‏‏

‏5 دقائق‏

‏لم أكد أصدق ما حدث لذلك الفتى البريء «علي» الذي اغتالته أيدٍ طائشة، نشأت ضعيفة الألباب، فاقدة الآداب، ولعلها بعيدة عن الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، فسهُل عليها أن تضحي بصديق حميم، وزميل كريم، لم يَدُر في خَلَده وإن اختلف مع أترابه أن يوسعوه ضرباً، فضلاً عن أن يبقروا له بطناً. حدث أغرب من الغريب، وأعجب من العجيب، أن يتمالأ عليه أصحابه وزملاؤه ليقتلوه من غير جريرة، وأن يقصفوا عمره في أول الشبيبة، وهو خِدنهم الحبيب، وجارهم القريب، ولا أريد أن أتخرص أسباب ذلك، لكني أبتدر الجواب، وأقطع عنها الباب، فأقول: إنه مهما يقال من تعليل، فإنه قول عليل، لا يبرر ذلك العمل الخطير الذي تتفطر منه السماوات والأرض «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم» هكذا يقول الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، الدنيا بما فيها من خير ليست بأكرم على الله تعالى من النفس المؤمنة، فلْيعلم كل إنسان مهما كان وضعه وحاله واجتهاده أن النفس البشرية ليست بهذا الرخص الذي تذهبه أيدي السفهاء من غير روية، فيحسب ألف حساب، قبل أن يفكر ذلك التفكير الأخرق، للفعل الأحمق، فالاختلاف على أي شيء لا يكون ذريعة لمثل هذه الجرأة التي أرقت الضمائر، وألهبت مشاعر الأكابر والأصاغر، لاسيما في هذا البلد الذي آمنه الله تعالى من خوف، وهو مفعم بالود والإخاء، مع القريب والبعيد على حد سواء. ومهما كانت العبارة قاسية فإنها لن تعبر عن ذلك الحدث الجلل في حق أهل تلك النفس البريئة والمجتمع المتراحم المتكاتف، إلا أن لفت النظر، لمثل هذا الفعل كي لا يتكرر، هو المتعين على الجميع قولاً وفعلاً، فهل يا ترى أن أولئك الفتية كانوا قد تربوا على الفضيلة؟ وهل كانوا بعيدين عن الرذيلة؟ وهل عملت فيهم التربية المدرسية عملها السلوكي المنشود؟ وهل المناهج التعليمية تُعنى بتزكية الأخلاق وتعظيم الحرمات؟ لأنها جوهر الدين، وغاية بعثة سيد المرسلين، وهل قام الآباء بواجبهم نحوهم تربية ومراقبة؟ وهل قام المجتمع بملاحظتهم مع وأين ومتى يجلسون...؟ أسئلة تترى تحتاج إلى إجابات مثلى، يتعين أن تكون ماثلة في الواقع، لا في الأمنيات اللوامع، فكل هذه الأمور لها أثرها البالغ في النشء الذي يرجى له أن يكون عماد الأمة والوطن، فإن الإنسان مفطور على الخير، وهو مدني بطبعه يؤثر ويتأثر بمن حوله سلباً وإيجاباً، حتى يغدو بتأثره ذاك طبعاً ثانياً فيه، فإن لم يكن لهذه الأسئلة واقع إيجابي سهل عليه أن يأتي أنكر المنكرات من غير مبالاة ولا تفكير بالمآلات، ولعل ما يرى من العنف في المسلسلات يعين على فعل هذه البوائق السيئات، فإنها تورث عدم الاكتراث بالنتائج، وتجعل الشخص عند حدوث أدنى سبب كالثور الهائج، وهذه الحادثة التي قضّت المضاجع ليست سوى بادرة شر، يمكن أن يتكرر، ويخشى أن تغدو ثقافة العصر لأبناء المستقبل. لقد خسر المجتمع هذه الثلة، الضحية والشلة البغية، فلا ينبغي أن نظل نبكي أسى، بل نبحث عن السبيل السوية لإعادة الطمأنينة لأنفسنا وأبنائنا وبناتنا؟ إنها التربية على الفضائل في المنهج والمدرسة والمسجد والبيت والسوق والمجتمع فهي الكفيل لذلك، وعلى كل أن يقوم بواجبه من غير تواكل ولا تكاسل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

❊ كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي‏

تويتر