شركات أميركية تقلل التكاليف دون تسريح موظفيها

نسبة الشركات الأميركية التي تخطط لتسريح جزء من موظفيها انخفضت 3٪ خلال شهرين. أ.ب

مع وصول حجم التسريحات الجماعية في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية، وجدت بعض الشركات الأميركية أساليب جديدة لتوفير التكاليف التشغيلية بدلا من تسريح العاملين، وبدأت أعداد متزايدة من الشركات بتطبيق أساليب جديدة لتجنب التسريح الجماعي أو تخفيف حدته على الأقل، ومنها العمل لمدة أربعة أيام في الأسبوع ومنح إجازات غير مدفوعة الأجر، سواء طوعية أو إجبارية، وتجميد الرواتب أحياناً وخفض الرواتب التقاعدية، وتطبيق ساعات عمل مرنة، بحيث تستطيع هذه الشركات توفير النفقات مع الاحتفاظ بموظفيها.

واقترح رئيس مجلس عمداء جامعة برانديز، البروفيسور ويليام فليش، أن يتبرع أعضاء الهيئة التدريسية البالغ عددهم 300 شخص بـ1% من دخلهم فقط، موضحاً أن «ما سنقوم به يعد مبادرة رمزية، لكنها تسهم بشكل فعال في الحفاظ على بعض الوظائف».

وأضاف أن «أكثر من 30 شخصاً تطوعوا للمشاركة في عملية تقليص الراتب التي يمكن أن توفر نحو 100 ألف دولار، وذلك لمنع عملية تسريح العديد من الموظفين».

ضرر كبير

وبعض هذه التكتيكات التعاونية في خفض المصاريف ليست جديدة بالكامل، لكن شيوعها خلال الشهر الماضي يعكس مدى الضرر الناجم عن الكساد المفاجئ وتغير آليات الاقتصاد العالمي.

وتقول الشركات التي تتبنى هذه الإجراءات الجديدة «إن الاقتصاد تراجع بشكل سريع خلال شهر أكتوبر الماضي، وأنها اتبعت سياسات حذرة في التعيين خلال الأعوام الماضية، خصوصاً العام الماضي عندما شعرت غالبيتها أن البلاد تدخل في مرحلة كساد واحتفظ الموظفون المنتجون بوظائفهم بينما خسرها غير المؤهلين.

وفي بعض الشركات يدعم الموظفون إجراءات خفض الرواتب في الفترة الحالية، ويقولون إن هذه الإجراءات البسيطـة أفضل من المخاطرة والتعرض لسياسات أشد قسوة.

وتضم قائمة الشركات التي تتبع سياسات خفض التكاليف العمالية من دون الحاجة لموجات تسريح جماعي مؤسسات كبرى مثل «ديل»، التي أقرت إجازة غير مدفوعة لموظفيها، و«سيسكو» التي يداوم موظفوها لمدة أربعة أيام فقط أسبوعياً، إضافة إلى عطلة في نهاية العام، و«موتورولا» التي أقرت خفضاً في الرواتب، و«نوادي نيفادا» التي باتت تعمل لمدة أربعة أيام في الأسبوع، و«هوندا» التي سمحت بإجازات طوعية غير مدفوعة، و«سياتل تايمز» التي تخطط لتوفير مبلغ مليون دولار عبر إجازة غير مدفوعة إجبارية لمدة أسبوع لـ500  موظف لديها، كما بدأت بتطبيق هذه الإجراءات العديد من الشركات المتوسطة والصغيرة، لكن على الرغم من تطبيق العديد من الشركات لهذه الاستراتيجية، إلا أن سياسة التسريح مازالت الأكثر شيوعاً.

وقال مركز الأبحاث واطسون وات في بيان له «إن استطلاعاً للرأي أظهر أن عدد الشركات التي تخطط لتسريح جزء من موظفيها بلغ 23% في ديسمبر، منخفضاً عن شهر أكتوبر الذي أظهر أن 26% من الشركات كانت تخطط لهذا الإجراء، مسجلة بذلك نسبة تراجع 3% خلال شهرين».

وتقول الشركات إنها تدرس إجراءات أخرى لخفض التكاليف كالإجازات الإجبارية، وتجميد الرواتب، والعمل لمدة أربعة أيام في الأسبوع فقط، وخفض حجم مشاركتها في خطط الضمان الصحي والتقاعد.

وقالت البروفيسورة في كلية هاس للأعمال في جامعة كاليفورنيا، جينيفر شاتمان: «إن الشركات تحاول اقناع الرأي العام بأنها تتمسك بموظفيها عبر هذه الإجراءات، في حين أن هذه الإجراءات تهدف بوضوح إلى خفض التكاليف»، وأضافت «هذه الاستراتيجية تشجع الموظفين على الولاء للمؤسسة لفترة طويلة، وتجنب الشركة المنافسة من جديد على استقطاب الخبرات إذا ما تحسنت الأوضاع».

إجراءات تقشفية

وفي هذا السياق، قامت شركة «غوبال تونغستون آند باودرز» لصناعة الصلب، التي انخفضت مبيعاتها نحو 25% عن العام الماضي، بإيقاف صرف مخصصات العمل الإضافي والسفر، فضلاً عن وقف شراء أي معدات أو مواد جديدة لمكاتبها، وسمحت لعمالها البالغ عددهم 1000 بالتقدم بإجازات غير مدفوعة، وذلك بهدف خفض التكاليف.

وقال مدير الموارد البشرية في الشركة غريغ رايدر: «إن الشركة تمتلك عمالة مدربة ومتخصصة، وآخر ما نفكر فيه هو الاستغناء عنهم، ونعتقد أن الاقتصاد سينشط من جديد»، منوهاً بالتعاون الذي أبداه العمال مع هذه الإجراءات.

وقالت مديرة شركة «هوت ستوديوز» لتصميم مواقع الإنترنت، ماريا غودجي: «إن شركتنا سرحت مجموعة من العمال خلال ما يصطلح على تسميته «أزمة مواقع الإنترنت» عام ،2000  وكان أمراً مؤلماً ولا نريد تكراره، هذه المرة كانت أول خطوة هي شطب المكافآت السنوية لأول مرة منذ 12 عاماً وإعطاء الموظفين بدل ذلك إجازات مدفوعة».

ولا يمانع عدد من موظفي الشركة هذه الإجراءات، خصوصاً بعدما سمعوا عن التسريحات في الشركات الأخرى.

ويقول مصمم المواقع، غون ليتل «إن الناس يفضلون البقاء في وظائفهم لمدة ستة أشهر بدلا من الحصول على مكافأة نهاية السنة».

لكن أستاذ الاقتصاد في جامعة «يال»، تورمان بيولي، رأى أن «استمرار هذه التضحيات من قبل الموظفين لأشهر عدة قادمة، سيدفع بعضهم للتوتر وطلب راتبه ومكافآته كاملة، وقد يفضل الفصل على هذا الوضع، إنها إجراءات مهدئة ومؤقتة».

نقص الكفاءات

لكن الرئيس التنفيذي لشركة «غراي آند كريسمس» التي تتابع حالات التسريح الجماعي، جون تشالنجر قال: «إن ما يدفع الشركات لهذه التسريحات هي الظروف المالية الصعبة التي لم تشهد مثلها من قبل وليست العواطف».

وأضاف أن «الشركات تقوم حالياً أكثر من أي وقت مضى بتقييم أداء الموظفين وانتاجيتهم، وفي العديد من الحالات يعلمون أن الموظفين الذين سيتم تسريحهم هم من المنتجين».

ويعتقد تشالنجر أن «الشركات تعلم أنها ستعاني من نقص حاد في الكفاءات عند قيامها بهذه التسريحات».

وفي شركة «بريتيك» التي تنتج الإسمنت في كنساس التي لم تشهد أية تسريحات جماعية في السنوات الـ15 الماضية، بدت علامات تقنين النفقات بالظهور، حيث تم إلغاء الدوام الإضافي والحفل السنوي بمناسبة الأعياد، والذي تصل كلفته إلى 5000 دولار، وتم تخفيض أيام الدوام الأسبوعي إلى أربعة أيام فقط بعد أن كانت خمسة، بحيث توفر الشركة تكاليف الكهرباء والتدفئة.

وقال الشريك في «بريتيك»، بوب بوندشوا: «إن الشركة ستتحول أيضاً إلى إنتاج الإسمنت المخصص لأعمال البنية التحتية التي يتوقع أن تشهد نشاطاً بسبب خطة التحفيز التي أقرتها الحكومة»، وأضاف «العمال في الشركة مقتنعون بهذه الإجراءات ويفضلون التضحية بأمور ثانوية للحفاظ على عملهم والتأمين الصحي الذي يحصلون عليه».

واختتم «نحن متفائلون بالمستقبل، ولكن مهما ساءت الأوضاع في الأشهر الستة المقبلة سنحافظ على موظفينا لأنهم عمال جيدون ولا نريد أن نخسرهم».

ارتفاع البطالة إلى أعلى مستوى في 16عاماً

أظهر تقرير حكومي أمس، أن عدد الوظائف في القطاعات غير الزراعية بالولايات المتحدة انخفض إلى 524 ألفاً في شهر ديسمبر الماضي، ليرتفع بذلك معدل البطالة إلى أعلى مستوى منذ نحو 16 عاماً، فيما يشير إلى تفاقم الركود الذي بدأ قبل عام. وقالت وزارة العمل «إن معدل البطالة قفز إلى 7.2% الشهر الماضي من 6.8% في نوفمبر ليسجل أعلى مستوى منذ يناير عام 1993».

وكان المحللون تنبؤوا في استطلاع أجرته رويترز بانخفاض الوظائف إلى 550 ألفاً في ديسمبر.
لندن ــ رويترز

طباعة