لوحاته تعكس التجربة الذاتية في سورية
مهند عرابــــي.. دموع وأسلحة على «الكانـــفاس»
جاءت أعمال الفنان السوري مهند عرابي كواحد من بين أعمال الفنانين الذين اختارهم «أيام غاليري»، ليكونوا ضمن المعرض الذي افتتحه أخيرا، وأطلق عليه عنوان «قمة الفن السوري» للجيل الشاب. وتتجاور أعمال عرابي في المعرض مع أعمال عبدالكريم مجدل البيك، قيس سلمان، نهاد الترك، وعثمان موسى، فيما يركز عرابي في أعماله على الوجوه، فيرصد الحزن من خلال العيون التي نجدها غارقة بالدموع، بينما لا تغيب ملامح الأحداث السورية عن لوحاته فنجد اللون الأحمر مسيطراً عليها، إلى جانب الأسلحة التي تطفو على سطح الكانفاس.
|
أنماط يجمع المعرض تجارب فنية متباينة، فتتميز أعمال قيس سلمان بالوجوه التي تحمل الكثير من الطفولة والألم، بينما يقدم الفنان عبدالكريم مجدل البيك حالة العالم المحيط، من خلال التجريد والاعتماد على اللوحات ذات الإيقاع المتكرر. أما تجربة الفنان نهاد الترك فتقوم على اختزال التشخيص في أشكال الرؤوس التي تحتل لوحة كاملة، فيما يحرص عثمان موسى على تفخيخ الخضار والخبز، ليعبر عن واقعنا وحياتنا التي باتت لقمتنا فيها مغمسة بالموت. وقال صفوان داحول، الذي درس الفنانين، عن المعرض، إن «أهمية المعرض وجميع هذه الأعمال تكمن في أنها نتاج مرحلة تعيشها سورية، وتعرض المراحل التي تغيرت فيها أعمال كل منهم». واعتبر أن المعرض هو نشاط فني لابد من وجوده رغم كل الظروف. أما كأستاذ جامعي درس الفنانين، فلفت داحول إلى أن الجيل الجديد هو جيل قوي، يبحث عن مكان له في الساحة، ويشعرني بالرضا كأستاذ درستهم. ولفت إلى أن دعم الفنان هو الذي يضمن استمراره. سيرة لونية ولد الفنان مهند عرابي في دمشق عام 1977، وتخرج في كلية الفنون عام 2000، قسم التصوير. عمل مخرجا في برنامج يهتم برسوم الأطفال. شارك في مجموعة من المعارض الجماعية في الإمارات وسورية. وحاز مجموعة من الجوائز، وكانت أولاها الجائزة الأولى في مسابقة التصوير، وهو في سن الثانية عشرة في سورية، وآخرها الجائزة الأولى في مسابقة معرض الشباب في الرواق العربي. |
حالة خاصة يشكلها الفنانون الشباب، الذين اختار «أيام غاليري» أن يعرض أعمالهم تحت هذا العنوان، فلكل منهم نمطه الفني المختلف الذي يعبر من خلاله عن رؤيته، لكن ما يبرزه المعرض الذي يستمر حتى نهاية أغسطس الجاري، هو المراحل الفنية لكل المشاركين في المعرض. وأتت أعمال الفنان مهند عرابي متميزة في انتمائها لواقعه، فهي شديدة الانحياز لتجربة الفنان الذاتية، وتفصح عن هواجسه وأحزانه، أفراحه وأحلامه، إذ يحرص عرابي على أن يجمع بين اللون والتقنية، متخذا من الوجوه ركيزة أساسية في بعض أعماله، فنجد أن مجموعة من لوحاته معتمدة على العنصر الإنساني، فالأطفال في لوحاته يعانون العنف، وتكرست المعاناة في وجوههم، حيث هو الجيل الذي يقبل على الحياة ببندقية بدلا من العلم كما في البلدان الأخرى. فيما يقوم في مرحلة سابقة بالاعتماد على التقنيات التي تتيح له إبراز العناصر الهندسية في اللوحة، فنجده يميل إلى تصوير الأشياء والأحجام، هذا الاهتمام بالتصوير الهندسي لا يخلو من العبثية أو التلقائية التي تقوم على الصدفة في العمل الفني، والتي غالبا ما تكون نتاج تأثير اللحظات التي يعيشها الفنان أثناء إنتاج العمل الفني.
ولخص عرابي تجربته الفنية بالقول إن «الفنان يتعاطى مع اللوحة والفن كحاجة أساسية في الحياة، فالفن يؤمّن التوازن والتفاعل مع المجتمع المحيط، والشعوب العربية بطبيعتها شعوب عاطفية متأثرة ومؤثرة بشكل كبير بالمحيط، الأمر الذي ينعكس أيضا بطريقة ما على الأعمال». وأشار إلى أن الظروف المحيطة، وما يمر به العالم العربية اليوم، أثر كثيرا في لوحاته فباتت أكثر حزنا، حيث سرقت الأحداث ومضة الفرح من اللوحات، وباتت أكثر تقشفاً باللون وباتت تميل إلى الرمادي أو الأحمر. ولفت إلى أن الفن اليوم يحتاج إلى محلل نفسي أكثر من حاجته إلى ناقد تشكيلي، لتحليل اللوحات، كونها تعبر عن جزء من العقد وما يعيشه الفنان.
التعبير في اللوحة يختلف من فنان لآخر، الأمر الذي اعتبره عرابي من الأمور المؤثرة فيه، كونها تعبر عن الفنان وهواجسه، موضحا أن التقنيات التي سيقدمها مستقبلا لا يستطيع التخطيط لها، فهو يحاول أن يبقي على حالة الرضا والصفاء، وأن الفنان الصادق مع عمله يمكنه أن يلامس الناس على مختلف أطيافهم. واعتبر أن مهمة الفنان الأساسية هي خلق لوحة تُوجد لدى المتلقي سؤالا، فمن الممكن أن يحب البعض اللوحات أو يكرهها، أو أن يبقوا على الحياد معها، لكن علامة الاستفهام هي العلاقة الأساسية بين اللوحة والمتلقي، فالسؤال يحرض على الإجابات، وهذا الحوار بين اللوحة والفنان والمتلقي يمكن أن يؤدي الفن مهمته بغض النظر عن القيمة الفنية للوحة.
ويقول عرابي إنه يبدأ اللوحة بتصور لا يتخطى 10% من العمل، ثم يترك الحالة الفنية تتبع الصدفة والحالة التي يعيشها والأجواء المحيطة، وكل هذه الأمور تقوده إلى النتيجة. ورأى أن أي عمل يبدأ لديه بلغة حوارية مع الأدوات، وأحيانا يعبر عن ما يدور في ذهنه عبر العمل، فحدث أن قطع واحدة من لوحاته نتيجة حالة نفسية، قبل أن تنجز بالكامل، ومن ثم أعاد توصيلها، فبدت كتعبير عن الحالة التي نعيشها، إذ يحتاج المرء أحيانا إلى تقطيع الذات ثم توصيلها. وأشار عرابي إلى أننا نعيش في هذا العالم ونتأثر بالسلبي والايجابي، لكن من الضروري أن يعيد الفنان تقييمه لذاته ولإنتاجه، لأننا أحيانا نتخذ قرارات تحت تأثير اللحظة، فلابد من إعادة صياغة قراراتنا، فلملمة الذات ضرورية، ويجب ألا ينكسر الفنان.
وقال عرابي إن أهمية هذا المعرض «تأتي من كونه يعرض أعمال تشكيليين سوريين، تركوا بصمة مهمة، ثم إن الفن بشكل عام يعيد صياغة الواقع السوري، الألم والفرح بطريقة تشبه كل فنان، وما يميزه هو أنه جزء من الفنان، فكل فنان يعيش بأسلوبه، كما أن كل شخص يقدم الفن بطريقته الخاصة».
انتقل عرابي إلى دبي، أخيرا، ويتوقع انعكاس الحياة في دبي على أعماله، وقال في هذا السياق «لاشك سينعكس هذا الخليط الثقافي على أعمالي، فمرسمي السابق في دمشق كان عبارة عن بيت قديم عمره 150 سنة، الأمر الذي يعني انني أتعايش مع حجر عمره 150 سنة، وقد تأثرت بذلك كثيرا».
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news