منقذون في نظر بعض الأهالي.. وملاذ أخير للدفاع عن النفس وطرد الغزاة
«جيش» من الأطفال في الكونغو لمحاربـــة المتمردين
معظم قادة مقاتلي «جيش تحرير الكونغو» من الشباب وقد لا تتعدى أعمارهم الـ20 عاماً. رويترز
انخرط مئات الآلاف من الأطفال الذين لم يبلغوا سن ال18 في شتى أنحاء العالم في النـزاعات المسلحة، في صفوف القوات النظامية والقوات شبه العسكرية والميليشيات المدنية، ومجموعة واسعة من الجماعات المسلحة الأخرى. وغالباً ما يتم اختطافهم من المدارس أو الشوارع أو المنازل. ويلتحق آخرون بهذه القوات «طوعاً» لأنهم لا يجدون بدائل في العادة. ويشارك الأولاد والبنات في القتال، وكثيراً ما يتعرضون للقتل أو الإصابة بجروح. بينما يُستخدم آخرون كجواسيس أو مراسلين أو حمالين أو خدم أو لزرع الألغام أو إزالتها. وتتعرض الفتيات بشكل خاص لخطر الاغتصاب أو غيره من إساءة المعاملة الجنسية.
وعلى الحدود بين الكونغو ورواندا يرابط تنظيم مدجج بالسلاح يطلق على نفسه «القوات الديمقراطية لتحرير رواندا»، ولا يوجد رقم محدد لعدد أفراده، ومنذ مجيئهم إلى المنطقة عاثوا في الأرض فسادا واستخدموا عنفاً غير مسبوق، شمل القتل والتعذيب والاغتصاب ضد الأهالي، ولم تسلم عائلة واحدة من بطش المتمردين، ولم تفلح جهود جيش الكونغو وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في القضاء على التنظيم أو طرده من المنطقة التي يسيطر عليها.
ولمواجهة هذا الخطر أنشأ الأهالي مجموعة مسلحة للدفاع الذاتي يطلق عليه اسم «جيش تحرير الكونغو»، وتضم هذه الكتيبة رجالاً وأطفالاً هدفهم طرد قوات المتمردين الذين جاؤوا من رواندا. ويوجد في الكونغو أكبر بعثة لحفظ السلام في العالم، يراوح تعدادها 22 ألف عنصر، وتأسست البعثة في 1999، في محاولة لوقف العنف المتصاعد بين رواند والكونغو . يذكر أن الصراعات الدموية في البلدين حصدت على مدى عقدين ونصف أكثر من خمسة ملايين شخص. ويقول أحد شيوخ القرى الحدودية ويدعى كابيتي، «نحن مسرورون بمجيء قوات الأمم المتحدة، الآن يمكن انقاذ الموقف». ولسوء الحظ لم تفلح الجهود الأممية في ردع المتمردين الروانديين، ولم يبق أمام سكان المنطقة خيارات كثيرة. ومع عجز القوات الحكومية، أيضاً، بدأ السكان يثورون شيئا فشيئا، حتى إن أحد المتمردين حاول تهديد متسوقين في قرية صغيرة فانهال عليه أحدهم بفأس فأرداه قتيلاً. أما النساء فأعلن «ثورة ناعمة» برفضهن الذهاب إلى الحقول وجني الثمار خشية أن يستولي عليها «العدو». في حين أخذ طلاب المدارس على عاتقهم مهمة حماية الأحياء التي يسكنون فيها، ويستخدم بعضهم قضباناً فولاذية، تبدو كأنها أسلحة، من أجل خداع المتمردين.
تطوع جنرال سابق في الجيش الكونغولي، يدعى بويرا، لتنظيم صفوف الأهالي ليصبحوا قوة ضاربة، يمكنها أن تواجه المتمردين. ويقول العسكري الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، «لقد فشلوا، والآن جاء دور السكان لتحمل المسؤولية». ويوافق الجميع على ضرورة الدفاع عن النفس وطرد الغزاة، وفي ذلك تقول بايني رومبو، وهي ممرضة ومدرسة في معهد كيموا، «انضم الطلبة وأطفالنا وإخواننا، بمن في ذلك الكبير والصغير وحتى النساء للقتال من أجل بلدنا».
ثمن باهظ
|
حرمان من التعليم تشير بيانات الأمم المتحدة إلى تزايد هجران الأطفال في جمهورية الكونغو الديمقراطية للمدارس بسبب استمرار الصراع والفقر وضعف نظام الحكم هناك. ويلعب الفقر دوراً رئيساً في هذه الظاهرة. وكشفت تقارير أصدرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أن عدداً كبيراً من الأطفال في جمهورية الكونغو الديمقراطية لم يذهبوا إلى المدارس، بمن في ذلك 1.3 مليون طفل في إقليم «كاتانجا» الغني بالموارد المعدنية. وحذرت المنظمة الأممية من أن مشكلة حرمان الأطفال من التعليم تزداد سوءاً في الاقاليم التي تتعرض لصراعات متكررة في الكونغو الديمقراطية. وتشير التقديرات إلى أن هناك 7.6 ملايين طفل خارج المدارس، يوجد 34٪ منهم في المناطق المتضررة من النزاعات . وتؤدي المخاوف الأمنية وعدم القدرة على الوصول إلى المجتمعات المحلية إلى جعل تقديم المساعدات الإنسانية صعباً للغاية.
|
وبدأت ميليشيا «جيش تحرير الكونغو» بشن أولى عملياتها نهاية 2011، ولم تكن حينها مجهزة إلا ببعض البنادق، ويقول بويرا، «لدينا قوة إنها قوة أجدادنا، انها قوة خارقة للعادة، ولن يستطيع المتمردون أن يقاومونا». وبالفعل حققت الميليشيا انتصارات ملموسة، ولم يعد بإمكان عناصر المتمردين الروانديين، في الآونة الأخيرة، الظهور في القرى والمدن الحدودية. وبفضل الجهود الحثيثة التي قام بها الأهالي أصبحت الميليشيا تعد أكثر من 800 مقاتل كلهم مسلحون تسليحاً جيداً. وينظر الأهالي إلى الأطفال المنخرطين في الجيش على أنهم «منقذين» ويدعمونهم بكل ما يستطيعون. وعلى الرغم من المعنويات العالية للأهالي وجنود الميليشيا، إلا أن الثمن كان باهظا. ويمكن رؤية بقايا المنازل المحروقة من قبل المتمردين، ما دفع السكان للفرار من المنطقة، ولايزال خطر المتمردين قائماً، إذ إنهم يختبئون في الغابات المجاورة، والحذر مطلوب لأن الهجوم المباغت قد يحدث في أي وقت.
في الغابة، لايزال نمو النباتات المفرط يسيطر على المسارات، وصوت الصراصير والطيور يصم الآذان. وفي السنوات الماضية، كان من الممكن التنقل على مسافة 12 ميلاً بسهولة، وهذا هو الطريق الوحيد الذي يربط القرى، ويؤدي إلى الحقول الزراعية، وفي نهاية المطاف إلى الأسواق. وكان أطفال المدارس ونساء القرى على حد سواء يزاحمون المتمردين على هذه المسارات في محاولة محفوفة بالمخاطر من أجل البقاء. ومازال المتمردون يشكلون خطرا كبيرا واحتمال شنهم هجمات وارد في أي وقت، وأحياناً يضطر الأهالي للذهاب إلى المناطق القريبة من معاقلهم، بحثاً عن الطعام. وعندما اندلع القتال بين الميليشيا والمتمردين فر معظم الأهالي إلى مدينة غوما ومايسيسي، فيما بقي آخرون عالقين في مخيمات تديرها منظمة الأمم المتحدة في مدينة كيموا، ويعيش هؤلاء في ظروف صعبة للغاية. فيما انتشرت أعداد من المدنيين في الأحراش والغابات.
مخيم بائس
وللوصول إلى مخيم أقامه الأهالي في ضواحي قرية موكوبيرفا، يتعين المرور من خلال أطلال القرية التي تعرضت للتدمير الكامل على يد المتمردين الروانديين، وسرعان ما يظهر مقاتلو «جيش تحرير الكونغو»، ومعظم قادتهم من الشباب، وقد لا تتعدى أعمارهم الـ20 عاماً. ويحمل الجنود، وهم أطفال بين الـ16 والـ9، بنادق كلاشنكوف، وقد تعودوا على حملها واستخدامها بشكل جيد. ومن بين حراس المخيم طفل قد لا يتجاوز الـ14. وخلال التقدم إلى المخيم، يضيق الدرب شيئا فشيئا حتى يصبح من الصعب المشي دون انتباه وتركيز كبيرين. ويعيش في الغابة نساء وأطفال، يتحركن بحذر، دون الحاجة لأحذية أو ألبسة مناسبة تقيهم تقلبات الجو، إلا أن إجراءات الأمن تبدو مشددة، فالجنود الصغار يصطحبون النساء وأطفالهن إلى الحقول حيث يبحثن عن الطعام، ويظل الجنود معهن حتى ينتهين من مهمتهن، ثم يرافقونهن في طريق العودة، ولا يتركون بالتالي مجالاً للمتمردين لانتهاك حرمة نسائهن. ويقع المخيم في عمق الغابة على بعد نحو ساعة ونصف من الممر الرئيس، ويعيش فيه 250 عائلة (1500 شخص) جميعهم فروا من قرية موكوبيرفا، من بطش المتمردين الذين دمروا ونهبوا كل ما اعترض طريقهم. والوضع في المخيم فظيع، ويتجلى ذلك في الحالة الصحية المزرية للأطفال.
وقد شيد المخيم من الأخشاب التي التقطها النازحون من الغابة، وبنيت الأكواخ متباعدة عن بعضها بعضاً، وقليل منها مغطى بالبلاستيك. ووصل الناجون من الموت إلى المخيم في مارس من العام الماضي، وتعين عليهم عمل كل شيء للبقاء على قيد الحياة، كما يتعين عليهم الذهاب خلسة إلى الحقول المجاورة لجلب ما تيسر من الطعام. ولا يوجد داخل الأكواخ الهشة أثاث أو أدوات، فسكان المخيم يفتقرون لمقومات الحياة، ولا يملكون أسرة أو ألبسة أو أي شيء.
ويقول كابيتي وهو من سكان المخيم، «نفترش أوراق شجر الموز ليتمكن أطفالنا من النوم ليلاً، ولكن الجو بارد والبعوض يلسعهم فلا يستطيعون النوم». ويعيش كابيتي مع أطفاله الخمسة منذ أكثر من عام، ويضيف «عندما يبكي الأطفال نشعر بالأسى لأن لا شيء بوسعنا أن نفعله». ويصف شيخ كبير الوضع الكارثي قائلاً «لقد أجبرنا على أن نعيش مثل الحيوانات». وطالما بقي المتمردون الأجانب في الجوار فإن معاناة الأهالي ستستمر. وعلى الرغم من قبول الأهالي للميليشيا المحلية ومباركتهم لها، إلا أنه لا أحد كان يريد تشكيلها، لولا أن الظروف أجبرتهم على ذلك وباتت الملاذ الأخير للدفاع عن النفس.
ويعيش 1500 شخص في مخيم وسط الأدغال في شرق الكونغو، يفتقر لأيسط مقومات الحياة، كما أن الأمراض تتفشى بين النازحين بشكل مرعب، حتى إن أحدهم قال إنهم أجبروا هو ومن معه على العيش مثل الحيوانات.
ذكريات مؤلمة
ولاتزال ذكريات «ماي ماي» عالقة في أذهان السكان، فقد كانت ميليشيا محلية تشكلت لأغراض الدفاع عن القرى والأرياف، إلا أن ولاءاتها تغيرت مع الوقت وأصبحت نشاطاتها مريبة وأهدافها غير شريفة، وبات عناصر «ماي ماي» سيئي السمعة.
ويقول روجر، وهو مدرس في المرحلة الابتدائية، إن ابنه جاك، (15 عاماً)، ترك مقاعد الدراسة وحمل السلاح وانضم إلى جيش تحرير الكونغو دون موافقة والده، «أنا ووالدته غاضبان جداً لأنه ترك الدراسة، لا يوجد مستقبل، لم حمل السلاح؟ لم يتعلم أشياء تنفعه». أما أزاي، والد دانيال، (15 عاماً)، فقد عارض انضمام ابنه للميليشيا، وقال «لا يهم كيف تبدأ الأمور، فبمجرد أن يقع السلاح في أيديهم سيصبحون قطاع طرق». أما بايني رومبو، فيرى أن «الطفل إذا حمل السلاح سيصبح جندياً بنسبة 50٪، والنسبة المتبقية لوالديه، وبإمكانه أن يصوب سلاحه حتى في اتجاه والده، ويأمره بالجلوس وعدم التحدث». ويشعر الأهالي بأن الجميع تخلى عنهم وأنهم مهمشون، ومنذ قدوم المتمردين الروانديين إلى المنطقة طالب شيوخ القرى من الحكومة توفير الأمن لهم، لكن هذه الأخيرة لم تفعل ما يجب فعله، وتركتهم يواجهون مصيرهم. كما أخلفت الحكومة وعوداً قطعتها قبل سنوات برصف الطرق وتأمين الاتصالات الهاتفية، الأمر الذي أعطى المتمردين الصلاحيات كافة لفعل ما يريدون. ويقول بايني «كأننا لا نساوي شيئاً عند الحكومة». وعلى الرغم من كل شيء، يظل الأهالي متفائلين بالمستقبل، ويقول أحدهم، «الحياة صعبة للغاية، لكن لا يوجد ورود من دون شوك».
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
