‏‏‏«التربية» تؤكّد عودتها عبر مادة «مهارات الحياة» لتأهيل الدارسين نفسياً واجتماعياً

غياب «التربية الأسرية» يعوّد الطـلاب على «الاتكالية»‏

تربويون يطالبون بتنمية قدرات الطلاب وتأهيلهم بشكل يجعلهم مبدعين في مهاراتهم. الإمارات اليوم

‏‏أكد تربويون أن غياب حصص التربية الأسرية من المدارس منذ 10 سنوات تقريباً، يفقد الطلاب المواطنين مهارات اجتماعية مهمة في المستقبل، ما يؤدي إلى اعتيادهم على «الاتكالية» على الغير، خصوصاً الوالدين، مطالبين بإعادتها لما لها من أهمية قصوى في إعداد الطلبة والطالبات وتأهيلهم لتعلم الكثير من المهارات الحياتية المطلوبة، التي تفيدهم في مستقبلهم، نظراً لأنهم لا يجدون من يعلمهم تلك المهارات في منازلهم.

وأشاروا إلى أنه لابد من منح الفرصة كاملة وتوفير الوقت الكافي للطلبة والطالبات المواطنين لممارسة الأنشطة اللاصفية في المدارس وتنمية المهارات الحياتية لديهم، خصوصاً تلك المتعلقة بالتربية الأسرية، لافتين إلى أن «هناك العديد من الكوادر الطلابية المواطنة تتمتع بمهارات مختلفة ولكنها تحتاج فقط إلى التدريب والتأهيل الفني المطلوب لتنمية مهاراتهم لتصل إلى حد الإبداع».

في المقابل، أكدت مديرة إدارة المناهج بوزارة التربية والتعليم، الشيخة خلود القاسمي، أنه ليست هناك إمكانية لعودة مادة التربية الأسرية إلى المدارس مرة أخرى في إطارها السابق الذي حصرت فيه المهاراتُ المُخطط لها في مهارتين اثنتين فقط هما إعداد الطعام وحياكة الملابس، بل ستتم إعادتها عبر مادة «مهارات الحياة» في إطارِ برنامجٍ تطويريٍ تربويٍ جديدٍ يعمل على تأهيل المتعلمين والمتعلمات معاً نفسياً واجتماعياً وتربوياً، ويعزز من قدراتهم على مواجهة ظروف الحياة وتطوراتها المختلفة.

تنمية المهارات

وتفصيلاً، قالت مديرة مدرسة سلامة بنت بطي للتعليم الثانوي في أبوظبي، مريم عبدالله الشامسي، إن التربية الأسرية في المدارس مفقودة وغائبة منذ 10 سنوات تقريباً ويجب أن تعود حصص تلك المادة إلى المدارس لأنها مفيدة جدا في حياة الطلاب الحاضرة والمستقبلية خصوصا الإناث منهم، مطالبة بأن تعود كل الأنشطة المدرسية اللاصفية إلى المدارس وأن يكون هناك متخصصون بكل نشاط على حدة، لأن هناك طلبة وطالبات قد يكونون غير ناجحين علمياً ولديهم مهارات خاصة في تلك الأنشطة اللاصفية، متسائلة: «لماذا لا تتم تنمية مهارات هؤلاء وتأهيلهم بشكل يجعلهم مبدعين في مهاراتهم»، خصوصاً أن غياب تدريس التربية الأسرية يعلم الطلاب الاتكالية على الغير، خصوصاً الأبوين.

وأشارت الشامسي إلى أن «الطالبات تحديداً يحتجن إلى حصص التربية الأسرية لأنهن سيصبحن أمهات المستقبل ولذلك لابد من تأهيلهن للنجاح في تلك المهمة، وعليهن أن يتعلمن فن التعامل مع المجتمع وكيف تكون طالبة اليوم أماً ناجحة غداً في منزلها ومطبخها وفى إعداد مائدة الطعام الخاصة بأسرتها»، مضيفة أن «كل هذا يحتاج إلى وقت كاف لتدريب الطلاب على هذه المهارات، لأن هناك العديد من الكوادر الطلابية المواطنة تتمتع بمهارات مختلفة ولكنها تحتاج فقط إلى التدريب والوقت الكافي للتأهيل».

‏مهارات أكبر

قالت مدير إدارة المناهج في وزارة التربية والتعليم، الشيخة خلود القاسمي، إن العودة الجديدة للتربية الأسرية، ستكون في ظل مادة «مهارات الحياة»، التي تضمنت محاورها الرئيسة مجموعة من المهارات الحيوية المهمة، كان من بينها المهارات الأسرية التي تجاوزت مهارتي إعداد الطعام وحياكة الملابس إلى مجموعة أخرى من المهارات التي ركّزت على الأسرة باعتبارها أساس المنظومة الاجتماعية، مؤكدة أن مادة «مهارات الحياة» تعتني بجميع المهارات التي تحقق تكامل أدوار أعضائها وحقوق وواجبات أفرادها، واختيار شريك الحياة فيها وحقوقه وواجباته، إضافة إلى المهارات التي تُعنى بالقيم المتعلقة بالأسرة والأرحام والأقارب.

وأشارت القاسمي أنه في ظل التغيرات التي طرأت على المجتمع الإماراتي، أصبحت الأم ذات مسؤوليات أكبر تجاه تربية أبنائها من ناحية، إضافة إلى عملها المهني من ناحية أخرى، ما أدى إلى تطور بعض أدوارها، ولم تعد قاصرة على المهارتين السابقتين وهما «إعداد الطعام وحياكة الملابس»، ما جعل التطوير يستلزم التخطيط لإكساب المتعلمات مهارات أكبر في إدارة المنزل.‏

إعداد المأكولات

وأيدت مديرة مدرسة المفرق للتعليم الثانوي في أبوظبي، عائشة ماجد المراغي، رأي الشامسي، في ضرورة وجود حصص التربية الأسرية في جميع المدارس ليس فقط لأنها مهمة في تعليم الطالبات، إعداد المأكولات وتنسيق مائدة الطعام وتعلم الخياطة والتطريز ولكنها أيضا تسهم في إعداد الطلاب وتنمية مهاراتهم من أجل مستقبل افضل لهم، إضافة إلى أنها تعد متنفساً لهم من المواد العلمية الكثيفة، إذ إنها تعمل على تنشيط الذهن لتكسبهم روحا مرحة، وحتى لا تكون المدرسة مكانا لتلقين العلم فقط من دون تعلم أو إكساب الطلاب أي مهارات قد تفيدهم في حياتهم أكثر من أي مادة علمية يمنح لها وقتاً كبيراً ومنهجا كثيفاً.

وتساءلت المراغي: إذا لم تكن المدرسة هي المكان الذي يمكن أن يعد الطلاب وينمي مهاراتهم، فأين يمكنهم أن يتعلموا، خصوصاً أن المنزل لا يساعد على تنمية هذه المهارات بسبب اعتماد الأمهات على الخادمات واعتماد الآباء على العمال في صيانة أي شيء داخل المنزل أو خارجه؟ لافتة إلى أن «معظم الفتيات لا تدخلن المطبخ في المنزل في ظل الاعتماد على الخادمة، كما أن غالبية الشبان لا يهتمون بتعلم أي شيء قد يفيدهم في المستقبل مثل النجارة أو الحدادة أو الكهرباء أو الميكانيكا». وأكدت أنه لكي نعد الطالبات «أمهات المستقبل» بشكل جيد، لابد من توفير الفرصة لهن لتعلم تلك المهارات، التي تؤهلهن لتربية أبنائهن وتدبير شؤون منازلهن ومساعدتهن على الاعتماد على أنفسهن، كما يمكن تعليم الطلاب الذكور ميكانيكا السيارات والنجارة وبعض المهارات الأخرى التي تتطلب شؤون الحياة والمجتمع معرفتها، إذ إن أي إنسان معرض للوقوع في ظروف تفرض عليه معرفة تلك المهارات واستخدامها. وتابعت المراغي أنه في حال تم وضع حصتين في الأسبوع للتربية الأسرية فإنه سيكون هناك وقت كاف للطلاب لتعلم تلك الأنشطة، مقترحة أن «يتم تجميع خمس دقائق من بين الحصص الدراسية المختلفة ليكون هناك 50 دقيقة في اليوم يتم استغلالها لتدريس الطلبة حصة تربية أسرية متنوعة الأنشطة للذكور والإناث، بحيث يختار الطلاب النشاط الراغبين فيه، وذلك على مدى يومين أسبوعيا، ودون تأثر حصص المواد العلمية بذلك النشاط، مؤكدة أن «الأنشطة المدرسية اللاصفية تلقى إقبالاً كبير جدا من قبل الطلاب ولكنهم لا يجدون الوقت الكافي لمزاولتها أو الاهتمام اللازم بها من قبل المختصين».

كوادر مبدعة

وذكرت مديرة مدرسة فلسطين للتعليم الثانوي في أبوظبي، شيخة عيسى الزعابي، أن التربية الأسرية في المدارس لا غنى عنها لأنها علمت كل الأمهات في الإمارات في الماضي كيفية إعداد المأكولات وتعلم الخياطة والتطريز وجوانب حياتية كثيرة يحتجنها في المستقبل وكيف يتأهبن لمواجهة الحياة الاجتماعية، إذ تعلمهن تلك المادة سلوكيات جيده، لافتة إلى أن «الطالبات الآن يفتقدن كل هذه المهارات بسبب غياب التربية الأسرية عن مدارسنا».

وزادت أن الحياة العملية تحتاج إلى هذا الجزء المهني لأن طلاب وطالبات اليوم هم من سيتحملون المسؤولية غدا، فلابد من إعدادهم وتأهيلهم لمواجهة حياتهم المستقبلية بنجاح.

وأضافت أنها اطلعت على تجربة رائدة في ذلك المجال في كل من سنغافورة واليابان، إذ وجدت أن المدارس في هاتين الدولتين تضع لمادة التربية الأسرية والمهارات المختلفة الأولوية والاهتمام الأكبر في التعلم، من خلال إنشاء قسم للطلاب متخصص بتدريبهم على النجارة والميكانيكا والكهرباء والحدادة وتعلم أشياء أخرى مفيدة للطلاب مثل تغيير إطارات السيارات وغيرها من المهارات التي يجب على الشباب معرفتها، والقسم الآخر يكون للطالبات وبه أدوات خياطة وطبخ وأخرى مفيدة لحياة الطالبات المستقبلية.

وأشارت الزعابي إلى أن غياب التربية الأسرية عن المدارس أدى إلى اعتياد الطلاب على عدم تحمل المسؤولية والاتكالية وفقدانهم مهارات الحياة الاجتماعية، وذلك لأن المنزل والمدرسة معا لم يعد فيهما مكان لإكساب الطلاب تلك المهارات، ما يضعف خبرة الطلاب في الحياة ويحد من وجود الكوادر المواطنة المبدعة في المهارات الحياتية المختلفة، مطالبة بالتركيز على الأنشطة المدرسية المختلفة لأنه «لا يعقل أن يكون هناك تكدس للكوادر المواطنة في تخصصات معينة من دون وجود كوادر مؤهلة في المجالات الأخرى، فالدولة تحتاج إلى الكوادر المواطنة المؤهلة في المجالات كافة».

إتيكيت

وأفادت مديرة مدرسة فضلت عدم نشر اسمها، بأن وزارة التربية والتعليم أخطأت خطأ كبيراً عندما ألغت حصص التربية الأسرية من المدارس، متسائلة كيف يمكن أن تتعلم الطالبات التدبير المنزلي والاتيكيت من إعداد وتنسيق مائدة الطعام وكيفية استقبال الضيوف وتعلم صناعة المأكولات والخياطة والتطريز في ظل غياب التربية الأسرية عن المدارس وعدم اهتمام الأسرة في المنزل بتأهيل وتدريب أبنائها على تلك المهارات الحياتية؟، لافتة إلى أن الطلاب يستطيعون من خلالها تطوير مهاراتهم والإبداع فيها ومن ثم الوصول إلى النجاح المنشود على مستوى الأسرة والمجتمع، ومن دون الحاجة إلى الاعتماد على الآخرين، مطالبة بعودتها إلى المدارس وتوظيفها بشكل عملي لخدمة الطلاب.‏

تويتر