«تنمية» حذّرتهم من الفشل في اختيار التخصص المناسب

الطـب والإعــلام يستحـوذان علـــى رغبات أوائل الثانوية

نتائج الامتحانات أسهمت في تحوّل طلاب عن ميولهم الدراسية. تصوير: باتريك كاستيلو

أظهر استقصاء أجرته «الإمارات اليوم» تراجع طلاب من أوائل الصف الثاني عشر على مستوى الدولة، عن ميولهم الدراسية، واتجاههم الى تخصصات أخرى، بوحي من درجاتهم المرتفعة، أو وفقاً لرغبات ذويهم، أو سعيا منهم إلى اقتناص تخصصات نادرة، تفتقدها سوق العمل، على الرغم من أن هذه التخصصات لم تكن ضمن قائمة اختياراتهم قبل ظهور نتائج الامتحانات.

واتجه معظم الطلبة الأوائل إلى دراسة الطب البشري والهندسة المعمارية والإعلام، معتمدين على معايير مختلفة، مثل رغبات الآباء، أو المظاهر الاجتماعية، أو الاعتبارات الشخصية، وأحيانا لعب المعدل المرتفع دورا مباشرا في اختيار التخصص.

22 ٪ من الطلاب و14٪ من الطالبات في دبي لم يستكملوا دراستهم

 

استضافت كلية دبي للإدارة الحكومية أول اجتماعات فريق العمل المعني بدراسة القضايا المتعلقة بتسرب طلاب المدارس الإماراتيين في دبي.

وناقش الاجتماع الملاحظات والتوصيات التي نتجت عن الاجتماع التشاوري مع مديري المدارس الثانوية الحكومية في دبي، والذي سبق أن استضافته الكلية.

وضم فريق العمل الذي يركز على سبل الكشف عن التسرب المدرسي ومنع الطلاب من ترك المدرسة، ممثلين من هيئة المعرفة والتنمية البشرية وكلية دبي للإدارة الحكومية ووزارة التربية والتعليم ووزارة الشؤون الاجتماعية وهيئة تنمية المجتمع وشرطة دبي. وقدم ممثلو هيئة المعرفة والتنمية البشرية بيانات وتقارير توضح الأسباب والآثار المترتبة على عدم استكمال نسبة كبيرة من الطلاب الإماراتيين دراستهم الثانوية. واطلع فريق العمل على بيانات حديثة تظهر أن 22٪ من الذكور، و 14٪ من الإناث في دبي ممن تراوح أعمارهم بين 20 ـ 24 عاما تركوا المدرسة قبل استكمال دراستهم.

وأوصى الفريق بتشكيل مجموعة عمل لإجراء أبحاث أكثر عمقا حول الأسباب التي تدفع بالعديد من الطلاب الذكور إلى ترك المدرسة في الصف العاشر، إذ يصل التسرب إلى أعلى معدلاته، إضافة إلى استكشاف العوامل الإضافية التي قد تؤدي إلى ترك المدرسة في وقت مبكر، مثل الخلفية الأسرية وبعض القضايا المحددة التي يواجهها الطلاب.

وستتم دعوة وزارات أخرى وهيئات ودوائر حكومية للمشاركة في مجموعة فريق العمل، بهدف الوصول إلى نظرة شاملة للحالة الراهنة، كما سيتم إجراء أبحاث تتناول معدلات التسرب المدرسي في بلدان أخرى وخبرات وتجارب تلك الدول في هذا الإطار، لتضاف إلى النتائج التي ستصل إليها مجموعة التركيز.

وقال عميد كلية دبي للإدارة الحكومية الدكتور طارق يوسف، إن غياب نظام تعليمي راسخ، وهو يمثل أحد أهم التحديات التي يواجهها العالم العربي، وهو حقيقة يؤكدها المعدل المقلق لنسب الانقطاع عن الدراسة الثانوية في مجتمعاتنا، ولعل إحدى الخطوات الرئيسة نحو تغيير هذا الواقع هي تطوير نوعية المحتوى العربي للبرامج التعليمية، ليكون أكثر جذبا للطلاب. دبي ــ وام

وأكدت مدير عام هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية بالوكالة فضة لوتاه، أن «هذه الظاهرة تتكرر سنويا»، محذرة الطلبة «من الفشل في اختبار معايير اختيار التخصص».

ودعت لوتاه الطلبة إلى إجراء اختبار لميولهم المهنية قبل حسم قرار الالتحاق بتخصص دون آخر.

وأوضحت أن كثيرا من الطلاب يتراجعون عن دراسة التخصص الذي اختاروه أولا، ويتجهون الى تخصصات أخرى، بعد أن يدركوا أنها أنسب لهم، لأنها أكثر انسجاما مع مهاراتهم، أو لأنها تعدهم بفرص وظيفية أفضل، بسبب حاجة سوق العمل إليها.

وتابعت أن آباء الطلاب يلعبون دوراً مباشراً في توجيههم إلى تخصصات دون غيرها، لأسباب ثقافية واجتماعية معينة، ما يدفع كثيرين منهم للعودة عن هذه الخطوة لاحقا، إذا شعروا بأنهم غير قادرين على التكيف معها.

حرية مشروطة

ووفق الاستقصاء الذي أجرته «الإمارات اليوم»، قال طلاب إنهم لم يتخذوا قراراً نهائياً بشأن التخصص الذي يرغبون في الالتحاق به، معربين عن حيرتهم إزاء الخطوة التي يعتبرون أن مستقبلهم سينبني عليها.

وأكد آباء طلبة متفوقين لـ«الإمارات اليوم»، أنهم يتركون الحرية لأبنائهم لاختيار ما تمليه عليهم رغباتهم وميولهم. لكن إذا تبين أنهم متجهون الى تخصصات دون المستوى الذي حققوه، فإنهم يتدخلون لإقناعهم بما يتناسب ومصلحتهم الخاصة، من باب خبرتهم الطويلة وخوفهم على مستقبلهم، وفقا لتعبيرهم.

وذكرت لوتاه أن على الجميع دراسة سوق العمل بشكل جيد، ومعرفة التوجهات المستقبلية وفق الخطة الاستراتيجية للدولة، التي بينت سابقاً حاجتها إلى تخصصات معينة، مثل الطاقة المتجددة، والصناعة، والسياحة، وقطاع الخدمات، لافتة إلى أن آباء الطلاب والظروف الاجتماعية يدفعون كثيرا من الطلاب إلى اختيار تخصصات معينة، سواء كانت من باب الوجاهة الاجتماعية، أم تحقيقاً لرغباتهم.

الاجتهاد والميول

من جانبها، حذرت أستاذة الاتصال الجماهيري في جامعة الإمارات الدكتورة حصة لوتاه، طلاب الصف الثاني عشر من اختيار التخصصات وفق الدرجات التي حصلوا عليها، وإنما يجب أن يكون ذلك وفقاً لميولهم واتجاهاتهم المهنية، مشيرة إلى أن ذلك يحدث خللاً في المجتمع ويقضي على روح الإبداع والابتكار لدى الطلاب.

وتابعت أن المجموع الذي حصل عليه الطالب يشير إلى أنه اجتهد في الدراسة وحسب، وليس شرطاً أن ينجح في دراسة تخصص ما.

وذكرت أن بعض الدول العربية رسخت مفهوم «كليات القمة» باقتصارها على الطب والهندسة، من دون التخصصات الأخرى، لحاجتها إلى شغل هذه الوظائف، مؤكدة أن التخصصات تعد من كليات القمة إذا ما أبدع فيها الملتحقون بها، فليس شرطاً أن يلتحق الطالب الحاصل على مجموع كلية الطب أو الهندسة بأحد هذين التخصصين، خصوصا إذا كانت ميوله توجهه إلى دراسة تخصصات أخرى، مثل التاريخ، أو العلوم الإنسانية.

وذكر أستاذ علم الاقتصاد في جامعة دبي الدكتور محمود عبدالباري، أن اختيارات الطلاب ترجع إلى طبيعة المجتمع الذي يعيشون فيه، وترتبط بالمستوى المعيشي لسكانه، إذ يذهب الطلاب في المجتمعات الغنية إلى دراسة التخصصات التي تضيف إليهم واجهة اجتماعية مميزة، مثل الطب والهندسة، بينما يذهب آخرون في المجتمعات محدودة الدخل إلى التخصصات التي تسهل عليهم الحصول على فرص عمل جيدة في مجتمعهم.

معايير اختيار التخصص

وكان أوائل الصف الثاني عشر بقسميه العلمي والأدبي، كشفوا لـ«الإمارات اليوم» عن المعايير التي اعتمدوها لتحديد اختياراتهم الدراسية. وقالت رنا هاني عبدالرحمن، إنها اختارت دراسة الطب، كونها حلم الطفولة، الذي راودها طيلة سنوات دراستها، فيما ذكرت الطالبة روان محمد عبدالمجيد، أنها لم تقرر بعد إذا ما كانت ستلتحق بكلية الهندسة أم طب الأسنان، كونها متميزة في دراسة مواد التخصصين.

وأكدت الطالبة أسماء أحمد عبدالواحد اختيارها طب الأسنان عن قناعة شخصية، مشيرة إلى أنها تدرس الفكرة منذ فترة طويلة.

وذكرت الطالبة خلود يوسف إبراهيم أنها ستدرس الصيدلة، لافتة إلى أن ميولها تفرض عليها التوجه إلى هذا التخصص، الذي تنوي التميز والإبداع فيه. وذهبت الطالبة مروة حسن محمد إلى دراسة الهندسة، من منطلق تميز هذا التخصص بروح الإبداع والابتكار في التصميم، الأمر الذي تجده متوافرا لديها بقوة. فيما أكد الطالب أحمد هاشم عبدالخالق ميوله لدراسة طب الجراحة، بعد دراسة متأنية لواقع سوق العمل وحاجتها إلى مثل هذا التخصص.

وتوزعت ميول الطلاب سارة عبدالمجيد عزام، وسمر عبدالجواد محمد، وأحمد جمال صوالحة، وآية أحمد عطا معالي، بين تخصصي الطب البشري والهندسة المعمارية، إذ اعتبر بعضهم الالتحاق بهذه التخصصات بمثابة حلم الطفولة الذي تحقق أخيراً على أرض الواقع، وأكد البعض الآخر أن الاختيار جاء وفق نظرة متأنية ومستقبلية لواقع سوق العمل، وما تحتاج إليه مسقبلاً، إذ توجد تخصصات نادرة في كلا التخصصين لم يتصد لها دارس من قبل.

وفي المقابل، أبدى طلاب ترددهم في اختيار التخصص الأنسب لهم، وأشار بعضهم إلى أنهم وقعوا في حيرة بين أحلام ذويهم، التي رافقتهم منذ الصغر، وبين ميولهم الخاصة التي تفرض عليهم التوجه إلى تخصصات أخرى بعيدة عن ذلك، مشيرين إلى حاجتهم إلى مزيد من الوقت حتى يستقر بهم الرأي في التخصص الأنسب.

الرغبة والتخصص

ولعب حب الطلاب مواد دراسية محددة دوراً في اختيارهم تخصصاتهم، بعيداً عن النظر لسوق العمل أو المجموع الكبير الذي حصلوا عليه، فمنهم من يرى في نفسه القدرة على الإبداع والتميز في كلية تتطلب مستوى من العلامات يقل عن المستوى الذي حققوه، فأحجم عن الالتحاق بكليات النخب الأولى (الطب أو الهندسة)، واتجهوا لدراسة علوم أخرى، مثل الكيمياء أو الهندسة الوراثية، وآخرون اتجهوا إلى دراسة علم الدواء والصيدلة.

ووفقاً لأوائل القسم الأدبي للصف الثاني عشر، قالت الطالبة وسن عباس بشت، إنها قررت دراسة إدارة الأعمال، بعد دراستها سوق العمل ومعرفة حاجياته، لافتة إلى ميولها لدراسة الإعلام كبديل إذا ما ارتأت ذلك، واتفقت معها الطالبة هبة هلال مطلق الظاهري في ميولها لدراسة التخصص نفسه، لكنها تفاضل بينه وبين تخصص العلوم السياسية.

وذكرت الطالبة أمينة عبدالرحمن حسن أنها تنوي الالتحاق بـ«الدراسات الإسلامية» لرغبتها في العمل بمجال التدريس الذي تجد فيه ذاتها، في حين أعربت الطالبات محبوبة عبدالرحمن محمد صالح، وياسمين خالد مصطفى، وآية عبدالكريم علي، وزينب يونس عبدالرحمن، وأسماء عمر محمد، وآلاء سمير محمد الحرباوي، عن رغبتهن في دراسة الإعلام، معتبرات أنه يأتي على قمة التخصصات الأدبية.

وذكر بعضهن أنهن سيلتحقن بتخصصات لا تشهد إقبالاً كبيرا، مثل تخصص الدراسات الإسلامية، وبعض التخصصات التقنية المتعلقة بنظم المعلومات، مشيرات إلى أن الذهاب إلى تلك التخصصات يفسح لهن مجالاً واسعاً للإبداع والتميز، وتحقيق أحلامهن، على العكس من القطاعات التي تشهد ازدحاماً كبيراً من الطلاب.

تويتر