البيئي في إطار واحد متكامل.

وأشار إلى أن هذه المدن تتماشى بشكل مباشر مع الأهداف الوطنية لدولة الإمارات، بما في ذلك مبادرة الحياد المناخي 2050، وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، من خلال تحويل الرؤى الاستراتيجية إلى نماذج معيشية قابلة للتطبيق على أرض الواقع.

وبين أن المدن المستدامة تُسهم في تعزيز التنمية البشرية عبر توفير أنماط حياة أكثر صحة، ومجتمعات أكثر ترابطاً، وبيئات عمرانية تشجّع على المشي والتفاعل مع الطبيعة، إلى جانب فتح آفاق اقتصادية جديدة في مجالات التقنيات الخضراء، والسياحة البيئية، والبنية التحتية المستدامة.

احتياجات السوق

وفي السياق نفسه، قال المدير التنفيذي للتطوير والهندسة في «بالما للتطوير»، عمر درباس، إن «التحول نحو المدن المتكاملة يرتبط بتغيّر احتياجات السوق، ويعكس تطوراً أعمق في مفهوم السكن نفسه»، مؤكداً أن الأفراد يبحثون عن بيئات تُدار بعناية وتُصمّم لتخدم نمط حياة متوازناً، حيث تصبح التفاصيل اليومية، من الصحة والهدوء إلى الخصوصية وسهولة الحركة، جزءاً من القيمة العقارية.

وأشار إلى أن المدن المتكاملة تمثّل انتقالاً من مفهوم المشروع إلى مفهوم المجتمع، حيث يُنظر إلى السكن كمساحة للعيش طويل الأمد، وليس مجرد أصل عقاري، لافتاً إلى أن هذا «التوجه يعكس نضج السوق، ووعياً متزايداً بأهمية التخطيط المتكامل في بناء مجتمعات مستدامة وقابلة للحياة».

ولفت درباس إلى أن المدن المتكاملة تعيد تعريف طبيعة الطلب في السوق، إذ تستقطب شريحة تبحث عن الاستقرار والجودة، إلى جانب العائد السريع، مؤكداً أن هذا النوع من الطلب يتميّز بالاستمرارية، ما يخلق ديناميكية أكثر توازناً في حركة الأسعار.

ونوّه بأنه بدلاً من التقلبات الحادة، تسهم هذه المشروعات في بناء قيمة تدريجية نابعة من جودة المعيشة، وتكامل الخدمات، واستقرار المجتمعات السكنية، لافتاً إلى أنه مع الوقت تتحول هذه المدن إلى نقاط مرجعية في السوق، تُقاس بها جودة المشروعات الأخرى.

وأوضح أن «المدن المتكاملة ليست بديلاً لكل أشكال التطوير، لكنها تشكّل أحد المسارات الأساسية لمستقبل العمران في دولة الإمارات، حيث ينسجم هذا النموذج مع رؤية الدولة في تطوير مدن أكثر كفاءة واستدامة، حيث تُبنى المجمعات على احتياجات السكان الفعلية».

وأضاف درباس أن شركته أطلقت مشروع «سيرينيا ديستريكت» في جزر جميرا، حيث يُمثّل أحد أبرز الأمثلة على رؤية شركته في بناء مجتمعات متكاملة ذات طابع إنساني عميق، بقيمة سوقية بلغت خمسة مليارات درهم.


مشروعات ضخمة لمدن متكاملة

شهد عام 2025 إعلان مجموعة من شركات التطوير العقاري في معظم إمارات الدولة عن مشروعات ضخمة لمدن متكاملة ومستدامة أبرزها: «دبي مانشنز» من شركة إعمار العقارية بقيمة 100 مليار درهم، و«مرسيدس-بنز» من «بن غاطي» العقارية باستثمارات تُقدّر بنحو 30 مليار درهم، و«تايجر داون تاون عجمان» من «تايجر» العقارية باستثمارات 36.7 مليار درهم، و«داون تاون أم القيوين» من «شوبا» العقارية باستثمارات 73.4 مليار درهم، علاوة على «مدينة الشارقة المستدامة 2» من شروق.

. حجم الاستثمارات الضخمة في المدن المكتملة يؤشر إلى مرحلة جديدة من التطوير العمراني، تقوم على بناء مجتمعات قادرة على تلبية متطلبات السكان والمستثمرين.

تويتر