العالم أكثر قدرة على احتواء آثار ديـون «دبي العالمية»

دبي الأكثر جرأة والأكثر نشاطاً تجارياً في المنطقة. تصوير: ساتيش كومار

عندما أعلنت «مجموعة دبي العالمية» أواخر نوفمبر الماضي، رغبتها في تأجيل سداد ديونها البالغة 26 مليار دولار، لفترة ستة أشهر، وقعت أسواق المال في حالة من الاضطراب، فوجدنا مؤشر «داو جونز» الصناعي يهبط بسرعة بمعدل 155 نقطة، أو 1.5٪، وهبطت الأسهم الأوروبية، وأسعار النفط بشكل حاد.

 أكثر 10 دول مدينة في العالم

دبي ليست المكان الوحيد في العالم الذي يدير دفعات ديون، على الرغم من كل ما قيل من مبالغات وتهويلات حول إعادة هيكلة شركة «دبي العالمية» في الأسابيع الأخيرة. ولو نظرنا إلى قائمة أكثر 10 دول مدينة في العالم، وهي منشورة على صفحات «وورلد فاكت بوك»، التابع لـ«وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية» على شبكة الانترنت، حتى نهاية ديسمبر من عام ،2008 لوجدنا أميركا هي المتربعة على رأس القائمة، بمديونية خارجية، هي إجمالي الدين الخاص والعام المستحق على غير المواطنين، والقابل للدفع بالعملة الأجنبية، أو على شكل بضائع وخدمات، تصل إلى نحو (13.75 تريليون دولار)، تليها المملكة المتحدة (9 تريليونات دولار)، تتبعهما ألمانيا (5.2 تريليونات دولار). واحتلت فرنسا المرتبة الرابعة (4.94 تريليونات دولار)، وهولندا في المرتبة الخامسة (2.5 تريليون دولار)، ثم ايرلندا (2.4 تريليون دولار). وجاءت ايطاليا سابعة بمديونية خارجية تصل إلى (2.3 تريليون دولار)، تليها اسبانيا في المركز الثامن بـ(2.2 تريليون دولار)، ثم اليابان في المركز التاسع بـ(2.2 تريليون دولار)، تليها لوكسمبورغ في المركز الأخير بدين خارجي بلغ حجمه تريليوني دولار.


لكن عدداً من الخبراء والمستثمرين، أعربوا عن اعتقادهم أن مشكلة «دبي العالمية» لن تثير مخاوف كثيرة، على غرار ما حدث مع انهيارات الشركات خلال العامين الماضيين، فهل هذا الاعتقاد تسطيح للمشكلة، أم أن مشكلات «دبي العالمية» تختلف بعض الشيء عن مثيلاتها من الشركات، أو أن الأمر أقل حدة فعلاً؟

بالتأكيد، فإن الأرقام كبيرة بما يكفي لوضع الأزمة ضمن مجموعات «الأزمات الرئيسة»، لكن المديونية لا تعادل شيئاً كثيراً، إذا ما قورنت بنحو 100 مليار دولار، أجلت الأرجنتين سدادها عندما واجهت أزمة ديون عام ،2001 كما قال أستاذ الإدارة في «مدرسة وارتون للأعمال» التابعة لـ«جامعة بنسلفانيا»، ومدير «معهد لاودر»، ماورو جولين.

أما أستاذ التمويل في «وارتون» جيرمي سيغيل، فيعتقد أن «الأيام ستثبت أن مشكلة (دبي العالمية)، (مسألة متواضعة للغاية)، بالنسبة للاقتصاد العالمي، والأسواق المالية العالمية، إذ إنها لا تعني أي هبوط جديد من أي نوع، كما لا تعني أي شكل من أشكال أزمة الأسواق الناشئة».

وأشار الخبير الاقتصادي في «مدرسة وارتون للأعمال»، ريتشارد هيرينغ، إلى أن «ما حدث مع (دبي العالمية) شيء تكرر في كثير من دول العالم التي أنفقت بسخاء، نظراً لأن معدلات الفائدة جعلت الاقتراض أسهل عن ذي قبل».

ويضيف معلقاً «حتى الآن، فإن الأسواق تعاملت مع ما حدث على اعتبار أنه (إعادة هيكلة بسيطة)، وربما كان هذا صحيحاً، لكن ربما يكون أيضاً الرأس المدبب لكرة الثلج التي تمتد إلى كثير من الدول التي تربط عملاتها بالدولار، وتحافظ على معدلات الفائدة شديدة الانخفاض، لظروف محلية لفترة طويلة جدا».

وقال هيرينغ إن «الوضع الذي شهدته دبي، هو وضع كلاسيكي تكرر في أكثر من مكان»، مشيراً إلى أن «معدلات الفائدة المنخفضة تسببت في ارتفاع أسعار العقارات بالطريقة نفسها التي حدثت في أماكن عدة عبر العالم، منها أميركا وأوروبا».

وأضاف أنه «عندما انخفضت أسعار النفط من ارتفاعاتها القياسية، كان لابد أن تتراجع تقديرات العوائد لهذه المشروعات الطموحة بشكل كبير، ولابد للأسعار أن تهبط تبعاً لذلك». وكما حدث مع طفرة العقارات في الولايات المتحدة، التي ساعدت على تأجيجها الأموال رخيصة الكلفة، والإحساس بأن قيمتها لا تعرف إلا الصعود فقط، فإن الدائنين في دبي كانت لديهم رغبة جامحة في صب الأموال في هذه الإمارة، بسبب ما افترضوه دعماً مالياً ضمنياً لشركة «دبي العالمية» من قبل حكومتي دبي وأبوظبي.

ومع أن وثائق الدَين ذكرت بشكل واضح، أنه لا ضمانات حكومية، فإنه يبدو أن عدداً كبيراً من الدائنين، اعتقدوا أن الوضع يشبه ما حدث مع شركتي «فاني ماي»، و«فريدي ماك» للرهن العقاري في الولايات المتحدة، إذ إنهما عندما واجهتا مشكلات عام ،2008 تحركت الحكومة الأميركية على الفور لحماية عمل الشركتين، وأقرضتهما 100 مليار دولار، ورصدت عشرات المليارات الإضافية، تحسباً لتعرضهما لمزيد من المشكلات.

إعادة تقييم الخطر

على الرغم من تشابه أوضاع «دبي العالمية»، مع حالة كثير من الشركات الكبرى عبر العالم، فإن أزمة الشركة تأتي في وقت يبدو فيه العالم أفضل تجهيزاً للصمود في وجه صدمة مالية جديدة، طبقاً لما ذكره الخبير الاقتصادي في «مدرسة وارتون للأعمال»، ريتشارد مارستون، الذي علق بالقول إن «هذا الظرف مختلف تماماً، فشركاء السوق اجتازوا مرحلة عنق الزجاجة، وأعادوا تقييم الخطر». وأضاف أنه «ونتيجة لذلك، فإن أسعار سندات الديون، مثل مختلف أنواع السندات، تعدلت تحسباً لأية تأجيلات محتملة، ما جعل أسواق المال أقل حساسية»، لافتاً إلى أن «السوق مرت في الفترة الأخيرة بحالة يمكن تشبيهها بـ(الجحيم)، وهي مستعدة الآن لمواجهة الخطر، بل إنها باتت قادرة على توقعه».

وتابع «السوق في حال أفضل بكثير، وبشكل يمكنها من استيعاب آثار تأجيل سداد ديون (دبي العالمية)، فيما لو حدث ذلك، علماً أنه وفي حالة تأجيل السداد، فإن الأمر لن يُخلف آثاراً عبر العالم، كما يحاول البعض الإيحاء».

و«على الرغم من وجود صلة بين (دبي العالمية)، وحكومة دبي، فإن وضع الشركة يختلف تماماً عن أوضاع الصناديق السيادية، لأنها لا تستخدم لتنويع مصادر دخل الإمارة، وإنما لتوفير مصادر دخل، فدُبي لا تملك آبار نفط أو غاز، وهي تبني استراتيجيتها على اعتبار أنها (حضن للسياحة)، و(إنجاز الأعمال)، كما يقول أستاذ الشؤون المالية في مدرسة وارتون للأعمال»، بولانت جولتكين.

الآثار في الأسواق الناشئة

وفي ما يتعلق بالسؤال الذي طرحه عدد من المحللين حول ما إذا كان لمشكلة ديون «دبي العالمية»، أية آثار في الأسواق الناشئة، أكد المحلل في مجلة «اميرجينج ماركتس آوتلوك» (نظرة الأسواق الناشئة) البريطانية، تشارلز كراكوف، أن «الأزمة لن يكون لها أثر كبير في الخطط الاقتصادية العالمية، نظراً لأن حجم المديونية المستحق على (دبي العالمية)، لا يعادل شيئاً مقارنة بالأموال التي دفعت للمصارف والشركات عبر العالم، منذ بدء الأزمة العالمية في الربع الأخير من عام 2008».

وأشار إلى أن «ما يزيد على 40٪ من ذلك الدَين، مستحق لبنوك بريطانية، لكن تلك الديون هي مجرد (فكة)، أو (مصروفات جيب)، فيما لو قورنت بحجم الخسائر، وصفقات الإنقاذ التي حدثت في بداية عام 2009»، لافتاً إلى أن «الحكومة البريطانية ضخت ما يزيد على 120 مليار دولار، لإنقاذ ثلاثة مصارف كبيرة، منذ بدء الأزمة المالية، أواخر عام ،2008 وتعهدت بتقديم مبلغ 43 مليار دولار لـ(بنك سكوتلاندا الملكي) وحده».

مأساة اليونان

وعودة إلى الخبير مارستون الذي لفت إلى أن «الناس قلقون حيال الديون التي تراكمت خلال الأزمة الاقتصادية العالمية عموماً، إذ حدثت قفزة كبيرة جداً في ديون الحكومات حول العالم».

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي والباحث في جامعة بنسلفانيا، فرانكلين آلين، إن «ثمة دولتين تواجهان خطراً شديداً، على نحو خاص، هما ايطاليا واليونان»، مؤكداً أن «أزمة ديون (دبي العالمية) بحد ذاتها لا تعني شيئاً كثيراً، لكن إذا كنا سنعتبرها مؤشراً إلى ما قد يحدث خلال الشهور القليلة، أو السنوات المقبلة، فإنها مهمة للغاية».

وتابع: «كثر الحديث حول ما إذا كانت اليونان تواجه مشكلات خطرة أم لا، فهي دولة مدينة بمبالغ ضخمة، غالبيتها مستحقة لدائنين خارج البلاد، ما يعني أن أزمة ديون اليونان ستؤثر في دول أخرى».

وفي أسوأ الحالات، التي يقول آلين إنها «غير مرجحة الحدوث»، فإن «من شأن أية أزمة تبدأ في اليونان، أو ايطاليا، أو أي مكان في العالم، أن تهز ثقة الأسواق المالية، وأن تتسبب في هبوط حاد لأدوات قياس الديون عبر العالم، كما حدث في أزمة تأجيل سداد ديون روسيا عام ،1998 حيث تسبب تأجيل سداد مبلغ بسيط من قبل الروس في حدوث أزمة خطرة». ففي التاسع من ديسمبر من عام ،2009 هبطت أسواق الأسهم عبر العالم، بعد أن خفضت مؤسسة «فيتش ريتنغ» الدولية، تصنيف ديون حكومة اليونان إلى أسوأ مستوى خلال عقد. وواجهت الحكومة انتقادات شديدة، بعد أن كشفت عن أن حجم ديونها يعادل ضعفي ما صرحت به سابقاً، وأنها وصلت إلى ما يفوق 12٪ من الناتج القومي المحلي، وبعد خفض المستوى، وعد رئيس الوزراء اليوناني، جورج باباندريو، في مؤتمر صحافي، بالقيام بكل ما هو ممكن، للسيطرة على العجز الضخم، وقال: «لسنا آيسلندا جديدة».

أما جولتكين، فيعتقد أن «الجزء الأكبر من المشكلات الناجمة عن ديون (دبي العالمية) سيتم احتواؤه، ولن يُترك للتأثير في بقية دول المنطقة، والسبب الرئيس وراء ذلك، أن دبي هي المدينة الأهم والأكثر تأثيراً في المنطقة، فلدى أبوظبي والسعودية ثروة نفطية، ولدى قطر ثروة من الغاز الطبيعي، والمتبقون ليسوا لاعبين اقتصاديين كبار»، مؤكداً أن «دبي كانت الأكثر جرأة، والأكثر نشاطاً تجارياً في المنطقة».

واستطرد أستاذ الإدارة في «مدرسة وارتون للأعمال» التابعة لـ«جامعة بنسلفانيا»، ومدير «معهد لاودر»، ماورو جولين، بالقول: إنه «على الرغم من مشكلات إمبراطورية العقارات لـ(دبي العالمية)، إلا أن المكونات الأخرى للعمل تعمل على نحو ممتاز»، مشيراً إلى أن «دبي ظلت تنتعش بسبب الحرب في العراق، وهي ميناء رئيس لشحن الترانزيت». وقال «لو توخت (دبي العالمية) الحذر أكثر، لكانت في وضع أفضل الآن». وتوقع جولتكين أنه «حتى لو لم تتم تسوية ديون (دبي العالمية)، وهو شيء مستبعد، بعد أن دعمت أبوظبي، الامارة بـ10 مليارات دولار أخيراً، فإن خيطاً مشرقاً سيظهر من وسط العتمة، إذ إن دائني (دبي العالمية) سيقدمون لها الأموال المطلوبة لاستكمال مشروعاتها العقارية التي توقفت، لأن قيمة المباني ستكون أعلى في حال انتهائها».

وأشار إلى أن «ولاية فلوريدا الأميركية، عانت من أزمة عقارية مماثلة عام ،1926 لكن في النهاية، فإن البناء الزائد جذب الناس إلى فلوريدا من مختلف أنحاء الولايات المتحدة، وحوّل الولاية إلى (دينامو اقتصادي) مهم، والشيء نفسه سيحدث مع دبي، ولكن يتوجب عليها أن تكون أكثر واقعية قليلا».



المصادر:

دراسة صادرة عن «مدرسة وارتون للأعمال»، التابعة لجامعة بنسلفانيا بعنوان «هل يمكن حدوث أزمة في الشرق الأوسط وما بعده بعد تأجيل سداد ديون «دبي العالمية».

مقال تحليلي للخبير الاقتصادي تشارلز كراكوف بعنوان «ما الذي تعنيه أزمة «دبي العالمية» للأسواق الناشئة»؟، عن مجلة «أميرجينج ماركتس آوتلوك».

طباعة