الحكومة تتدخل للمرة الأولى منذ عقود في عمل الشركات.. و«السوق السوداء» تظهر من جديد

«صفر كوفيد» تحيي شبح «الاقتصاد المخطط» في الصين

العديد من المدن أغلقت مخارج الطرق السريعة ما أوقف عمليات تسليم التجارة الإلكترونية. من المصدر

يعد يانغ وينهوي، (47 عاماً)، وهو رجل أعمال عصامي صيني، مثالاً على صعود الصين لتصبح قوة عالمية. فقد نشأ فقيراً، وعمل مزارعاً وعامل بناء قبل الانضمام إلى قطاع صناعة الخدمات اللوجستية الناشئة في البلاد. وفي عام 2003، أسس شركته الخاصة في مجال الشحن، وكسب ثروة مع انطلاق التسوق والبيع عبر الإنترنت في عام 2010.

«صفر كوفيد»

وعندما بدأ فيروس «كورونا» في الانتشار بالصين، سعت الحكومة إلى تطبيق سياسة «صفر كوفيد» عبر إغلاق عشرات المدن، وفرض قيود على السفر الداخلي، وإيقاف شاحنات النقل عن العمل، ما دفع أسعار الشحن للارتفاع 20% خلال أسابيع.

وقال وينهوي إنه يعمل في مجال الخدمات اللوجستية منذ 28 عاماً، لكنه لم ير قط فوضى مثل تلك. وأضاف: «خسرت عشرات الآلاف من الدولارات في مارس الماضي».

آلة عملاقة

الاقتصاد الصيني آلة عملاقة ومتطورة، لكنه يتطلب أجزاء عدة للعمل بتناغم، ففي الصين هناك 1.4 مليار مستهلك، وراءهم 150 مليون شركة مسجلة توفر الوظائف والطعام وكل ما يحافظ على استمرار عمل آلة الاقتصاد.

أما الآن، وباسم السيطرة على الجائحة، تتدخل الحكومة الصينية في الاقتصاد بأسلوب لم تشهده البلاد منذ عقود، ما يؤثر سلباً في الأعمال التجارية، ويشعر رجال الأعمال بالقلق من أن البلاد بدأت تعود إلى «الاقتصاد المخطط».

التوازن والسيطرة

في العامين الماضيين، سعت العديد من حكومات العالم إلى تحقيق توازن بين السيطرة على الجائحة، وإبقاء الأعمال مفتوحة. وكانت الصين ناجحة إلى حد كبير في ذلك حتى وقت قريب.

لكن متحور «أوميكرون»، تسبب في زيادة الحالات بشكل خطر، فضاعفت البلاد من سياسة «صفر كوفيد» التي تهدف إلى التركيز على خفض معدلات الوفيات والإصابة. ومنذ مارس الماضي، أبلغت الصين عن نصف مليون إصابة بالفيروس، و48 حالة وفاة حتى يوم الجمعة الماضي.

وأدى الإغلاق إلى تحويل شنغهاي، أكبر مدن الصين، التي يبلغ عدد سكانها 25 مليون نسمة، إلى مدينة للأشباح، خصوصاً مع توقف العديد من المصانع والمتاجر والمطاعم في أنحاء البلاد. بيد أن الإجراءات الحكومية الصارمة لمواجهة الجائحة، تلحق خسائر فادحة بالاقتصاد، فقد انخفض الاستهلاك القومي بنسبة 3.5% في مارس 2022، وتراجع الإنفاق على المطاعم بنسبة 16%.

فقدان الثقة

وحذر الخبير الاقتصادي في جامعة هونغ كونغ، تشيو تشن، من عدم قدرة الشركات الخاصة على الاستمرار في العمل، مشيراً إلى مخاوف من تسريع الهجرة الخارجية، وتقليل الرغبة في الاستثمار. وأضاف: «بمجرد أن يفقد الناس الثقة بمستقبل البلاد، سيكون من الصعب على الاقتصاد التعافي من تأثير سياسة (صفر كوفيد)».

كما يترقب مجتمع الأعمال بقلق ما إذا كانت الحكومة ستطبق نموذج إغلاق شنغهاي على مدن أخرى، وهو نموذج في «الاقتصاد المخطط»، عندما تتحكم الحكومة في الأنشطة التجارية، بدلاً من السماح للسوق بتنظيم العرض والطلب.

فخلال تفشي الجائحة، قلبت حكومة شنغهاي الأنظمة التجارية، ما تسبب في ندرة الإمدادات وانتشار الأسواق السوداء. وتسمح بعض الأحياء بتوزيع مواد البقالة التي تنظمها الحكومة فقط، ولا يسمح آخرون لسكانهم بشراء حفاضات وحليب أطفال وورق تواليت لأنها ليست من الضروريات. وفي مكان آخر في الصين، تعتبر الفواكه والقهوة من الكماليات.

الاقتصاد المخطط

تاريخياً، وابتداءً من الثمانينات، ابتعدت الصين عن اقتصادها المخطط، لأنه ترك الجميع فقراء. كما أدى إلى فشل الاتحاد السوفييتي السابق، وكوريا الشمالية. وتتساءل الرئيسة التنفيذية لإحدى العلامات التجارية الاستهلاكية عالية الارتفاع، فضلت عدم ذكر اسمها، عن المدة التي يمكن أن تدوم فيها أموال شركتها؟

وقالت إن الشركة جمعت 100 مليون دولار العام الماضي، ولديها خطط توسع طموحة، لكن ما يقرب من ثلث متاجر التجزئة التابعة لشركتها، البالغ عددها 150 متجراً، أغلق أبوابه، كما أن مبيعات الإنترنت تعاني حالياً لأن العديد من المدن أغلقت مخارج الطرق السريعة، ما أوقف عمليات تسليم التجارة الإلكترونية.

قلق عقاري

يراقب المطوّر العقاري في مدينة نانجينغ بمقاطعة جيانغسو، جون جي، بفارغ الصبر، عمليات الإغلاق في شنغهاي ومدن أخرى. ويعتقد أن كثيراً من الناس سيفقدون وظائفهم ويواجهون صعوبة في سداد الرهون العقارية.

وتساءل: «عندما لا يستطيع أحد تحمل تكاليف السكن، فمن سيشتري شقته؟».

وأضاف: «أنا قلق إذا كنا سنعود إلى الاقتصاد المخطط، لأنه إذا استمر الاقتصاد في التراجع، فقد نصبح فقراء مرة أخرى».

طباعة