خبراء: مخصصات البنوك المالية سيولة مستقبلية مدّخرة

مخصصات بنك المشرق تجاه الديون المعدومة والمشكوك في تحصيلها بلغت 4.46٪. تصوير: باتريك كاستيلو

أكد خبراء أن تجنيب البنوك المحلية لمخصصات كبيرة يترك آثاره الإيجابية في وضع القطاع والسوق على المديين المتوسط والبعيد، مشيرين إلى أن المستويات التي وصلت إليها تلك المخصصات تجعل منها سيولة مدخرة في حال استقرار معدلات التعثر، فضـــلاً عن اعتبار جزء منها بمـــثابة أرباح احتــياطية.

 ميزان المحاسبة

بينت دراسة حديثة عن مخصصات البنوك في ميزان المحاسبة الضريبية لمعهد المحاسبين العرب، أن «أزمة تعثر القروض تلقي الآن بظلال كثيفة على مجتمع البنوك بصفة خاصة، وعلى المجتمع ككل بصفة عامة، وهذه الأزمة أعطت الضوء الأخضر لكيفية معالجة الديون المعدومة والديون المشكوك في تحصيلها لدى البنوك من الناحية المحاسبية والضريبية، وكذلك أعطت أهمية كبيرة إلى دور مراقب الحسابات في الإفصاح عن هذه الديون». وقالت إنه «على الرغم من وجود ما يُسمى بأزمة تعثر القروض، فلابد للبنوك أن تواصل عملها في منح الائتمان، خصوصاً في ظل حالة الركود في الأسواق، وذلك بتشجيع الإقراض المدروس لكي تكسر دائرة الكساد وتقلل من معدلات البطالة وتزيد من معدلات نمو الاقتصاد». وتابعت «لكي تواصل البنوك عملها من دون خوف، فلابد من تصحيح المسار وعلاج المشكلات الرقابية والتشريعية والتطبيقية، ومن بين هذه المشكلات التي تواجه البنوك مشكلة تكوين المخصصات، خصوصاً بالنسبة للديون المشكوك في تحصيلها، ومشكلة إعدام الديون المتعثر تحصيلها، وذلك من الناحية المحاسبية والضريبية». ولفتت الدراسة إلى أنه «لا يمكن معرفة ما حققته منشأة تجارية ما من ربح أو خسارة على وجه الدقة إلا إذا تمت تصفية المنشأة تصفية نهائية، وحيث إنه لا يمكن الانتظار حتى تتم تصفية المنشأة لأي سبب من الأسباب لمعرفة نتيجة النشاط من ربح أو خسارة، فإنه لابد من معرفة ما حققته المنشأة من ربح أو خسارة على فترات دورية متساوية، وذلك لاعتبارات عملية معينة».

واستطردت «لما كانت عملية مقارنة الإيرادات بتكلفة الحصول عليها يجب أن تتم دورياً وبانتظام، ولما كان من أهم واجبات إدارة أي منشأة المحافظة بكل الوسائل على رأس المال كاملاً غير منقوص كحد أدنى، لذلك لابد من تحديد تكلفة الحصول على الإيرادات بكل دقة، ويتم ذلك عن طريق تجنيب المخصصات المالية». وعرفت الدراسة مصطلح المخصصات بأنه «عبارة عن أي عبء يحمل على إيرادات الفترة المالية لمقابلة كل من الأعباء والخسائر والالتزامات أو النقص الفعلي في قيمة أي أصل من الأصول، أو أي خسارة وقعت فعلاً لكنها غير محددة المقدار، أو أي التزامات مؤكدة أو محتملة الحدوث».



وأوضحوا أن تجنيب بعض المخصصات يظهر القيمة الفعلية للبنوك ويعكس مدى شفافيتها أمام السوق والمساهمين، ما يترك آثاره الإيجابية في الثقة بالبنك، مشددين على ضرورة أخذ التصنيفات الداخلية التي تتضمنها القوائم المالية بعين الاعتبار، حيث إن هناك مخصصات مقابل ديون معدومة، وأخرى مقابل ديون مشكوك في تحصيلها، وثالثة إلزاميةً.

تغطية عالية

وتفصيلاً، قال الرئيس التنفيذي لشركة «غلف مينا للاستثمارات البديلة» هيثم عرابي، إن «تجنيب البنوك المحلية لمخصصات كبيرة يعد أمراً إيجابياً يدعم حركة البنوك، لكنه يعتمد على نسبة القروض المتعثرة»، مشيراً إلى أن «المستويات التي وصلت إليها تلك المخصصات تجعـل منها سيـولة مدخـرة في حال استقـرار معدلات التعـثر في سـداد القروض».

ولفت إلى أن «حجم المخصصات التي جنبتها البنوك كبير ويكفي لتغطية انكشافات عالية، لكن في حال استمرار ارتفاع وتيرة القروض المتعثرة وانكشاف تلك البنوك على مزيد من ديون الشركات، فإن تلك المخصصات ستكون مهددة، لذلك فإن الصورة النهائية للوضع العام للبنوك لاتزال غير مكتملة»، مضيفاً أن «زيادة المخصصات تعدّ أمراً طبيعياً بالنسبة إلى البنوك، ولا تعني بالضرورة أنها ستكون أبدية، وإن جزءاً من هذه المخصصات يعتبر بمثابة أرباح احتياطية للبنوك».

وأشار إلى أن «تسارع وتيرة الزيادة في المخصصات في عام 2009 جاء نتيجة تعامل البنوك بحذر شديد في طرق احتسابها، والتي تمت وفقاً لأسوأ الاحتمالات، وذلك بمجرد الشك في وجود تأخر في السداد قد ينجم عنه حالات تعثر»، مبيناً أن «جزءاً من هذه المخصصات هو إجراء احترازي هدفه مواجهة احتمالات التعثر».

تصنيف المخصصات

من جهته، أكد مدير إدارة الأصول في شركة «الجبرا كابيتال» محيي الدين قرنفل، أن «تجنيب بنوك محلية مخصصات كبيرة يمكن أن ينظر إليه على أنه أمر إيجابي وليس سلبياً، حيث يمكن اعتبار هذه المخصصات سيولة مخبأة قد تعود البنوك للاعتماد عليها مجدداً، إذ تضاف هذه الأموال إلى حساب الأرباح والخسائر في حال اطمئنان البنوك إلى أن الأسواق استعادت عافيتها مجدداً».

وأضاف أن «الأرباح التشغيلية تعبر بطريقة أوضح عن مدى تقدم أعمال البنوك خلال العام»، مشــيراً إلى أن «البنوك أجبرت على تجنيب مثل هذه المبالغ الكبيرة وفق متطلبات المصرف المركزي الذي يفرض حدوداً دنيا للمخصصات العامة الواجب استقطاعها، وهي الحدود التي لا يمكن للبنوك أن تتخطاها».

وشدد قرنفل على أهمية أخذ التصنيفات الداخلية للديون والتي تتضمنها القوائم المالية بعين الاعتبار، «حيث إن هناك مخصصات مقابل ديون معدومة، وأخرى مقابل ديون مشكوك في تحصيلها، وثالثة مخصصات إلزامية، وهذه التصنيفات يتفهم طبيعتها جيداً المتخصصون، إذ إن بعضها أجبر البنوك على أن تظهرها في قوائمها المالية بعد المطالب الجديدة التي طبقتها معايير المحاسبة الدولية، والتي فرضتها مكاتب التدقيق الخارجية أثناء إعدادها القوائم المالية».

القيمة الفعلية

بدوره، قال المسؤول التنفيذي في «إنجازات كابيتال» رامي بزي، إن «الاتجاه إلى تجنيب بعض المخصصات في البنوك المحلية يظهر القيمة الفعلية للبنوك ويعكس مدى شفافيتها أمام السوق والمساهمين، ما يترك بدوره أثراً إيجابياً في الثقة بالبنك»، مشيراً إلى أنه «من الممكن أن تكون الأرقام المعلنة للمخصصات غير إيجابية في الوقت الحالي، إلا أن آثارها الإيجابية ستكون واضحة على المدى المتوسط والطويل».

وتابع أن «من السابق لأوانه الحديث عن سلبيات أو إيجابيات قرار المركزي بزيادة المخصصات، فمع تحسن وضع السوق وتراجع معدلات التعثر وزيادة حركة الإقراض، ستمثل تلك المخصصات عامل دفع وسيولة مخبأة»، لافتاً إلى أن «الأزمة المالية العالمية أعطت الجميع درساً مهماً، ألا وهو أهمية توقع المخاطر حيال الاستثمار أياً كان نوعه، فكم كانت الضربة موجعة لاستثمارات كان العائد الاستثماري المتوقع لها كبيراً جداً، غير أن (الأزمة) بدلت كثيراً من الأوضاع».

تبعات «الأزمة»

إلى ذلك، أشارت الإحصاءات الرسمية إلى أن المخصصات التي جنبتها أربعة بنوك مدرجة في سوق دبي المالي أســهمت في تجاوز حجم الديون المعدومة والمــــشكوك في تحصيلها إجـــمالي حجم الأرباح الصافـية لبنوك الإمارة، لتواكب التداعيـات التي أفرزتــــها الأزمة المالية العالمية، لمجابهة التراجع الكبير الذي ضرب القطاع العقاري عالمياً ومحلياً، والذي أدى بدوره إلى تراجع ربحية مؤسسات التمويل كافة، خصوصاً المؤسسات البنكية التي اندفعت إلى الاستثمار العقاري بمحافظ واستثمارات ضخمة. وتخطت المخصصات المستقطعة الأرباح الصافية خلال العام الماضي بما قيمته 320 مليون درهم، حيث بلغت 6.62 مليارات درهم، ما أسهم بشكل كبير في تقلص أرباح بنوك دبي إلى نحو 6.3 مليارات درهم في عام ،2009 مقابل 7.7 مليارات في العام السابق، أي بانخفاض قدره 1.4 مليار درهم وبنسبة تراجع بلغت 18٪. وحسب التقارير المالية التي أعلنت عنها البنوك الأربعة، فقد بلغت مخصصات بنك الإمارات دبي الوطني نحو 3.3 مليارات درهم، و«المشرق» ما قدره 2.1 مليار درهم، في حين بلغت مخصصات بنك دبي الإسلامي نحو 818 مليون درهم، كما وصلت مخصصات «دبي التجاري» إلى 411 مليون درهم.

وبلغت نسبة المخصصات إلى القروض لدى بنك الإمارات دبي الوطني 1.53٪، و4.46٪ لبنك المشرق، 1.63٪ لـ«دبي الإسلامي»، و1.44٪ لـ«دبي التجاري».
طباعة