هل انتهت سوق العملات المشفرة؟

خلال المباراة النهائية لبطولة دوري كرة القدم الأميركية، فبراير الماضي، ظهر نجم الدوري الاميركي للمحترفين الملياردير ليبرون جيمس أمام شاشات التلفزيون في إعلان لشركة "كريبتو دوت كوم". كان الهدف من الإعلان الذي استغرق 30 ثانية هو الترويج لمنصة تداول العملات المشفرة الشهيرة (Crypto.com).

خاطب جيمس ملايين المشاهدين: "إذا كنت ترغب في صنع التاريخ، فعليك أن تطلق العنان لنفسك". ثم تناثرت الكلمات عبر الشاشة مع انتهاء الإعلان بجملة: "الحظ يأتي للشجعان". لكن في الأسبوع الماضي، سرحت "كريبتو دوت كوم" 5٪ من موظفيها. وغرد رئيسها التنفيذي على "تويتر" بأن "الشركة تتخذ قرارات صعبة لكنها ضرورية". 

نشأ سوق العملات المشفرة جزئيًا على منح داعميه مزيج من مشاعر التباهي والحماس والتفاؤل. وكان شعارهم في مواجهة المشككين بأن "استمتعوا بالبقاء فقراء". قائلين إن المستقبل يمر من أمام المشككين في العملات المشفرة دون أن يلحقوا به. لكن في بعض الأحيان، بدا التشفير وكأنه الجنون، الذي يجمع الأشخاص الرائعين لكنه كان يشبه فقاعات أخرى عبر التاريخ ويشاركها بعض الخصائص، التي تميزت بالتكهنات الملاصقة للوهم، والجشع، وعدم احترام المخاطرة. والآن، ومع هبوط الأسواق وارتفاع معدل التضخم العالمي، كانت العملات المشفرة من بين الأصول الأولى التي تم التخلص منها لجمع السيولة.  

نزيف الأموال 

وتقول صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، إنه منذ وصول عملة بيتكوين إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق في نوفمبر الماضي، تم محو ما يقرب من 2 تريليون دولار من قيمتها. وانخفضت عملة بيتكوين نفسها إلى أدني من 19 ألف دولار، أي ما يزيد عن 70٪ من أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 67802.30 دولارًا. وتتسبب بورصات العملات المشفرة في نزيف أموال المستخدمين، وسرحت شركات التشفير الموظفين تحت شعار إعادة الهيكلة. 

عالم العملات المشفرة ليس غريباً على فترات ازدهار وانهيار الأسواق. لكن العديد من المستثمرين والعاملين يشعرون بهذا الانهيار في العملات الرقمية بشكل أكثر حدة من سابقيه. وعندما يستقر السوق ويتضح، قد تختفي بعض منتجات أو عملات أو شركات التشفير. وقد تم إطلاق بيتكوين كشكل من أشكال النقود الإلكترونية في عام 2009 من قبل منشئ مجهول اسمه ساتوشي ناكاموتو، ثم ارتفع سعرها بشكل غير ثابت، وعشوائي، وأحيانا عنيف بسبب عوامل عدة، منها أن المستثمرين في العملات المشفرة يعتقدون في فشل النظام المالي الحالي وأن التشفير هو المستقبل. 

لحظة فاصلة 

في أبريل 2021، تم طرح شركة "كوين بيس غلوبال"، وهي أكبر بورصة للعملات المشفرة في الولايات المتحدة، بقيمة 85 مليار دولار، كلحظة فاصلة في عالم العملات المشفرة، لتصبح أول شركة عامة كبرى تركز على البيتكوين. وفي أغسطس الماضي، أطلقت مدينة ميامي الأميركية عملتها "ميامي كوين"، وهي عملة مشفرة تحمل علامة المدينة. وفي وقت سابق من هذا العام، حضر أكثر من 25000 شخص مؤتمر ميامي للعملات الرقمية، وترأس عمدة ميامي، فرانسيس سواريز، كشف النقاب عن تمثال لثور أسود بطول 11 قدمًا، لمنافسة الثور الشهير الذي يرمز لـــ "وول ستريت"، سوق الأوراق المالية في نيويورك. 

وقال المؤسس المشارك لشركة مايكروستراتيجي، مايكل سايلور، والذي استفاد من شركة البرمجيات الخاصة به ووضع أكثر من 100 ألف بيتكوين، بقيمة تزيد عن 6 مليارات دولار في ذروة سعرها كبند ضمن ميزانيتها العمومية: "أنا متفائل أكثر من أي وقت مضى بشأن بيتكوين". كما قالت الرئيس التنفيذي لشركة "ايه آر كيه انفستمنت"، كاتي وود، إن "البيتكوين سيرتفع إلى أكثر من مليون دولار". واقترح الشريك المؤسس لشركة "باي بال" القابضة، بيتر ثيل وضع "قائمة أعداء" بالأشخاص الذين يعارضون العملة المشفرة. 

ورأى دان غونسبرج، الذي بدأ الاستثمار في عملة البيتكوين في عام 2015 وهو اليوم الرئيس التنفيذي لشركة "اتش اكس آر اوه نتورك" وتعمل في مجال التشفير: أن الحماسة كانت علامة على وجود مشكلة في سوق التشفير، وأضاف: "لا شيء يتحرك بهذه السرعة، يمكن أن يظل مرتفعا، لأن الجاذبية تعيده إلى الأرض". 

التخلي عن الأصول 

مع احتدام الخوف من زيادة معدل التضخم، يتخلى المستثمرون عن الأصول التي يعتبرونها محفوفة بالمخاطر في محافظهم الاستثمارية. كما تنخفض أسهم الشركات بطيئة الربح، وتخسر العديد من شركات التكنولوجيا الجديدة أكثر من نصف قيمتها في النصف الأول من العام.  

وحتى الآن، فقدت بيتكوين أكثر من نصف قيمتها ويتم تداولها حاليا عند أدنى مستوى لها منذ أواخر عام 2020. وانخفضت الإيثيريم، وهي عملة مشفرة أخرى شهيرة، بنحو 68٪ حتى الآن هذا العام. 

وقال رئيس قسم الأبحاث في شركة "جلاكسي ديجيتال" القابضة، أليكس ثورن، وهي شركة خدمات مالية تركز على التشفير، إن "نفوذ التشفير ينهار الآن". وأضاف أن "عدد كبير من صناديق التشفير لن ينجو من هذا الانهيار". 

تراجع الإيرادات 

انتشرت المذبحة من أسعار العملات المشفرة إلى الشركات التي تقدم خدمات في سوق التشفير. وبالنسبة للبورصات، التي يحركها أنشطة التداول، انخفضت الإيرادات مع عمليات البيع. وكشفت شركة "كوين بيس" عن خسارة قدرها 429.7 مليون دولار في الربع الأول في مايو، وقالت إن مستخدميها يتركون المنصة، حتى مع قيام المسؤولين التنفيذيين ببيع الأسهم وجني الأرباح. 

في يونيو، وللمرة الأولى منذ تأسيسها في عام 2012، سرحت "كوين بيس"، ما يقرب من خمس قوتها العاملة، ويتم تداول سهمها بنحو 51 دولارا، مقارنة بأعلى مستوى له عند 429.54 دولارا خلال اليوم الأول من التداول في 14 أبريل 2021. كما سمحت شركات أخرى من بينها "كريبتو دوت كوم" للموظفين بالرحيل. 

في أوائل شهر مايو، أدى الضغط الهبوطي المستمر في سوق العملات المشفرة إلى كسر شيء كبير. فقد انهارت العملة المستقرة "تيرا يو إس دي"، وهي عملة مشفرة تهدف إلى الاحتفاظ بقيمة ثابتة قدرها دولار واحد، مع عملة أخرى هي "لونا" بين عشية وضحاها، واختفى ما قيمته 40 مليار دولار من قيم العملتين المشفرتين.  

وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن صندوق التحوط في شركة "ثري أروز كابيتال" الذي يركز على العملات المشفرة يدرس الخيارات الإستراتيجية، بما في ذلك بيع الأصول أو قبول الإنقاذ من قبل شركة أخرى، بعد أن تكبد خسائر فادحة.  

مستقبل بيتكوين 

وعلى الرغم من الخسائر، لا يزال بعض المستثمرين متفائلين. ومنهم مارشال جونسون جونيور، وهو منتج تلفزيوني تعليمي يبلغ من العمر 54 عامًا في ولاية ماريلاند، والذي بدأ في شراء عملة البيتكوين في عام 2021، عندما كان سعرها 38 ألف دولار. كانت خطته في ذلك الوقت هي وضع أموال كافية ببطء لامتلاك عملة بيتكوين واحدة كاملة. وهو لا يزال يؤمن بمستقبل البيتكوين، ولم يغير خطته على الرغم من عمليات البيع وعلى الرغم من حقيقة أنه فقد المال على الورق. ورغم انخفاض سعر بيتكوين، فهو يعتقد أنه سيصل إلى هدفه قريبًا. وقال: "أنا أقرب مما كنت عليه قبل عام". 

بدوره، قال الشريك في شركة "سيكويا كابيتال"، الذي يستثمر في العملات الرقمية، شون ماجواير: "على المدى الطويل، نحن نؤمن بشدة بالعملات المشفرة". وأضاف: "ولكن على المدى القصير، يجب أن نحترس." 

وفي السياق ذاته، دخل دان هيلد في عملة بيتكوين في عام 2012، وانجذب إلى فكرة النظام المالي الجديد في وقت لم يسمع به معظم الناس. فقد انتقل هيلد من تكساس إلى سان فرانسيسكو، وبدأ في الذهاب إلى لقاءات بيتكوين وانغمس في ثقافة التشفير. وكان هيلد يبشر بالبيتكوين منذ سنوات، ولديه عدد كبير من المتابعين على تويتر، والدافع وراء حماسه هو فكرة أن بيتكوين يحل المشكلات الأساسية في النظام المالي الحالي. ولذا، لم تهز أي من الانهيارات السابقة ولا حتى الحالية اعتقاد هيلد، وقال: "لا أرى أن هذه نهاية بيتكوين". 

طباعة