التفوق التقني فشل في حماية إسرائيل من الهجمات
القرصنة الإلكترونية.. نُذر حرب تــهدّد الشرق الأوسط
لا تمتلك إسرائيل ترسانة عسكرية هي الأقوى من نوعها في الشرق الأوسط، فحسب، بل تعتبر من بين البلدان الأقوى تقنياً على مستوى العالم. وتحاول تل أبيب التحكم في صناعة التكنولوجيا المتطورة والاستفادة من الأبحاث المتعلقة بأمن المعلومات، واحتكار هذا المجال بكل الوسائل، إلا أن الهجمات الأخيرة على مواقع حساسة في إسرائيل من قبل «قرصان سعودي» أثار تساؤلات الخبراء والمراقبين والعامة. ويعتقد أن الدولة العبرية هي المستفيد من الهجمات الالكترونية المحدودة، لتظهر أمام العالم أنها مستهدفة من طرف جيرانها العرب، وأنها بحاجة لمزيد من الدعم الغربي. ومن جهة أخرى، يرى آخرون أن التحكم في هذه التقنية ليس حكراً على جهة معينة، فقد تعرضت مؤسسات كبرى وهيئات حكومية في بلدان متقدمة لهجمات من هذا النوع من قبل أشخاص محترفين أو هواة من مختلف بقاع العالم. وعلى الرغم من أن الأهداف والأسباب التي دفعت المهاجم الغامض للقيام بهذه القرصنة على البورصة وشركة الطيران الإسرائيليتين، لم تتضح بعد، إلا أنها تشكل بوادر «حرب» الكترونية قد تكون لها عواقب اقتصادية واجتماعية وخيمة، في منطقة أنهكتها الصراعات والنزاعات.
| لمشاهدة أشهر الهجمات الإلكترونية يرجى الضغط على هذا الرابط |
لم يكن أحد يتخيل أن تنهال الصواريخ العراقية على تل أبيب خلال حرب الخليج، كما لم يكن أحد يتوقع أن يتمكن شاب عربي في مقتبل العمر من الدخول إلى قاعدة البيانات في بورصة تل أبيب والتسلل إلى الحاسوب الرئيس لشركة «العال» الإسرائيلية، والعبث بالمعلومات والبيانات في كلا الموقعين، ثم تعطيل عملهما بعض الوقت، فقد أخفقت الدفاعات الجوية الإسرائيلية في صد الصواريخ العراقية، قبل أكثر من 20 عاماً، ومنعها من بلوغ أهدافها، كما فشلت الاحتياطات الأمنية و«الجدران النارية» التي تكلف مبالغ ضخمة ويعكف أمهر الباحثين على تطويرها وتحديثها، من التصدي لهجوم قرصان انترنت سعودي قبل أسبوعين. وتتشابه الحادثتين في أن الأمن الإسرائيلي قد تم العبث به وتهديده بشكل جدي، حتى إن كان الضرر في الحالتين على نطاق محدود. ووصفت الإذاعة الإسرائيلية الهجمات التي قام بها شاب عرف نفسه باسم «أو إكس عمر»، بأنها «حرب الكترونية حقيقية». قد يكون هذا الوصف مبالغاً فيه ويقصد به استفزاز المسؤولين واستنفار القائمين على الحماية الإلكترونية، إلا أن ما حدث يعد سابقة خطرة في تاريخ الأمن القومي الإسرائيلي. فنشر بيانات 20 ألف بطاقة ائتمانية إسرائيلية أو أكثر أمر مفزع بالنسبة للمتعاملين الإسرائيليين الذين سيشعرون بفقدان الأمان في المنظومة المصرفية، بحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، التي أكدت أن «هذه الهجمات سببت الضيق للإسرائيليين».
أمر متوقع
يبرر مسؤولون إسرائيليون، ومنهم وزراء في الحكومة، الهجمات الأخيرة، ويرون أنه من الطبيعي أن تتعرض المنشآت المدنية والعسكرية في إسرائيل للقرصنة، لأنها تستخدم «أكثر التقنيات الحديثة تقدما»، والمنظومات في الدولة العبرية أكثر عرضة للاختراق من قبل الأطراف المعادية، للسبب نفسه. وفي هذا السياق لا يستبعد الخبير الإسرائيلي في الحماية الالكترونية صموئيل منتسور، أن تصاب مرافق الدولة بالشلل التام في حال شنت أطراف معادية الحرب ضدها. ويذكر الخبير أن مثل هذه الهجمات قد تشل حركة المطارات وتعطل الانتاج في المصانع، إلا أنه لم يحدد المدة التي تستغرقها هذه الأعطال والأضرار. كما حذر منتسور من أن القراصنة لا يكتفون بمحاولة إلحاق الضرر بالاقتصاد الإسرائيلي، بل يمكنهم تزويد صناع القرار في تل أبيب بمعلومات مضللة لها نتائج كارثية. ويقول خبراء في مجال المعلوماتية ان توظيف التقنيات المتقدمة يسهم في تمكين العدو من اختراق المنظومات العسكرية المشغلة لآلة الحرب الإسرائيلية وشلها، ويكون بذلك استخدام سلاح التقنية محفوفاً بالمخاطر.
مجموعة «الكابوس»
من جهة أخرى، يعتقد مدير شركة الحماية الالكترونية «رادوير» الإسرائيلية، رون مايرن، أن الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو، فالهجمات على الرغم من أن «عمر السعودي» قد تبناها، إلا أنها «صدرت من حواسيب أوروبية وأخرى أميركية وحتى إسرائيلية».
ويتحدث مايرن عن طرق «متقدمة جدا» استخدمت في هذه الهجمات. ومن خلال تتبع الأرقام التسلسلية للحواسيب المهاجمة تبين أن بعضها في فرنسا وبلجيكا وهولندا. يذكر أن القراصنة يحولون مسارات هجماتهم باستخدام حواسيب أجنبية للتمويه والتضليل. ولم تتمكن شركة الحماية من تحديد هجمة واحدة قادمة من حاسوب يوجد في السعودية، حسب ما ذكره موقع «ديلي بيست».
ويضيف مايرن أن طرق المجموعة المهاجمة التي أطلقت على نفسها اسم «نايتمير» التي تعني «الكابوس» تشبه الطرق التي استخدمتها مجموعة «أنانيموس» (المجهولة)، والمجموعة المعروفة باسم «لولزسك» التي اخترقت حواسيب وكالة الاستخبارات الأميركية (السي آي إيه)، ومواقع حكومية أميركية أخرى. وخلص الخبير إلى أن الهجمات الماضية «هي أول قرصنة على نطاق واسع، استلهمت الصراع العربي الإسرائيلي»، ويقول «رأينا في السابق هجمات منسقة ضد كوريا الجنوبية وإستونيا ودول أخرى، لكننا لم نر أبدا هذا في إسرائيل».
قوة هجومية
الفضاء الالكتروني فسيح للغاية ولا يمكن لأحد أن يتحكم فيه بشكل كامل، ولا تستطيع وسائل الرصد والتجسس الحديثة صد بعض الهجمات التي يقوم بها محترفون في هذا المجال. وتعتبر إسرائيل معقلا لصناعة التكنولوجيا المتطورة، وتقوم الشركات العاملة فيها بتطوير أحدث البرامج بما في ذلك منظومات الملاحة في الطائرات والسفن، وتمتلك شفرات الكثير من البرامج المشغلة للعتاد المدني والعسكري المتطور. وفضلاً عن ذلك تستقطب إسرائيل أهم شركات التقنية، التي تستثمر المليارات في هذا المجال عندها، من بينها «انتل» و«مايكروسوفت» و«أبل» وغيرها. وعلى الرغم من ذلك تبقى إسرائيل ضعيفة دفاعياً، إذ يقول المسؤول التنفيذي في كلية إدارة الحرب الالكترونية ورئيس «المنتدى من أجل أمن المعلومات»، عازي وايزمان، في حديث مع صحيفة «نيويورك تايمز»، إن إسرائيل تعتبر قوة في ما يخص الهجوم، «أما بالنسبة للدفاع فهي كيان صغير جدا ومهمش». أما الخبير العسكري في أمن المعلومات، البروفيسور إسحاق بن إسرائيل، الذي عمل مستشاراً للحكومة، فيقول ان الدولة العبرية تعمل على «حماية منظوماتها الحيوية في المؤسسة الأمنية والشق المدني، بما ذلك قطاع الكهرباء والماء والقطارات، لأكثر من 10 سنوات».
هوّة كبيرة
قد يصبح الفضاء الالكتروني ساحة للمعارك مستقبلاً بين الدول، لكن الأمر يقتصر حاليا على أفراد أو مجموعات صغيرة تعمل بشكل منفرد أو تحت سلطة رسمية، تريد تحقيق أهداف آنية. ولا يمكن التوقع بتحول القرصنة إلى حرب حقيقية في الوقت الراهن نظراً لتشابك المصالح بين بلدان العالم. وفي هذه الحرب الافتراضية، التي تنجم عنها خسائر مادية فادحة، لا ينتصر فيها إلا الأقوى والأذكى. وفي الوقت الذي يتحمس هواة ومحترفون في العالم العربي لخوض حرب ضد إسرائيل، تبدو الهوة كبيرة بين الطرفين، فمن جهة تمتلك إسرائيل أحدث التقنيات وتعتبر أحد مطوري البرمجيات عالمياً، بينما نجد المنطقة العربية تعتمد على استيراد معظم المنتجات الالكترونية بما في ذلك برامج الحماية، التي قد تكون طورت من قبل خبراء إسرائيليين بشكل مباشر أو غير مباشر. وبالتالي فمن غير المنطقي أن يدخل طرف في معركة يعلم مسبقاً أنه هو الخاسر فيها، فضلاً عن الخسائر الجسيمة التي قد تلحق باقتصاديات البلدان العربية النامية جراء هجمات مضادة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news