من الغموض إلى التنظيم.. «كلاريتي» يرسم مستقبل العملات الرقمية

تدخل سوق العملات الرقمية مرحلة مفصلية، مع اقتراب مشروع قانون «كلاريتي» من اختبار حاسم قد يحدد شكل التنظيم المستقبلي للأصول الرقمية.

ويأتي المشروع بعد سنوات من الغموض بشأن تصنيف العملات الرقمية والجهة الرقابية المختصة بها، في وقت تحولت الأصول الرقمية إلى قطاع يستقطب المؤسسات المالية والاستثمارات الكبرى.

وكان مشروع القانون قد اجتاز لجنة البنوك في مجلس الشيوخ الأميركي، في مايو الماضي، بأغلبية 15 صوتاً مقابل تسعة أصوات، بعد إقراره في مجلس النواب في يوليو 2025 بأغلبية 294 صوتاً مقابل 134.

ومع تحديد 15 سبتمبر المقبل موعداً لإجراء تصويت إجرائي في مجلس الشيوخ، تتجه الأنظار إلى قدرة المشروع على تجاوز الخلافات القائمة، وما إذا كان إقراره سيضع حداً لسنوات من عدم اليقين التنظيمي، ويفتح الباب أمام مرحلة أكثر نضجاً واستقراراً لسوق العملات الرقمية.

وأكد خبير العملات الرقمية وصاحب شركة «بيتكوينين للتعليم في مجال العملات الرقمية»، نواب حسين علي الطاهر، أن «العملات الرقمية لم تعد سوقاً صغيرة تقتصر على الأفراد والمضاربين، بل أصبحت قطاعاً عالمياً يضم صناديق استثمار وشركات مدرجة ومؤسسات مالية كبرى».

وأشار إلى أنه مع ذلك، ظل الغموض التنظيمي في الولايات المتحدة من أبرز العوائق التي تحد من توسع السوق ودخول رؤوس الأموال المؤسسية إليها بصورة أكبر، حيث جاءت أهمية مشروع قانون «كلاريتي» بهدف وضع إطار قانوني واضح لسوق الأصول الرقمية.

وقال الطاهر، إنه «طوال السنوات الماضية، لم تكن المشكلة في غياب الرقابة بالكامل، بل في عدم وضوح القواعد، فكثير من شركات العملات الرقمية لم تكن تعرف بصورة مؤكدة متى تُعامل العملة الرقمية كورقة مالية، ومتى تُصنف كسلعة رقمية، وأي جهة رقابية تملك الاختصاص».

ونوه إلى أن هذا الغموض دفع بعض الشركات إلى تقليص نشاطها أو نقله خارج الولايات المتحدة.

وأكد أن أحد أبرز الجوانب الإيجابية في مشروع القانون هو رفع مستوى الشفافية داخل السوق، فالمنصات والمشاريع التي ترغب في العمل بصورة قانونية ستكون مطالبة بتقديم إفصاحات أوضح عن طبيعة المشروع، واقتصاديات العملة، والمخاطر المرتبطة بها، وسجل المعاملات، والجهات التي تمتلك صلاحيات مؤثرة في الشبكة.

وتابع: «هذا يعني أن المشاريع المجهولة أو التي تعتمد على وعود تسويقية من دون معلومات واضحة ستجد صعوبة أكبر في الوصول إلى المنصات المنظمة والسيولة المؤسسية. أما المشاريع الجادة، فستكون أمامها قواعد ومسارات محددة تستطيع العمل وفقها».

وأوضح أن «(المشروع) يتضمن متطلبات تتعلق بفصل أموال العملاء عن أموال المنصة، والاحتفاظ بها لدى جهات حفظ مؤهلة، ومراقبة التداولات، والتعامل مع تضارب المصالح، وتعيين مسؤولي امتثال»، مؤكداً أهمية هذه المتطلبات بعد انهيار عدد من المنصات التي خلطت أموال العملاء بأموالها أو استخدمتها في أنشطة لم يُفصح عنها للمستخدمين.

وقال الطاهر، إن إقرار قانون «كلاريتي» لن يقضي على عمليات النصب أو الاختراقات أو فشل المشاريع، ولن يضمن استعادة الأموال في جميع الحالات، لافتاً إلى أن «المنصات الخارجية والمواقع الوهمية وعمليات الاحتيال عبر وسائل التواصل ستظل تمثل مخاطر قائمة».

وأشار إلى أن الجهات الراغبة في الوصول إلى السوق الأميركية ستواجه قواعد أكثر وضوحاً، موضحاً أن المنصات ستكون أمام ثلاثة خيارات: التسجيل والالتزام، أو التوقف عن خدمة العملاء الأميركيين، أو الاستمرار بصورة مخالفة ومواجهة إجراءات الإنفاذ والعقوبات، وأضاف أن ذلك قد يضغط على المنصات غير الشفافة أو غير القادرة على الالتزام، بينما تستفيد الشركات التي تستثمر في الامتثال والأمن والحفظ المؤسسي والإفصاح.

وأوضح أن الخصوصية ستكون من الجوانب التي ستتأثر، إذ سيضطر مستخدمو المنصات المركزية إلى تقديم بيانات أكثر وضوحاً عن هويتهم، مع مراقبة المعاملات والإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة، إلا أن ذلك لا يعني نشر هويات أصحاب المحافظ للعامة أو إخضاع كل معاملة لموافقة حكومية مسبقة.

وأكد أن المشروع يحافظ على حق المستخدم في الحفظ الذاتي، ويوفر حماية لمطوري البرمجيات الذين لا يسيطرون على أموال المستخدمين.

ولفت إلى أن الأثر الأهم للقانون على المدى البعيد، قد يتمثل في تشجيع المؤسسات المالية ومديري الأصول والبنوك على دخول سوق العملات الرقمية، بعدما أصبحت المخاطر القانونية ومسؤوليات الحفظ والجهات الرقابية أكثر وضوحاً.

في المقابل، نوه الطاهر إلى مخاوف من أن تكون بعض قواعد المشروع أقل صرامة من متطلبات سوق الأوراق المالية التقليدية، إلى جانب ارتفاع تكاليف الامتثال والأمن والحفظ، بما قد يضغط على الشركات الصغيرة، ويزيد تركّز السوق، وشدد على أن القانون لن يزيل مخاطر العملات الرقمية، لكنه قد يرفع مستوى الإفصاح، ويحمي أموال العملاء، ويحدد المسؤوليات بوضوح.

مشروع «كلاريتي»

يحاول قانون «كلاريتي» تغيير واقع العملات الرقمية، من خلال وضع معايير أوضح لتصنيف الأصول الرقمية، وإنشاء مسارات قانونية لتسجيل منصات التداول، والوسطاء، والمتعاملين والحافظين، كما يمنح هيئة تداول السلع الآجلة الأميركية دوراً رئيساً في الإشراف على أسواق التداول الفوري للسلع الرقمية، مع استمرار هيئة الأوراق المالية في الإشراف على الأصول والمعاملات التي تندرج تحت قوانين الأوراق المالية، ولايزال «كلاريتي» مشروع قانون ولم يدخل حيز التنفيذ، فقد أقره مجلس النواب الأميركي، في يوليو 2025، ثم وافقت عليه لجنة البنوك في مجلس الشيوخ، في مايو 2026، قبل إصدار نسخة معدلة وموحدة، في يوليو الماضي، ولايزال المشروع بحاجة إلى موافقة مجلس الشيوخ، وتسوية الاختلافات بين النسخ التشريعية، ثم توقيع الرئيس الأميركي، وبحسب النسخة الحالية، ستدخل معظم أحكامه حيز التنفيذ بعد 360 يوماً من تاريخ إقراره، مع منح الجهات التنظيمية وقتاً إضافياً لإصدار القواعد التنفيذية، إلا أن هذه المدة قد تتغير إذا خضع المشروع لتعديلات جديدة قبل الموافقة النهائية.

مراحل مشروع القانون

مجلس النواب مرّر مشروع القانون في 17 يوليو 2025 بأغلبية 294 صوتاً مقابل 134.

لجنة البنوك وافقت، في مايو 2026، على مشروع القانون بأغلبية 15 صوتاً مقابل تسعة أصوات.

التصويت النهائي في مجلس الشيوخ تأجل وسط خلافات حزبية ومخاوف رقابية ومصرفية، حتى سبتمبر 2026.

الأكثر مشاركة