القيادة والرسالة: أثر القيادة من رسالة واضحة على نجاح المؤسسات

قال الدكتور إيهاب حمارنة - معلم مدرب ورائد التغيير، إنه "خلال رحلتي مع زوجتي مديحة إلى مختلف دول أوروبا، قادني القدر للوصول إلى مطعم كولومبي صغير ومميز في النمسا، حيث تعلمت هناك أحد أهم الدروس في عالم الأعمال. يقع المطعم مباشرةً بعد مركز المدينة على الضفة المقابلة من النهر، وهو أحد المطاعم الصغيرة التي يديرها أفراد عائلة واحدة بمساحة صغيرة لا تتسع إلا لطاولتين أو ثلاث فقط. من اللحظة التي دخلنا فيها إلى المطعم قام جميع أفراد العائلة بالترحيب بنا بابتسامة عريضة، ليبدؤوا بعدها بعزف الموسيقا والغناء حتى رقصنا "السالسا" سويا، مما ترك في أذهاننا أجمل الذكريات على الإطلاق. دفعتني هذه التجربة للتساؤل كيف يمكن لمطعم صغير مثل ذاك الذي في النمسا أن يصبح ضمن أهم خمس مطاعم في المدينة، منافساً المطاعم الفاخرة ورفيعة المستوى الحاصلة على تقييم ميشلان".

وأضاف: "أعتقد شخصياً بأن الوصفة السرية لهذا النجاح تكمن في النية خلف العمل، والتي تتمثل بالعطاء الصادق وخدمة الآخرين. وتجلت الخدمة في هذا المطعم عن طريق مشاركة الأجواء العائلية اللاتينية من المرح والتسلية مع العملاء، وهذا ما جعل المكان يتجاوز حدود مفهوم المطعم ليتحول إلى مكان للتعبير عن المرح والسعادة. ومن السهل لرواد الأعمال أن يتناسوا معنى كلمة الخدمة الحقيقة ويغوصون في يوميات العمل، مع أنّها المحرك الأساسي التي يجب أن يتمحور حوله العمل. فمن السهل أن يحيد رواد الأعمال عن المفاهيم الأساسية أثناء انشغالهم في زحام العمليات الكثيرة، لذا دعونا نأخذ فيما يلي نظرةً شاملةً على أحد أبرز ركائز الأعمال".

النية من الأعمال
وتابع الدكتور إيهاب حمارنة: "يمكننا تعريف الأعمال بكلمات بسيطة، على أنها البُنية التي تنظم تبادل المنفعة بين البشر، ويمثل المال رمزاً لهذا التبادل. يمكن أن يبدو هذا المفهوم بسيطاً، ولكنني لاحظت عدم انتباه العديد من القادة ورواد الأعمال والشخصيات المشهورة من جميع أنحاء العالم لهذه المفاهيم البسيطة أثناء تدريبي لهم.

وأضاف: "للتوضيح يمكننا أن ننظر للطريقة التي يُمثل بها العلَم دولةً ما، بتاريخها وشموخها وكرامتها رغم أنه في الحقيقة ليس أكثر من قطعة قماش ملونة، ثم ننظر إلى المال بالطريقة ذاتها بالنسبة للأعمال؛ حيث يمثل المال قطعةً من الورق أجمعنا على اعتبارها رمزاً لتبادل القيمة، والتي قمنا بتنظيمها وزيادة كفاءتها عن طريق بنية الأعمال".

وفي هذه الحالة لنا أن نعتبر أن الناس يدفعون المال ارتكازاً على وعد واحد، يتمثل بتبادل القيمة. ويعيدنا هذا إلى أهمية وقوة النية خلف الأعمال، فإذا كانت النية هي العطاء وخدمة الآخرين باهتمام وتميز، فهي ستكون منسجمة مع المعنى الأصلي والحقيقي لمفهوم الأعمال؛ أما إذا كانت الرغبة مقتصرة على الأخذ والحصول على المال فقط، حتى لو لم يكن ذلك مقصوداً بشكل واضح، فإن الأعمال تبتعد حينها عن روحها الحقيقي لتتحول لحالة البقاء.

ولا يعني ذلك تجاهل أهمية المال والأرباح، إنما يعني التساؤل عن الزاوية التي ينظر بها القادة ورواد الأعمال لما يقومون به. ويبقى الكلام أسهل من الفعل، وذلك لأن الشخص عندما يصبح رائد أعمال، وخصوصاً في البدايات، يصبح بحاجة ماسة ليتولى مسؤوليات جميع المناصب في الشركة مثل الملهم والرئيس التنفيذي ومدير التسويق والمبيعات والمدير التنفيذي لخدمة العملاء وحتى الممثل القانوني للشركة. ويمكن للشخص بالتالي أن يشتت انتباهه بسهولة عن النية الأصلية من العمل في العطاء وخدمة الآخرين، ليتحول انتباهه إلى الاتجاه الخاطئ مثل المحاولات المستميتة في ربح الأموال والحفاظ على استمرار العمليات ومراعاة المواعيد النهائية. هذا الفخ تقع فيها غالب الأعمال الريادية، وهنا تبرز أهمية القيادة التي سنناقشها تالياً.

مهمة القائد الحقيقي  
وقال الدكتور إيهاب حمارنة: "تتمثل مهمة القائد في أي مشروع ريادي على إعادة توجيه الفريق نفسيا وعاطفيا نحو الرغبة بالعطاء وخدمة الآخرين، عن طريق تذكيرهم بالغاية من قيامهم بمهامهم اليومية، أو يمكننا القول بكلمات أبسط تذكيرهم المستمر بالسبب الذي يعملون لأجله، بالرسالة خلف العمل. هو السبب التي فتحت من أجله المؤسسة. عندما تتضح هذه الرسالة لدى الفريق عندها تسير العمليات والاستراتيجيات اللاحقة بسهولة وسلاسة أكبر. ويصف سيمون سينك هذه الحالة بوضوح أكبر، في كتابه الشهير بعنوان ابدأ بـ لماذا، وكيف تحظى الشركات المدركة للسبب خلف عملها بفرص أكبر للنجاح المستدام مع مرور الوقت والقدرة على الخروج من دائرة المنافسة الطاحنة بفرادة قصتهم.

وأضاف: "يمكن القول إن هذا ما يميز شركة آبل عن باقي شركات القطاع، وهذا أيضاً هو السبب خلف وفاء عملاء الشركة الواضح لها رغم فروقات الأسعار؛ حيث تعمل الشركة بالتناغم مع رسالتها بالتحفيز للفكر المتميز، وهو الذي ينسجم عاطفيا مع العملاء المتناغمين مع هذا المفهوم".

ولنكن منطقيين هنا، لا يمكن بالتركيز على نية العطاء وحده، أن تتضح الرسالة خلف العمل وضوحا تماما، حيث تحتاج معرفة الغاية الأصلية خلف العمل إلى فهم أعمق، ولكن الرغبة الأصلية في العطاء وخدمة الآخرين هي التي تقود العمل تدريجياً إلى اكتشاف وفهم تلك الغاية بالشكل الأمثل.

في مؤسستنا كن انت، وُفِقنا في إيضاح رسالتنا بشكل مطلق وإيضاح المهمة التي تجمعنا، لذلك شخصياً أركز بشكل أساسي في اجتماعاتنا الأسبوعية مع فريق العمل على تذكيرهم بالغاية من عملنا في شركة التدريب، والتي تُعد من أكثر الشركات نجاحاً على جميع المستويات، مع ملايين المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي وسجل مبيعات متميز. وأقوم بذلك من أجل إعادة توجيه الفريق نحو نية العطاء وخدمة الآخرين بدلاً من التركيز فقط على التفاصيل التقنية ومراعاة المواعيد النهائية للمشاريع، وهي نقاط ذات أهمية كبيرة لكنها لا تعوض أبداً عن أهمية النية في العطاء وخدمة الآخرين. فنحن نعمل برسالة واضحة لخدمة الجنس الانساني كي يعبر عن حقيقته على الأرض ومهمة واضحة لإيقاظ مليون قائد مستنير من الشرق البلاد العربية قادرين على حمل شعلة التغيير. تخيل الفارق عندما يعمل الجميع بالتناغم مع هذه النية.

وقال الدكتور إيهاب حمارنة: "انطلاقاً من شغفي بمفهوم القيادة الصادقة التي تسعى الى العطاء وخدمة الآخرين في المؤسسات، بدأت التفكير كيف ارتقي بهذا المبدأ إلى مستوى آخر، ولذا حولت بحثي الدكتوراه بأكملها حول هذا المفهوم. حيث أردتُ التحقق بنفسي في أطروحة الدكتوراه، وبشكل عملي عن طريق دراسة مستندة على النتائج وليس فقط استناداً على الشعور والإحساس، عن تأثير قيادة المؤسسة بالانسجام مع رسالة واضحة".

وأضاف: "تعرفت حينها على مفهوم القائد الخادم، والذي يُعبر عن القادة الذين يميلون إلى سلوك العطاء وخدمة الآخرين، والذي أكد لي على اهمية التركيز على نية العطاء، ولكن شعرت حينها بالحاجة للبحث أكثر عن مجالات أخرى في الحياة متمحورة حول القيادة المرتكزة على خدمة الآخرين، هنا بدأت الغوص في الحركات الإنسانية التي غيرت العالم بفضل قادتها، مثل المهاتما غاندي ومارتن لوثر كينج وغيرهما، والذين قاموا بالتركيز على نية العطاء وخدمة الآخرين دون السعي وراء مكاسب شخصية".

وتابع: "لاحظت هنا أنّ قادة الأعمال الذين دفعوا مؤسساتهم إلى العمل بنفس أسلوب تلك الحركات الإنسانية، مع وجود رغبة حقيقية في العطاء وخدمة الآخرين وإحداث تغييرات إيجابية في حياتهم، قدموا أداءً أعلى بالمقارنة مع الذين وضعوا أهدافاً شخصية فقط لمؤسساتهم دون نية صادقة بالعطاء من خلفها. ونعلم الآن من خلال الأبحاث والأدلة التجريبية أنّ الاندافعية لدا الموظفين يمكن أن تكون العامل الأكثر تأثيراً في الأداء الكلي لأي شركة، لذلك يمكننا القول باختصار أنك إذا أردت أن يضع الناس كل دافعيتهم وطاقتهم وشغفهم في شركتك، لا يمكن أن يكون المال هو المحفز الوحيد لخلق هذا الولاء العميق، وذلك لأن الناس يطمحون في الوقت الراهن إلى السعي وراء رسالة ذات معنى".

ويمكن إعطاء مثال بسيط جداً، فالسيدة المسؤولة عن المبيعات في شركتنا تنشر عن الكورسات التي تبيعها على صفحاتها الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي لا تقوم بذلك لأننا نطلب منها، بل لأنها تؤمن بقدرة هذه الكورسات على تمكين الناس وتغيير حياتهم للأفضل؛ وبالتالي تريد أن تساهم بشكل فعال في تحقيق هذه الرسالة التي تشكل جزءاً منها. وكانت السيدة ذاتها تقدم أداءً عالياً في شركتها السابقة، لكنها لم تكن تشعر أبداً بهذا المستوى من الشغف والاندفاع، لأنّ غاية الشركة لم تكن تنسجم معها بالطريقة ذاتها. وأقول بثقة اليوم لجميع  القادة ورواد الأعمال والأفراد الطموحين بأن العطاء وخدمة الآخرين بكل حب واهتمام من أهم العادات التي تحتاج أن تكتسبها لتتمكن من الانسجام مع المعنى الحقيقي للمال والأعمال.

طباعة