شددوا على ضرورة وجود إجراءات أمنية صارمة ومحاسبة المخالفين

مصرفيون: ضعـف الرقابــة وراء الاختلاس المالي في بنوك

صورة

أرجع مصرفيون انتشار حالات اختلاس داخل البنوك من قبل موظفين إلى ضعف الرقابة الداخلية، وتقاعس إدارات المخاطر عن القيام بمهامها، مؤكدين أن انتقاء الموظف والتأكد من سيرته الذاتية خطوة أولية غير كافية يجب متابعتها لاحقاً من قبل إدارة البنك، للوقوف على مدى نزاهة الموظف وقدرته على التعامل مع أموال المودعين بأمانة.

ولفتوا إلى أن ترك جهاز الكمبيوتر الخاص بالموظف مفتوحاً، أو وجود أي مستندات تخص المتعامل، يجب أن يقابله إجراء قانوني بحق الموظف المخالف، مشددين على ضرورة منع دخول الموظفين إلى حسابات المتعاملين من دون وجود طلب مقدم من المتعامل بإجراء معاملة على حسابه.

من جهته، أوضح المصرف المركزي عدم اختصاصه بنظر مثل هذه الشكاوى، موضحاً أن البنوك تجري تحقيقاً داخلياً يفترض ألا تتجاوز مدته 24 ساعة، ثم تبلغ الشرطة مباشرة عن المشتبه فيهم، لتتولى التحقيق من خلال قنواتها القانونية المعروفة، مؤكداً أن مثل الممارسات تعد جرائم يبت فيها القضاء. يشار إلى أنه لا توجد إحصاءات دقيقة حول جرائم الاختلاسات في المصارف، نظراً لعدم إفصاح المصارف نفسها عن تلك الاختلاسات بشكل مباشر، أو تصنيف الحالات التي يبلغ عنها للجهات المتخصصة باعتبارها جرائم مالية من دون تحديد ما إذا كانت اختلاساً، أو سرقة، أو خيانة أمانة.

استغلال الثقة

عناصر ومؤشرات

قال مستشار مكافحة الجرائم المالية والمصرفية، حسام العابد، إن «هناك ثلاثة عناصر إذا توافرت سمحت بالاحتيال والاختلاس من أموال المتعاملين، وهي: وجود الفرصة عندما تغيب الرقابة الداخلية أو تضعف إجراءات مراقبة الموظفين وكيفية أدائهم لعملهم، وثانياً وجود دافع لدى الموظف بسبب حاجته المادية أو حبه للعيش فوق مستوى دخله، وأخيراً وجود المبرر، بمعنى أن يبرر الموظف لنفسه الاختلاس بضعف راتبه أو غياب الترقية».

وحدد العابد مؤشرات عدة من واقع الدراسات تشير إلى زيادة احتمال إقدام الموظف على الاحتيال أو اختلاس أموال من حسابات المتعاملين، منها: وجود تغير كبير في طبيعة حياته من ملبس أو سيارة أو مظهر عام، وأيضاً إذا كان عليه مديونيات أو كان مدمناً للكحول أو لعب القمار، إضافة إلى رفضه أخذ إجازة أو ترقية حتى لا يكتشف أمره من يأتي مكانه، فضلاً عن كثرة اقتراضه من زملائه.

 

تعريف الاختلاس

 

وفق المادة (17) من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، يعرف الاختلاس بأنه استيلاء أو تبديد موظف عمومي عمداً، لمصلحته أو لمصلحة شخص أو كيان آخر، أي ممتلكات أو أموال أو أوراق مالية عمومية أو خصوصية، أو أي أشياء أخرى ذات قيمة عهد بها إليه بحكم موقعه، أو تسريبها بشكل أو بآخر.

 

وتفصيلاً، رصدت «الإمارات اليوم» حالات اختلاس تمت على أموال مودعين مواطنين ومقيمين من قبل موظفي بنوك، بعضها عوض البنك المتعامل وأرجع أمواله، وبعضها الآخر لم ينته التحقيق فيه.

وقال المتقاعد علي سالم، إنه أودع مكافأة نهاية الخدمة الخاصة به وبزوجته في حساب له بفرع أحد البنوك الأجنبية في أبوظبي، فطلب منه الموظف صورة جواز السفر الخاص بكفيله، وهو ابنه، وبعدها فتح حساباً باسم الابن بتوقيع مزور، وحول الوديعة إليه ثم استخرج بطاقة ائتمان للابن، وسحب المبلغ كاملاً، «وعرفنا لاحقاً أنه غادر الدولة»، مؤكداً أن «الموظف استغل ثقتي به وعدم معرفتي باللغة الإنجليزية، ولم أعرف حقيقة ما قام به إلا بعد ذهابي لتسلم أرباح الوديعة الشهرية، إذ اكتشفت أن الرصيد يساوي صفرا».

ترك الجهاز

بدوره، قال المواطن عبدالله .س: «أجريت معاملة مصرفية هي طلب بطاقة مسبقة الدفع لابني، وسلمت الطلب إلى مدير الفرع لمعرفتي به، وغادرت بعدها على أن أتسلم البطاقة في اليوم التالي، فجاءتني رسالة تفيد بتحويل مبلغ 300 ألف درهم من حسابي إلى حساب خارج الدولة، فراجعت البنك ليتبين بعد التحقيق أن مدير الفرع ذهب إلى الصلاة وترك جهاز الكمبيوتر الخاص به مفتوحاً، وكانت عليه حينها تفاصيل الحساب الخاص بي، فاستغل ذلك أحد الموظفين وحوّل المبلغ من كمبيوتر المدير»، مشيراً إلى أن «البنك أعاد المبلغ إلى حسابي بعد أسبوعين، لكنني لا أعرف مصير الموظف».

في ذات السياق، قالت المواطنة شيماء عبدالله، إن موظف البنك استغل عدم معرفة والدتها بالإنجليزية وأخذ منها توقيعاً واستخرج بطاقة ائتمان باسمها بقيمة 150 ألف درهم، وسحب جزءاً منها في المطار واشترى بالباقي ساعات ومجوهرات من السوق الحرة، وسافر، ومع الأسف كان التوقيع صحيحاً، والبنك لم يعتد بما قالته أمي، فسددنا البطاقة وأغلقنا الحساب من البنك نهائياً.

مراقبة الإيداعات

بدوره، قال الموظف عادل عامر: «فتحت حساب توفير لدى بنك وطني، لكن الموظف لم يكمل بيانات فتح الحساب أمامي، واكتفى بتوقيعي، وبعد مرور ستة أشهر كان الرصيد في حسابي 90 ألف درهم تقريباً، فتوجهت إلى البنك لسحب المبلغ قبل سفري فلم أجد شيئاً في الحساب، وبعد التحقيق اكتشفت أن أرقام الهاتف المسجلة لدى البنك تخص الموظف الذي كان يتابع حركة الإيداعات عن طريق الرسائل النصية القصيرة التي كانت تصله على هاتفه أولاً بأول، وتبين بعدها أن الموظف استخرج لي بطاقة صراف آلي وسحب المبلغ على مدار تسعة أيام بواقع 10 آلاف درهم يومياً، وذلك بعد أن راقب حركة إيداعاتي الثابتة شهرياً.

عمليات داخلية

من جهته، قال رئيس الخدمات المصرفية الإلكترونية في بنك أبوظبي الوطني، أحمد النقبي، إن «البنوك يفترض أن تضع نظاماً للعمليات الداخلية يؤمن مستويات عدة لمراجعة المعاملة المصرفية، سواء كانت تحويل أموال عبر الإنترنت أو ببطاقات الائتمان أو الصراف الآلي وغيرها من المعاملات، ما يعني عدم تركز الاختصاصات في إدارة واحدة، ما يسهل اكتشاف الأخطاء والمتسبب فيها»، موضحاً أن «إجراءات الأمان يفترض ألا تتعارض مع سهولة وسرعة خدمة المتعاملين، وهذا هو التحدي أمام البنوك، إذ يجب إيجاد توازن بين الأمرين».

ضعف الرقابة

من جانبه، قال الخبير المصرفي، محمود عياد، إن «ضعف الرقابة الداخلية وتساهل إدراة المخاطر أهم سببين لاختلاس الموظفين من حسابات المتعاملين بشتى الطرق»، موضحاً أن «هناك قواعد متعارفاً عليها في الجانب الرقابي، منها عدم ترك جهاز الكمبيوتر الخاص بالموظف مفتوحاً طالما ابتعد عنه لأي سبب، ولو دقائق قليلة، فضلاً عن عدم السماح باحتفاظ الموظف بمستندات المتعاملين، مثل صور جوازات السفر أو غيرها بعد الانتهاء من المعاملة وإتمامها، كذلك يجب أن يمنع تماماً دخول الموظفين إلى حسابات المتعاملين طالما أنه لا توجد معاملة مقدمة بطلب من المتعامل نفسه؛ وبناء على هذا، يجب أن يتعرض للمساءلة كل من يخالف ذلك».

وأضاف أن «انتقاء الموظف والتأكد من سيرته الذاتية خطوة أولية غير كافية، إذ تجب متابعتها لاحقاً من قبل إدارة البنك للوقوف على مدى نزاهة الموظف وقدرته على التعامل مع أموال المودعين بأمانة».

زيادة الاختلاس

من جانبه، قال مستشار مكافحة الجرائم المالية والمصرفية، حسام العابد، إن «الدراسات واستطلاعات الرأي تشير إلى تزايد حالات الاختلاس في دول الخليج عموماً، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاحتيال الداخلي على البنوك أخطر من الخارجي بكثير»، مضيفاً أن «كل بنك به إدارة للمخاطر داخل الأقسام، تختلف بحسب أهمية القسم وحجم الأموال التي يتعامل بها، وقربه أو بعده عنها، لكن يفترض بها جميعاً أن تحد من فرصة حدوث الاختلاس»، لافتاً إلى أنه لا يوجد نظام محمي بنسبة 100٪.

وأوضح أن «التقنية الحديثة سهلت الاختلاس عن طريق بطاقات الائتمان أو عبر الإنترنت، ما يجعل البنوك مطالبة بتشديد الرقابة ووضع ضوابط أكثر صرامة، مثل الفصل بين الواجبات البنكية وعدم السماح للموظف الواحد بإنهاء المعاملة كاملة، كأن تخصص موظفاً لفتح الحساب، وآخر للإيداع، وثالثاً لتسليم بطاقة الصراف الآلي، وهكذا»، لافتاً إلى ضرورة تخصيص موظفين مشهود بنزاهتهم للتعامل مع كبار السن ومن لا يجيدون القراءة أو الإنجليزية لأنهم يشكلون معظم الضحايا.

وشدد على أن «البنوك التي بها دوران سريع للموظفين، بمعنى تعيين موظفين وفصلهم في فترات متقاربة، تكون عرضة أكبر للاختلاس والاحتيال الداخلي من غيرها». وطالب العابد المتعاملين بتحديث بياناتهم بشكل دائم ومراقبة حركة الحسابات الخاصة بهم أولاً بأول، والإبلاغ عن أي حالة اشتباه لتجميد الحساب فوراً.

تويتر