أبواب
أيديولوجية العقرب
في مقدمة الكتاب الصادر عام ،2007 عن دار ثقافات العالم في برلين، تحاول المديرة الفنية هورتينسا فيلكرز أن تقترب من موضوع الكتاب وعنوانه: «صور العدو: أيديولوجيات واستراتيجيات الثقافات البصرية»، عبر حكاية «الضفدع والعقرب» التي تنسب إلى الشاعر اليوناني ايسوب، وظهرت في الفارسية عند الشاعر المتصوف جلال الدين الرومي، وأشار إليها دانتي في ملحمته الشعرية «الكوميديا الإلهية»، وجاء ذكرها، حديثاً، بشكل مؤثر في «لعبة النحيب-1992» للمخرج الإنجليزي نايل جوردان، وهو فيلم موضوعه عن الإرهاب، والحكاية نفسها يرويها محكوم بالإعدام، ينتمي إلى جيش أيرلندا السرّي، والوحيد الذي يسمع حكايته هو حارس سجنه!
يروى أن عقرباً أراد عبور النهر، والتقى ضفدعاً يجلس على الشاطئ، وطلب منه أن يحمله على ظهره ويعبر به النهر إلى الضفة الأخرى، غير أن الضفدع قال له: إن «فعلت ذلك، فأنت تلدغني وأنا أموت! لكنه أجابه: كيف؟ إن فعلت ذلك أغرق أنا أيضاً وأموت معك. طمأن جوابه الضفدع، فحمله على ظهره وشرع في السباحة، وما كاد يصل به إلى وسط النهر، حتى لدغه العقرب. صرخ الضفدع الملدوغ: ويلك، ماذا فعلت؟ ستغرق وتموت معي! فأجابه العقرب: هذه طبيعتي ولا أستطيع غيرها!
يحتوي الكتاب على دراسات عديدة لخمسة عشر كاتباً وكاتبة من حقول ثقافية مختلفة: ألمان وعرب وأميركان وإنجليز، تناولت دراساتهم صورة الإسلام التي يصنعها الإعلام الغربي وصورة الحروب الجديدة، التي يصنعها الإعلام المعولم.
بعد الأحداث التي تلت 11 سبتمبر، لم يعد الحاضر كما كان في الماضي، فقد تم إعلان حرب عالمية على الإرهاب، بحجة الدفاع عن النفس، وأصبحنا شهود عيان على إعلان طغيان «صورة الحرب» في وسائل الإعلام الجماهيرية المنتشرة. ودخل عالمنا مرحلة، حل فيها الإرهاب الميترو-سياسي محل الحرب الجيو-سياسية، وبدأنا نعيش مرحلة «التحول الإيقوني» في السياسة العالمية التي لم تعد تُمارسها الهيئات الديمقراطية، بل وسائل الإعلام. وأخذت الصورة التي تتجاوز الحدود اللغوية، تكتسب أهمية أكثر من النص الكلامي، وإذا ما تذكرنا صور مركز التجارة العالمي أو سقوط التمثال في بغداد أو صور سجن أبو غريب، فسنجد أنفسنا في قلب مرحلة تاريخية، أصبح فيها سلاح الصورة سلاحاً فتاكاً، يثير النزاعات ويشعل الحروب في كل مكان.
ما أسلحة الصورة، وما هدفها؟
أسلحة صورة عنيفة، لا تُحتمل، يتعالى شكلها المُنظم، على النقد، وتصمد أمامه أو تنفي، تلقائياً، طبيعتها الدعائية، ويتوجه هدفها إلى المشاهد ليصيبه بجراح الضحية.
يوصف بوريس غروي دائماً العدوان الإرهابي على مركز التجارة العالمي باعتباره حادثاً، ويستشهد في وصفه حالة انهياره، بالعجز التام الذي أصاب قوى الأمن وطواقم الإنقاذ والحكومة الأميركية. بوسع المرء أن يقول، حسب جين باودريلـلاد، كل من كان حلم بتحطيم تلك القوة المهيمنة الغاشمة، التي مثلها مركز التجارة، رأى صورتها وهي تنهار أمامه في «حادث»، أو بتعبير، رأى صورتها وهي تُفجر نفسها في عملية انتحارية. أخيراً حصل أن هناك من فعل فعلته، وحصل أنه فعل ما فعل، وأنه حقق لنا ما تمنيناه.