‏أبواب‏

‏عن ملتقى قصيدة النثر ‏

‏ثمّة زحام في القاهرة، في حركة السير، وكثافة البشر، وفي عدد الشعراء، إضافة إلى ارتهان كل تلك «الزحامات» لتراتبيات اجتماعية، وأسبقيات زمنية واقتصادية، تجعل المراقب يشعر أن مثقفي مصر وأدباءها يقفون مثل بقية الشرائح الاجتماعية في طابور طويل، ليس من أجل شراء الخبز، بل بانتظار أن تعترف المؤسسة الرسمية وأقطابها بما يكتبونه من شعر وسرد.

هناك أيضاً خصوصيات اجتماعية وسياسية معقدة تجعل شعراء قصيدة النثر في مصر يرهنون وجودهم الفيزيائي والإبداعي لمهمات نضالية شبيهة بمهمات أدباء السبعينات المشبعين بالأيديولوجيا والنضال.

وحين يكرّس الشعراء تجاربهم ومهرجاناتهم لهذا الغرض تتقلّص مساحة المثاقفة ويختفي الهم الجمالي لمصلحة الهمّ السياسي والجدل الإداري اللذين يخلقان محاربين وكتاب بيانات حماسية تدافع عن استقلالية الشعراء في غياب الشعر.

ولعل من حضر فعاليات الملتقى الثاني لقصيدة النثر بالقاهرة الأسبوع الماضي يستنتج كذلك أن وعي الشاعر المصري بذاته بات ينسحب «غصباً عنه» على وعيه بالآخرين في المشاهد الشعرية غير المعنية بصراع الشباب في مصر مع الديناصورات والمؤسسات، بل إن وثائق ملتقى قصيدة النثر في دورته الثانية تجعل الشاعر المصري يعطي لنفسه الحق في توصيف أزمات الآخرين ووسائل معالجتها طبقاً لأزمته التي يحاول تصديرها وتعميمها على المشاهد الشعرية الأخرى.

والخلاصة أن ملتقى قصيدة النثر في القاهرة ظل حدثاً مصرياً ومجرد رد فعل محلي بغطاء عربي، ومعلوم أن الملتقى الأول انعقد العام الماضي بالتزامن مع مهرجان رسمي للشعر، ورغم كثافة الحضور العربي، إلا أن منظمي الدورة الثانية للملتقى هذا العام لم يتمكنوا من الارتقاء به وجعله حدثاً شعرياً يتجاوز الخلافات الشخصية والاستقطابات التي أسفرت عن تبني اتحاد الكتاب لمنشقين لهم كذلك مواقف «إدارية وتنظيمية» مختلفة، وكأن قصيدة النثر حزب سياسي منقسم على نفسه. وكما حدث في الملتقى الأول ظلت الجلسات النقدية في الدورة الثانية (وربما الأخيرة) مهجوسة بالتأريخ لولادة قصيدة النثر والتنظير بارتباك متأخر لمشروعية تجذّر هذا الشكل في الشعرية العربية، وهذه مسألة تجاوزتها قصيدة النثر منذ عقود خلت.

تمحور الملتقى من جلسة الافتتاح إلى البيان الختامي مروراً بالحوارات الجانبية حول التأصيل للكفاح ضد المؤسسة الرسمية، وهذه إشكالية إدارية لا علاقة لها بجمالية النص وفاعليته الشعرية بعيداً عن المنصات الحاضنة. ثم ان المؤسسة التي أصبحت في نظر الشاعر المصري غولاً مفترساً لاتزال غائبة أو حاضرة بشكل إيجابي في أقطار أخرى.

ويمكن القول إذا كان منظمو الملتقى يمثلون المشهد الشعري المصري اليوم، وقياساً بالقناعات الفكرية التي حاولوا تمريرها، ينبغي أن نعترف من دون قلق على المشاعر القومية بوجود قطرية ثقافية تتوازى مع القطرية السياسية، وتتجاوز انغلاق حركة الطباعة والنشر إلى بروز خصوصيات ومواقف متعددة حول ترتيب الأولويات في الخطاب الشعري والثقافي عموماً، وأيهما أسبق: الموقف من المؤسسة الرسمية، أم تأمّل وظيفة السرد في قصيدة النثر على سبيل المثال.‏

 

slamy77@gmail.com

  • تويتر

تعليقات

أكتب تعليقك هنا

كل التعليقات خاضعة للمراجعة وسيتم نشرها بعد مراجعتها. يرجى العلم أن بريدك الإلكتروني لن يكون ظاهراً للقراء.

يرجى العلم أن إرسالك التعليق يعني موافقتك على شروط وأحكام نشر التعليقات على موقع "الإمارات اليوم"
للاطلاع على الشروط والأحكام يرجى الضغط على رابط الشروط والأحكام

فيديو

  • معرض فني في السعودية للمرة الأولى

    3 فبراير 2012 19:26

    تستضيف مدينة جدة حالياً، أول معرض عام للفن الحديث، الذي يفتح أبوابه في السعودية، ويضم أكثر من خمسين عملاً فنياً لإثنين

  • ينجو من الموت دهساً بإعجوبة

    2 فبراير 2012 16:56

    أظهرت لقطات فيديو صورتها كاميرا الأمن في محطة قطار بمنطقة شروبشاير البريطانية شجاراً بين اثنين، دفع أحدهم الآخر نحو

  • معرض لتصميمات "التوابيت" المبتكرة

    2 فبراير 2012 15:46

    أقيم في لندن معرض للتوابيت ذات التصميمات المبتكرة، يستمر تسعة أيام، ويهدف إلى إقامة فعاليات ثقافية تتناول قضية الموت.

  • أحداث شغب مباراة الأهلي والمصري

    2 فبراير 2012 10:26

    أعلنت وزارة الصحة المصرية مساء أمس عن مقتل 73 شخصا وإصابة المئات بجروح في أحداث الشغب التي أعقبت مباراة فريقي الأهلي

اختيارات المحررين

المزيد من الأعمدة

من أخبار الموقع الأخرى

الوظائف في الإمارات اليوم

أحدث فرص العمل

المزيد من الوظائف في الإمارات اليوم