لغز محير في أميركا.. الطلب على التوظيف يتزايد رغم تباطؤ النمو وارتفاع التضخم

جيم فاي يتطلع إلى توظيف 15 سائقاً جديداً. وكالات

تواجه الولايات المتحدة خلال العام الجاري، لغزاً اقتصادياً محيراً، وهو كيفية توسّع فرص العمل وزيادة الطلب على التوظيف، رغم تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع معدل التضخم، وتفاقم المخاوف من حدوث ركود اقتصادي وشيك. فخلال النصف الأول من عام 2022، شهد الناتج المحلي الإجمالي تراجعاً إلى المنطقة السلبية، كما ارتفعت كلفة الاقتراض بشكل حاد، بسبب قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بزيادة أسعار الفائدة. ومع ذلك، فقد نمت الرواتب الشهرية لتصل إلى نحو 438 ألف دولار سنوياً، من يناير إلى أغسطس الماضيين، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف وتيرة ما قبل بدء جائحة «كوفيد-19» في عام 2019.

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن العديد من أرباب العمل قولهم، إنهم مازالوا يعانون النقص الكبير في الموظفين، مشيرين إلى ترددهم في اتخاذ قرارات، بخفض عدد الموظفين، بل إنهم في كثير من الحالات، يقومون حالياً بالتوظيف.

وقال كبير الاقتصاديين في مؤسسة «آي إن جي» الاقتصادية الدولية، جيمس نايتلي: «نرى أن الشركات تفضل الإبقاء على موظفيها بدلاً من طردهم بسرعة، ثم إعادة التوظيف في وقت لاحق، لأن تحديات التوظيف في الوقت الحالي شديدة للغاية».

وفي مدينة «أو كلير» بولاية ويسكونسن الأميركية، يشتري جيم فاي، من خمس إلى ثماني حافلات جديدة كل عام لخدمة المدارس الخاصة، ورغم أنه لا يخطط لشراء أي حافلات جديدة خلال عام 2023، لأن التضخم المرتفع زاد أيضاً أسعار الفائدة، وبالتالي زاد سعر شراء الحافلات الجديدة، إلا أنه يتطلع إلى توظيف 15 سائقاً جديداً إلى طاقم موظفيه البالغ عددهم 185 موظفاً. وأشار إلى أنه مضطر، هو وبعض موظفي مكتبه، إلى قيادة بعض الحافلات على الطرق أحياناً بسبب النقص في عدد السائقين.

ويرى بعض الاقتصاديين، أن الصعوبات التي نجمت عن نقص العمالة خلال العام الماضي، بما في ذلك النفقات الضخمة للتعيين والتوظيف، وارتفاع معدل دوران الموظفين، قد تجعل الشركات أكثر تردداً في تسريح العمال، إذا سقط الاقتصاد في ركود معتدل.

وأكدوا أن الشركات لم تلبِ احتياجات التوظيف بالكامل، خلال فترة الانتعاش، لكنها من المرجح أن تسحب فرص العمل، والتي بلغت مستويات تاريخية، قبل أن تلجأ إلى إلغاء الوظائف، لافتين إلى أن هناك فرص عمل اليوم، أكثر مما كانت عليه في العقدين الماضيين، عند مستويات مماثلة من البطالة.

ورغم أن بعض الشركات الكبيرة، بما في ذلك «غولدمان ساكس»، و«سناب إنك»، و«واي فير»، قد أشارت أخيراً إلى قيامها بتسريح موظفين، إلا أن عدداً أكبر من الشركات كشفت عن أن نقص العمالة يعيق إدارات المبيعات والإنتاج لديها. وقالت شركة «دومينوز بيتزا» إن مبيعات متاجرها تراجعت في الربع الثاني من العام السابق، بسبب نقص الموظفين، ما أدى إلى خفض ساعات تشغيل بعض فروعها.

ولاتزال فرص العمل تفوق بكثير عدد الباحثين عن عمل، لكن من المرجح أن تتراجع وتيرة التوظيف، بحسب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، الذي قال «إن تحركات بنك الاحتياطي الفيدرالي لإبطاء الاقتصاد ستعني حتماً تراجعاً في سوق العمل»، متوقعاً ارتفاع معدل البطالة من 3.7% في أغسطس إلى 4.4% في الربع الرابع من العام المقبل.

وقالت كبيرة الاقتصاديين في مؤسسة «إيه سي كاتس وشركاه»، ايمي كروز كاتس، إنها تتوقع ارتفاعاً حاداً في معدل البطالة ليتجاوز 5% بنهاية العام المقبل، مؤكدة أن الزيادات الكبيرة في أسعار الفائدة ستضر بالطلب والتوظيف. وأضافت: «على مدى العقود السبعة الماضية، انخفضت الرواتب في غضون ربعين من بداية الركود». وتاريخياً، فإنه بين عامي (1973- 1975) كان الركود استثناء ملحوظاً. ففي ذلك الوقت، كان التضخم يرتفع بسرعة وسط صدمة أسعار النفط، ما دفع الاحتياطي الفيدرالي، إلى رفع أسعار الفائدة. وبدأ الركود في نوفمبر 1973، مع انخفاض الإنتاج، لكن التوظيف استمر في النمو، ثم استقر بعد ذلك لمدة عام تقريباً، ثم انهار سوق العمل في نهاية المطاف، مع انخفاض الرواتب بنحو 2.5% بين أكتوبر 1974 وربيع 1975.

طباعة