شركات أمنية خاصة توظّف عسكريين سابقين بحجة تأمين المحيط الهندي

مرتزقة يحاربون القراصنة في الصـومال

صورة

لم يشعر رودي أتانيون بالخوف عندما رأى خمسة قوارب محملة بالقراصنة في عرض المياه الصومالية، فهو يعلم جيداً ما يجب فعله في مثل هذه الحالات. لقد عمل أتانيون (39 عاماً)، سنوات طوالاً في القوات الخاصة خارج البلاد، في أفغانستان ويوغسلافيا سابقاً وفي مناطق متفرقة من إفريقيا. وبعد تقاعده من عمله في وحدات النخبة انخرط هذا العسكري المحترف في مهنة حماية السفن التجارية، التي تدر عليه الكثير من الأموال، لكنها محفوفة بالمخاطر، ويشرف حالياً على الفرق المحمولة براً في شركة «غاليس سيكيورتي» التي أسسها عناصر سابقون في الاستخبارات الفرنسية والقوات الخاصة في الدرك الوطني. واليوم يواجه أتانيون وزملاؤه عدواً من نوع جديد، قد يكون أكثر شراسة من الجنود المعادين أو تجار المخدرات، إنهم القراصنة، وقد نجح هؤلاء في خطف 47 سفينة تجارية واحتجاز نحو 482 رهينة، إلى الآن. وحتى الحادي والعشرين من اكتوبر الماضي هاجم القراصنة 359 سفينة في أنحاء العالم، بينما كان القراصنة الصوماليون مسؤولين عن نصف هذه الهجمات للمطالبة بفدى.

يقوم القراصنة بتعذيب الرهائن وممارسة ضغوط نفسية من أجل الحصول على فدى كبيرة، ومع تزايد عددهم يبتكر القراصنة طرقاً جديدة للإيقاع بضحاياهم، ثم ابتزازهم بوسائل مختلفة. وأصبحوا يهاجمون في أعداد كبيرة، ويمطرون السفينة المستهدفة بالرصاص والقذائف الصاروخية حتى تذعن لأوامرهم. وتتهم غرفة التجارة البحرية الدولية دول العالم بالفشل في محاربة ظاهرة القرصنة في المحيط الهندي، ويأتي ذلك على الرغم من وجود دوريات تقوم بها قوات بحرية من مختلف البلدان، منها الأوروبية والأميركية والهندية والروسية وحتى الصينية. ويقول المسؤول في الغرفة، سبيروس بوليميس: «الحقيقة هي أن هذه الحكومات تركت المحيط الهندي تحت رحمة القراصنة».

تغيير الموقف

من جهته، يقول المسؤول العسكري في القوات الفرنسية، الجنرال بيار دي ساكي: «منذ 2011 قررنا تزويد سفننا التي تموّن السواحل الإفريقية بحرس خاص»، موضحاً أن «تدابير الدفاع الذاتي لم تعد كافية». فقد تمكن القراصنة من التغلب على هذه التدابير، ولم تعد زيادة السرعة تسهم في حماية السفن من الهجمات. وفي ذلك يقول رئيس الشركة الأمنية «غاليس سيكيورتي»، جيل سكاز، «يرمون الرصاص حتى تتوقف السفينة، ثم يسبقونها وينتظرونها في مكان بعيد حتى يسلم الطاقم أنفسهم». والحل الوحيد حسب سكاز هو مواجهة نيران القراصة بالنار. وتعتمد السفن الفرنسية حالياً على وحدات خاصة محمولة، إلا أن هذه الوحدات ليست متوافرة دائماً، في الوقت الذي تزايد عليها الطلب بشكل لافت. وتقول المندوبة العامة لمنظمة «سفن فرنسا»، آن صوفي آفي: «لقد غيرنا موقفنا حيال الحماية الخاصة 180 درجة». يذكر أن أفي كانت قبل فترة تنتقد شركات الأمن الخاصة بشدة «إنهم مرتزقة يتغذون من الحروب»، مضيفة «إنهم يسهمون في زيادة مستوى العنف بشكل استثنائي، والنتيجة قتلى في كل مكان».

أما نقيب البحارين الفرنسيين، هوبير أرديون، فيبدي قلقه إزاء وجود حرس مسلح على متن السفن التجارية، إلا أنه يقول: «إذا كانت القوات الفرنسية غائبة عن هذه المناطق، فيفضل وجود حراس، شرط أن تكون هذه الشركات مرخصة من طرف الدولة». ولم تسمح الحكومة الفرنسية بشكل رسمي إلى الآن للسفن التي تحمل العلم الفرنسي بالاستعانة بالحرس الخاص. وفي هذا السياق يقول سكاز: «لا نريد أشخاصاً يأتون من أجل المغامرة. رجالنا هم أشخاص متوازنون لديهم عائلات»، موضحاً أن «جميعهم عملوا في القوات الخاصة في مختلف الأسلحة. أما قادة المجموعات فهم دائماً عناصر كوماندوس سابقون في البحرية».

تكاليف باهظة

تكاليف الحماية الخاصة باهظة، لذا تتردد السفن التجارية كثيراً قبل الاستعانة بخدمات الحرس الخاص، فمجموعة مكونة من أربعة حراس تكلف نحو 5000 دولار يومياً، ويتقاضى حراس النخبة نحو 12 ألف دولار شهرياً. ومع ذلك يقول سكاز: «لا يمكن إنجاز مثل هذه المهام بتكلفة منخفضة، لأن فريقه يعمل بمعايير أمنية عالية، ووفقاً لمبادئ البحرية الفرنسية ومبدأ الدفاع عن النفس. وعندما تعرضت السفينة التي كان عليها الحارس الخاص رودي أتانيون، لهجوم من طرف قراصنة صوماليين، قام هذا الأخير بتنفيذ خطة أمنية محكمة. كان المهاجمون يستقلون ثمانية زوارق سريعة يتقدمها قارب رئيس، وعندها طلب الجندي السابق في قوات الكوماندوس، من طاقم السفينة الذهاب إلى غرفة خاصة وسط السفينة من أجل ضمان سلامتهم حال حصل تبادل لإطلاق النار». ويروي أتانيون أن «مسافة الآمان هي 500 متر، وهو مدى صواريخ آر بي جي التي يستخدمها القراصنة». وبدأ الحرس بإطلاق أعيرة نارية تحذيرية أمام الزوارق المهاجمة، إلا أن ذلك انتهى بسقوط قذيفة على ظهر السفينة، «لقد انفجرت على بعد ثمانية أمتار منا، وشعرنا أن شيئاً ينسفنا إلا أن أحداً لم يصب بأذى». رد الحراس على القراصنة، ودارت معركة ضارية استمرت ساعة، وعاد القراصنة أدراجهم خائبين. مع تزايد احتمالات التعرض لمثل هذه الهجمات يتساءل حقوقيون عن الغطاء القانوني عندما يسقط ضحايا في صفوف القراصنة أو شركات الأمن الخاصة. وفي ذلك يقول المحامي غيوم براجو، المتخصص في قانون الملاحة: «إنه أمر معقد، ويتوقف ذلك على الظروف والإطار القانوني، والقوانين السارية بالنسبة للدولة المالكة للسفينة. ولا يتم التسليم بأن ما حدث وقع دفاعاً عن النفس إلا بعد تحقيق في الحادث».

وفي ما يخص المسؤولية القانونية يقول المحامي، إن «البعض يقول إن الدولة هي التي سمحت بوجود حراس خاصين، وآخرون ينحون باللائمة على ملاك السفن، في حين يحمّل البعض شركات الأمن الخاصة المسؤولية إذا سُجلت خسائر في الأرواح». ويوضح براجو: «ننصح زبائننا بالتفكير جيداً، وتقدير القواعد الملزمة في العقد المبرم مع شركات الأمن».

تنافس أوروبي

في المقابل، يرى النائبان في الجمعية العمومية، كريستيان مينار وجون كلود فيوليه، اللذان يعدان تقريراً حول الشركات الأمنية، ذات الطابع العسكري، أن الأمر يتعلق بتصنيف عمل هذه الشركات بشكل رسمي. وتحظى شركات الأمن الفرنسية باهتمام البريطانيين، إذ تفضل بعض شركات النقل البحري الاستعانة بخبرات العسكريين الفرنسيين السابقين، لأنهم يتمتعون بمهارات دفاعية عالية. وتأتي شركتا «تريسكال» و«جي4 اس»، البريطانيتان على رأس الشركات المهتمة بتوظيف حراس فرنسيين. وقد أعطى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، دفعا حقيقيا لهذه الشركات الأمنية بالسماح للسفن التي تحمل العلم البريطاني بالاستعانة بالحرس الخاص.

وفي رد على سؤال حول احتمال إعطاء عناصر شركات الأمن الخاصة حق استخدام السلاح لقتل القراصنة، قال كاميرون «علينا أن نتخذ خيارات عدة، وبصراحة فإن المدى الذي وصلت إليه عمليات الاختطاف وأموال الفدية المطلوبة لتحريرها في القرن الإفريقي تمثل وصمة عار على عالمنا». وأضاف «يحتاج العالم للعمل معاً بقوة أكثر لمكافحة القرصنة». ويستطرد النائبان: «لا يمكننا أن نترك البريطانيين يهيمنون على هذه السوق». ويتوقع أن تزداد صناعة الأمن رواجاً في ظل التهديدات الكبيرة التي تشكلها القرصنة، وفي ظل عجز الحكومات عن وضع حد لهذه الظاهرة. وتعد شركات الأمن الخاصة آخر المنضمين إلى قائمة المستفيدين التي تتضمن عدداً من الأطراف. فوفقاً لما ذكرته صحف أميركية، تشارك شركة يقع مقرها في جنوب أفريقيا (ساركين)، ويقف وراءها إريك برينس مؤسس شركة «بلاك ووتر»، في القتال ضد القرصنة، مقابل ملايين الدولارات.

تويتر