بسبب الركود وارتفاع الدولار وتراجع الإنتاج

مؤشرات بتواصل تبعات أزمة الديون على الدول الناشئة في 2023

تشير التوقعات إلى أن ديون الدول الناشئة لن يكون لها تأثير كبير خلال 2023 بسبب ضعف مساهمة هذه الدول على حالة الاقتصاد العالمي ، فيما تظل أزمة الركود المتوقع والأزمة الروسية الأوكرانية والحرب التجارية بين الصين وأمريكا الأكبر تأثيراً عالمياً.
وفي ظل التوقعات السلبية عن اتجاهات الاقتصاد العالمي خلال 2023، ترتفع المخاوف من الدخول في موجة جديدة من التخلف عن سداد الديون، لكن إن حدث فلن يتسبب في وقوع أزمة مالية عالمية؛ وذلك بالنظر إلى الحجم الصغير نسبياً لتلك الاقتصادات بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي.
وستظل الأزمة بالنسبة للاقتصادات النامية والفقيرة قائمة؛ حيث من المحتمل أن تسفر تلك الضغوط الاقتصادية عن تداعيات خطيرة في تلك البلدان، كتفاقم معدلات الفقر وحدوث المزيد من الاضطرابات الداخلية في تلك الدول.
وأوضحت دراسة حديثة أعدها  مركز "إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية" ومقره أبوظبي ، أن العالم شهد العالم منذ عام 1970 وعلى مدار 50 عاماً ماضية، 4 موجات رئيسية تراكمت خلالها الديون في عدد من الأسواق الناشئة والفقيرة، ولطالما اقترنت موجات الديون تلك بأزمات مالية كأزمة ديون أمريكا اللاتينية في الثمانينيات، والأزمة المالية في آسيا في أواخر التسعينيات، والأزمة المالية العالمية في 2007-2009، وأخيراً أزمة الديون التي عايشتها القارة الأفريقية على مدار العقدين الماضيين.
وخلال العقد الأخير، شكل تفاقم حجم الدين الخارجي، ولا سيما في اقتصادات الأسواق الناشئة والنامية والبلدان الفقيرة، أحد أهم التطورات المالية على مستوى العالم، وأبرز المخاطر المؤدية إلى عدم الاستقرار المالي العالمي والتباطؤ في النمو الاقتصادي واضطراب الأسواق المالية، في البلدان المقترضة.

مؤشرات تصاعدية
وأوضحت الدراسة أن ثمة مؤشرات على تفاقم حجم الديون الخارجية وتصاعدها بوتيرة سريعة خلال العامين الماضيين، بما يدفع إلى القول بأن العالم يواجه في الوقت الحالي أزمة ديون كبيرة، وهي ما يمكن إبرازها على النحو التالي:

- تذبذب حجم الدين العالمي بفعل ارتفاع أسعار الدولار : بلغ الدين العالمي، وفقاً لتقرير صادر عن معهد التمويل الدولي، مستوى قياسياً قُدر بنحو 303 تريليونات دولار العام 2021، وهو لا يقتصر على الديون الحكومية فحسب، بل شمل الديون العامة، والخاصة، والتابعة للشركات، والأسر.

ولعل ذلك المستوى من الدين المرتفع شكَّل ارتفاعاً بمقدار 30% في نسبة الدين العالمي إلى الناتج المحلي الإجمالي في السنوات الـ 5 الماضية، وهو كذلك قفزة أخرى في الدين العالمي القياسي لعام 2020، الذي بلغ 226 تريليون دولار، بحسب ما أفاد به صندوق النقد الدولي في قاعدة بيانات الديون العالمية، الذي مثَّل في وقتها أكبر زيادة في الديون لمدة عام واحد منذ الحرب العالمية الثانية.

بيد أن ارتفاع الدولار وتراجع مبيعات السندات مؤخراً، ساهما في خفض الدين العالمي بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث من عام 2022، وفق ما جاء في تقرير جديد صادر عن معهد التمويل الدولي، أشار إلى انخفاض النسبة العالمية للديون إلى الناتج المحلي الإجمالي في الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2022 إلى 343%؛ وذلك بتراجع من 303 تريليونات دولار مطلع 2022 إلى 290 تريليوناً في الربع الثالث من العام ذاته، إلا أن ذلك الانخفاض لا يمكن التعويل عليه؛ إذ إنه في الوقت الذي انخفض فيه حجم الديون لبعض البلدان، ارتفع نسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي، بفعل النمو الضعيف والإنتاج المنخفض.

- تزايد لافت بإجمالي حجم الديون في الدول المتقدمة:  ويمكن إرجاع تلك الزيادات إلى تسجيل الاقتصادات المتقدمة ارتفاعاً حاداً في عجز المالية العامة وانهياراً في معدل الإيرادات الحكومية نتيجة الركود في الآونة الأخيرة، وإجراءات الإغلاق التي استهدفت احتواء كوفيد-19.

- تنامي حجم الدين في الأسواق النامية والناشئة: أشار تقرير صادر عن معهد التمويل الدولي في مايو 2022 إلى أن إجمالي ديون الاقتصادات الناشئة خلال الربع الأول من عام 2022، بلغ نحو 98.7 تريليون دولار مقابل 89 تريليون دولار في ذات الفترة في 2021.

ورغم انخفاض حجم الدين الإجمالي لديون الأسواق الناشئة، وفق تقرير جديد صادر عن معهد التمويل الدولي في 22 نوفمبر 2022، من 98.7 تريليون دولار إلى 96.2 تريليون دولار، فإن النمو الاقتصادي الضعيف أعاد نسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة إلى أعلى مستوى لها عند 254%، وهو المستوى الذي سجلته في أوائل عام 2022.

-   زيادة مخاطر تخلف الدول الفقيرة عن سداد الديون :  دأب الاقتصاديون والمؤسسات المالية العالمية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في الفترة الأخيرة على دق ناقوس الخطر بشأن خطورة أزمة الديون؛ حيث توقع البنك الدولي في عام 2022 أن نحو 12 دولة قد تواجه تخلفاً عن السداد خلال العام المقبل.
ويُشار في هذا الصدد إلى أن نحو 60% من البلدان النامية المنخفضة الدخل تعاني من ضائقة ديون أو معرضة بشدة لخطرها؛ ففي مطلع ديسمبر 2022، ذكر البنك الدولي أن خدمة الديون السنوية لأفقر دول العالم للدائنين الثنائيين الرسميين، بلغت 62 مليار دولار وهي زيادة بنسبة 35% عن عام 2021.

وتدين البلدان الفقيرة، وفق بعض الحسابات، بما يصل إلى 200 مليار دولار للدول الغنية وبنوك التنمية المتعددة الأطراف والدائنين من القطاع الخاص.
 ومن المتوقع خلال عام 2023 أن تتعرض البلدان النامية لأزمة ديون كارثية، ستتفاقم بفعل اندماج التضخم السريع مع تباطؤ النمو وارتفاع أسعار الفائدة وارتفاع الدولار، وهو ما يعني أن جهود تخفيف الديون ستتعرض لتعثرات شديدة.

محددات مؤثرة  
وأشارت دراسة مركز "إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية" إلى أن  التوقعات بزيادة حجم الديون والتعثر في سدادها خلال 2023، تأتي انطلاقًا من عدد من العوامل والمحددات الرئيسية، التي يُتوقع أن تؤثر بدرجة كبيرة على مشهد الديون في 2023، أبرزها: زيادات مفاجئة في أسعار السلع أو الخدمات مقابل نقصان المعروض منها، ما يخلق حالة من التراجع في النمو الاقتصادي لدى البلدان المقترضة وتراجع مقدرتها على السداد.

ومع تتزايد التوقعات بحدوث ركود عالمي 2023، وتسبب الارتفاع الجامح في الأسعار في عزوف الناس عن الشراء، بما يخلق حالة من الركود في حركة البيع والشراء إضافة إلى احتمال رفع أسعار الفائدة وتشديد سياسات البنوك المركزية.

تداعيات محتملة
وقد يدفع تفاقم معدلات الديون حول العالم، وعلى وجه الخصوص في البلدان الفقيرة والنامية خلال 2023، إلى عدد من التداعيات السلبية السياسية والاقتصادية مثل:
تأجيج الاضطرابات المالية: وحدوث مزيد من العبء الاقتصادي على البلدان المتعثرة، وانتكاسة في آفاق النمو بها و ربما يسفر العجز عن سداد المديونيات، والتورط في مديونات جديدة، عن اضطرابات داخلية في بعض البلدان و زيادة تدفقات الهجرة إلى الدول المتقدمة.

طباعة