الإمارات اليوم

بوملحة استعاد الذكريات بــ «حسرة في النفس» والبدور بــ «الحنين لأول منزل»

متحف المرأة يجمع أبناء سوق الذهب في «بيـــت البنات»

التاريخ::
المصدر:
  • شيماء هناوي - دبي
  • متحف المرأة يوثق لذاكرة المكان في دبي. تصوير: باتريك كاستيلو
  • إبراهيم بوملحة.
  • بلال البدور.
  • مريم سلطان لوتاه.
  • رفيعة غباش.
  • حصة بنت معتوقة.

استحضرت أول حوارية لمتحف المرأة «بيت البنات»، في منطقة الأسواق الشعبية في منطقة الرأس بدبـي، الذكريات المرتبطة بالمنطقة قبل أن تكتظ بالمحال التجارية وتغيب عنها ملامح الزمن الجميل بتفاصيله البسيطة.

حوارية «بيت البنات»، التي نظمت صباح أمس، في مركز دراسات المرأة في المتحف تحت عنوان «المكان وذاكرته»، جمعت أبناء وبنات فريج سوق الذهب وسكة الخيل والضغاية، الذين تقدمهم مستشار صاحب السموّ حاكم دبي للشؤون الثقافية والإنسانية، إبراهيم بوملحة، والوكيل المساعد لشؤون الثقافة والفنون في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع الباحث الإماراتي، بلال البدور.

وافتتح الحوارية المستشار بوملحة بقصيدة كتبها حول «الفريج» مجسداً ألمه وحسرته لضياع ملامحة الأصيلة التي مازالت تختزل مخيلته تفاصيلها الجميلة، الأمر الذي تجسد بقوه في ختامها بالشطر «وش إلي ذي بقوله.. حسرة نمت في النفس».

واستهل بوملحة، الذي نما وترعرع في فريج «سكة الخيل»، حديثه بسؤال طرحه للحضور: «هل للمكان ذاكرة؟»، ليجيب عنه مباشرة: «للمكان ذاكرة وإحساس وقلب ينبض كما هو حال الإنسان، وإذا ما اجتمعت تولد الانسجام في ما بينها، لاسيما حين تكون المدة الزمنية التي تربطها طويلة وصورة المعالم من حولهم على حالها لم يشوبها تغيير أو تبديل. فالتحول يلغي أهمية المكان في ذاكرة الإنسان، وذلك على خلاف بقائه على صورته الأصيلة».

وعلق: «لكن للأسف التطور السريع الذي شهدناه قضى على ذاكرة المكان التي مازلنا نختزل ملامحها، والقليل من صور هذه الذاكرة يظهر في معالم المباني القديمـة المرممة».

وشدد بوملحة على أن «الحديث عن المكان جميل وممتع، ولكنه يثير المواجع والألم، والعتب على المدنية الحديثة التي أخذتنا، ولكن هذه سُنة الحداثة وطبيعتها، ولكننا سنظل محافظين على (ذاكرة المكان) التي نحتفظ بتفاصيلها وسنظل كذلك، ونستطيع أن نرسم لها صوراً نستعرض من خلالها البيوت والسكيك بسكانها الذي استمتعوا بالمعطيات المتاحة على الرغم من صعوبة الظروف آنذاك».

وتعقيباً على حديث بوملحة عقّب رئيس المجلس الوطني الاتحادي سابقاً، هلال بن أحمد بن لوتاه، أن «للمكان تأثيراً كبيراً في النفس يعكس مدى العلاقة الوطيدة التي نشأت بينهما، لاسيما حين يشهد هذا المكان نشأة هذه النفس منذ نعومة إظفارها، الأمر الذي دفعني إلى العمل على استعادة منزل جدي في هذا المكان بستة ملايين درهم بعد أن تم بيعه بمبلغ ‬28 ألف روبيه آنداك».

ذكريات «الفريج»

في المقابل، ارتأى البدور أن يبتعد في حديثه عن «ذاكرة المكان» التي استوفى حقها بوملحـة، ولجأ إلى مشاركـة الحضور من أبناء وبنات فريج سوق الذهب وسكـة الخيل والضغايـة ذكريات «الفريـج»، بعد أن ذكر أحد أشهر الأبيات لأبوتمام: «كمْ منزل في الأرضِ يألفه الفتى.. وحنينُه أبداً لأولِ منزل».

فتحدث البدور عن «فريج الأول»، حيث كانت معظم البيوت فيه من سعف النخيل، وتضم القليل من مباني الجص، وكيف كان الجيران يتزاورون دون استخدام الأبواب الخارجية لتلك البيوت، حيث كانوا يلجأون إلى الفتحات التي تربطها ببعضها بعضاً في دليلٍ واضح وحي للعلاقات الوطيدة التي تجمعهم، والتي كانت تتمثل كذلك على حد قوله في تعاون نساء «الفريج» في تنظيف «السكيك» مساء الخميس لتصبح جاهزةً صباح الجمعة لاستقبال الضيوف.

وأشار البدور خلال حديث الذاكرة إلى رحلة «المقيظ» التي ابتدعت هرباً من حرارة الصيف الحامية إلى المناطق المعروفة بـ«المقايظ»، ومنها «البراحات» التي يسكنونها في خيام تنصب خصيصاً لذلك، وتطرق إلى المقاهي التي انتشرت في تلك «الفرجان»، ومنها «الينار» و«الدهياشي»، وذلك نظراً للدور الكبير الذي لعبته هذه المقاهي في جمع شباب «الفريج» والمثقفين الذين كانوا يقصدونها بشكلٍ دائم، حيث يتبادلون أطراف الحديث ويتناقشون حول الموضوعات والقضايا المثارة، والاستماع إلى الراديو، والتنافس الذي كان يدور بين أصحابها للظفر بالزبائن.

نماذج مؤثرة

البدور لفت إلى بعض النماذج التي لعبت دوراً كبيراً بالفريج بعلمها وخبرتها التي اكتسبتها بالممارسة العملية، ومنها محمد الشريف، الذي كان متخصصاً في معالجة الكبار «دكتور الكبار»، وشيوخ الدين «السيد الشنقيطي» و«خليفة الحليان» و«حسين عبدالرحيم»، الذي كان يقصده الناس للبت في مسائل الميراث، نظراً لتخصصه، و«حمد بن ظاعن هويدي»، الذي اشتهر في صباه بحبه للعلم والمعرفة وتعلقه الشديد بهما، الأمر الذي كان يسفر عن تجارب عملية تجذب الشباب، ومنها تركيب عبوات «الشِلق» ألعاب نارية على بعضها وإطلاقها لاحقاً في وسط البحر.

ومن هذه النماذج ذكرت المشاركة حصة بنت معتوقة، الدور الكبير الذي لعبته والدتها «معتوقة» في الفريج، حيث كانت طبيبة شعبية مشهورة تداوي أهل الفريج، ومنهم جدة المستشار بوملحة.

وتعقيباً على حصة، قال بوملحة: «أتذكر أن جدتي كانت تشتكي من وجعٍ شديد في الخاصرة ليلاً، وعليه تم استدعاء (معتوقة) لفحصها، حيث ظهر وجود خطب ما في الكلى وبناءً على ذلك قامت بتدليكها الذي ساعد على شفائها بسرعه شديدة. وقد اشتهرت (معتوقة) بعلاجها للكبار والصغار على حد سواء من داخل الدولة ووخارجها».

وذكرت مؤسس المتحف الرئيس السابق لجامعة الخليج العربي بالبحرين، الأستاذة الدكتورة رفيعة غباش، أنها ستخصص لـ(معتوقة) جزءاً في أحد مرافق المتحف المتخصصة في الطب الشعبي، وكذلك في الموسوعة التوثيقية التي يكرم المتحف من خلالها مجموعة من الرائدات الإماراتيات، والذي يتضمن حالياً ‬600 شخصية إماراتية نسائية بارزة، وتسعى لاستكمالها إلى الـ‬1000 شخصية.

وأشارت إلى أن حصة بنت معتوقة (أم عادل)، هي كذلك أحد هذه النماذج، حيث تعد أول مصورة فوتوغرافية في هذا «الفريج»، وقد منحت المتحف مجموعة واسعة من الصور، وسيعمل المتحف على تكريمها لاحقاً بمعرض خاص بصورها.

وبمناسبة إطلاق المتحف أول «حوارية» نوهت غباش إلى أنه «على الرغم من العمر القصير، وهو أشهر، حظي المتحف بإقبال وانبهار جماهيري كبير لم يقتصر على الأجانب والسياح فقط بل تعداه ليشمل مواطنين ومقيمين على حد سواء، الأمر الذي أسهم في تحقيق بعض أهدافه، وفي مقدمتها تعريف أبناء الجيل الجديد بتاريخ الدولة والأدوار الكبيرة لأبنائه، والتي يجهلها الكثير من أبناء هذا الجيل».

وأضافت: «هذا إلى جانب الجاليات المقيمة في الدولة التي تمثل نسبة ‬90٪، وأنا سعيدة جداً كون هذا الهدف تعدى ذلك بالوصول إلى دول بجنسيات ومعالم مختلفة، من خلال وسائل الإعلام كأميركا، وبريطانيا، والصين، وبنغلاديش والبرازيل، الأمر الذي يمثل حضوراً قوياً لاسم الدولة عالمياً. فضلاً عن المضي قدماً نحو عملية التوثيق التي يحملها المتحف على عاتقه في مقدمة أولوياته المتعلقة بتاريخ الدولة، وتحديداً المرأة فيه قديماً وحديثاً فيها، وذلك من خلال تسليط الضوء على مختلف حياتها من فكر وثقافة وفنون وتراث وتاريخ ومفردات حياتها اليومية».

كتاب توثيقي

الأستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية في جامعة الإمارات ومدير مركز دراسات المرأة في المتحف، الدكتورة مريم سلطان لوتاه، قالت إن «عملية توثيق كل ما من شأنه أن يشكل في المستقبل مرجعاً غنياً وثرياً للأجيال المقبلة تقع على عاتقنا، وعليه نحن نسعى إلى العمل على إعداد كتاب حول (ذاكرة المكان) مسلطين الضوء على مواقع مختلفة من الدولة، والعمل على وضع خرائط لتلك المواقع تشكل صوراً مطابقه لشكلها الأساسي».

وقد دعت المتطوعة في المتحف، الدكتورة علياء البدواوي، كل من يملك معلومات من شأنها أن تسهم في عملية التوثيق حول شتى الأمور المتعلقة بتاريخ الدولة والمرأة الى توصيلها للمتحف.

أما غباش فقد أعربت عن تفاؤلها الشديد بضمان سير عملية التوثيق التي يقوم بها المتحف بسلاسة ويسر «في ظل حضور مسؤولين ومعنيين في هذا المجال هذه الحوارية التي تقدم أنموذجاً حياً لعملية التوثيق، ونأمل أن تشهد تعاوناً مثمراً في ما بيننا مستقبلاً».

قصص رئيسة
مواد ذات علاقة
آخر الأخبار
المزيد من الأخبار المنوعة