نظام الأسد يتهاوى.. ورحيله بات عملاً إنسانياً

الوقت لم يعد يسمح بدبلوماسيـة أنصاف الحلول في سورية

تظاهرة في كفرنبل بريف إدلب تطالب روسيا بالكف عن دعم الأسد في مجلس الأمن. رويترز

ركزت الجهات الدبلوماسية والإعلامية المهتمة بالشأن السوري، في الأيام القليلة الماضية، اهتمامها على الاعتراضات التي تثيرها روسيا بشأن أكثر قرارات مجلس الأمن تأثيراً ضد سورية. بيد أن تلك الاعتراضات المزعجة مثلها مثل سياسة موسكو لا تعكس سوى جانب واحد فقط من اللغز المحير لهذه الأزمة.

بعد 10 أشهر من انفجار النسخة السورية من الربيع العربي، بدأ نظام الرئيس السوري بشار الأسد، يتهاوى وئيداً نحو انهيار شامل، حيث تسببت تطورات الأيام القليلة الماضية، في فشل جامعة الدول العربية في التوسط لإنهاء الأزمة، وفقدان النظام سيطرته على أجزاء من البلاد، وتخلى الكثير من الجنود عن وحداتهم في الجيش، وأدى الجدال الحاد في الأمم المتحدة الى تشجيع هذا الاتجاه، لكنه في الوقت نفسه لم يؤدّ الى أي تغيير دراماتيكي في الوضع هناك. وفي الوقت الذي يبدو فيه ان نظام الأسد محكوماً عليه لا محالة بالزوال، فيبغي على القوى الغربية، وتركيا والجامعة العربية ان تفعل اكثر من ذلك، من اجل تسريع هذا المصير الحتمي.

ويتصارع النظام والمحتجون في الوقت الراهن للوصول الى توازن ما، ويرى معظم أفراد الطائفة السنية ان النظام السوري عبارة عن نظام طائفي تهيمن عليه الطائفة العلوية، ومدعوم من الشيعة الإيرانيين. ويبدو أن آلاف السوريين على استعداد للمغامرة بأرواحهم ودمائهم من اجل زوال النظام. بيد أن الطائفية ايضا هي التي تمد النظام بقوته واسباب بقائه، الذي هو عبارة عن مجموعة متماسكة تهيمن على الجيش وجهاز الأمن والحكومة. كما ان الطبقات الوسطى في دمشق وحلب، ومجموعات الأقليات مثل المسيحيين والدروز، لم تعارض النظام بعد. وجميع من له مصلحة في الوضع الراهن يخشى من ان تأتي حكومة اسلامية او ان تصبح البلاد من غير حكومة، وينظرون ناحية الغرب الى لبنان، والى الشرق نحو العراق ويفضلون ان يظل الوضع الراهن على ما هو عليه، وفي الوقت نفسه نجد المعارضة السورية منقسمة ولم تتخذ بعد شكلاً معيناً.

وعلى أساس هذا المفهوم فإن الوضع المحلي في سورية لا يشبه مثيله في مصر او تونس، ولا حتى هشاشته الخارجية تذكرني بالوضع الذي ساد ليبيا من قبل.

وتنظر أميركا والأوربيون الى هذا النظام على انه أضحى فاقداً للشرعية، الا ان المعارضة الروسية والصينية تحولان دون التدخل الخارجي.

ونجد ان اسرائيل غير مبالية، على الرغم من انها لم تعد تستحسن الأسد «كشيطان نعرفه» ـ كما يقول المثل ـ ومهتمة حالياً بمعرفة التدابير التي سيلجأ اليها النظام السوري ملاذاً أخيراً، أو بالأحرى الى أي جهة سيطلق طلقته الأخيرة. وأعتقد ان التدخل العسكري الغربي، حتى لو أقره مجلس الأمن، سيكون مكلفاً جداً وسيؤدي الى فوضى عارمة.

ومن الصعب، خلافاً لليبيا، تقدير اهمية الأزمة في سورية على المنطقة، فإيران تنظر الى سورية على انها اهم حلفائها في المنطقة، حيث ان الأراضي السورية تعتبر بمثابة المعبر للشيعة في لبنان وبقية منطقة البحر الأبيض المتوسط. وأضحى العراق من قبل مسرحاً للصراع السني ـ الشيعي. واصبحت لبنان دولة فاشلة يبدو فيها نفوذ «حزب الله» اكثر قوة من نفوذ الحكومة نفسها، فإذا ظلت سورية مسرحاً لأي معركة مقبلة فإن جزءاً كبيراً من المنطقة، يمتد من العراق الى البحر الابيض المتوسط، سيلتهب بالنيران.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل نستطيع ان ننهي هذا الصراع لمصلحة انتقال سلس للسلطة السياسية في سورية؟ هناك ثلاثة متغيرات ذات علاقة تبادلية: الجيش، وبرجوازية دمشق وحلب، والمجتمع الدولي، حيث إن أي تغيير في موقف أي منهما قد يؤثر في العنصريين الآخرين ويرجح ميزان القوة لغير مصلحة الأسد.

دعنا نفترض ان الطبقة الوسطى في دمشق او حلب انضمت للصراع، فإن ذلك من شأنه ان يجعل النظام يعمد الى استخدام وحدات كبيرة من الجيش النظامي بدلاً من القوات الخاصة او العصابات (الشبيحة)، وسيرتفع نتيجة لذلك عدد الضحايا بشكل دراماتيكي، وستزداد اعداد الجنود الذين يهجرون وحداتهم، وسيشتد الضغط الشعبي في مطالبة الجامعة العربية والغرب بممارسة مزيد من الضغوط على النظام.

وهذا بالطبع سيقود الى انهيار النظام، ولكن قد يستغرق ذلك وقتاً طويلاً في الوقت الذي يصبح فيه استمرار الوضع الراهن غير مقبول، كما ان التدخل العسكري غير متوقع من الأطراف التي يفترض ان تنفذه. وبدلاً عن ذلك فإن الاطراف الثلاثة الرئيسة التي تستطيع تصعيد الضغوط على الأسد تبنت خياراً فاتراً (خيار روسيا يعد مؤثراً لأنها تعرف بدقة ما تريده). ولهذا ينبغي ان تكثف القوى الغربية وتركيا والجامعة العربية الضغوط الاقتصادية والعقوبات الأخرى، والاعتراف بالمعارضة ممثلاً شرعياً للشعب السوري، وتعليق عضوية سورية في منظمة الأمم المتحدة للتعليم والعلوم والثقافة (يونيسكو) ومنظمات الأمم المتحدة الأخرى.

والأهم من ذلك على هذه الجهات المعنية بالصراع في سورية، التغلب على الغموض الذي يسود معظم تحركاتها، وارسال رسالة واضحة الى موسكو ودمشق بأن الوقت قد حان لإنهاء الصراع حتى ولو تطلب الأمر العمل من دون الالتفات الى فرض عقوبات من مجلس الأمن.

كما ينبغي ان تتغلب المعارضة السورية على انقساماتها وتعمل على تشكيل جبهة متماسكة ذات أجندة واضحة تستطيع استقطاب المزيد من الدعم الداخلي والدولي.

جميع هذه الخطوات يمكنها اضعاف قدرة الأسد على الحفاظ على أي نوع من الاستقرار، وستزيد من السخط الشعبي على النظام، وستغير الوضع في دمشق وحلب، وستساعد على تسريع انهيار الأسد. ونستطيع ان نقول ان سورية لم تعد قضية فاشلة، فالتعجيل برحيل نظام عنيف محكوم عليه بالزوال، هو عمل ممكن وإنساني.

إيتامار رابينوفيتش - كبير المفاوضين الإسرائيليين مع سورية

تويتر