بعد سيطرة مشاهد العنف والقتل
نشرات الأخبار.. فـــزع يتهدد صحة المشاهد
بعد أن تحولت نشرات الاخبار اليومية إلى استعراض لا ينتهي لسلسلة من اخبار الحروب والصراعات، تتخللها مشاهد دامية تؤثر في الكبار والصغار على السواء، أصبح الاعلام يواجه اتهاماً جديداً يرى ان التلفزيون بات عدواً يتربص بأعصاب المشاهدين، ومصدراً للألم والمرض، بعد ان كان مصدراً للترفيه والتسلية. ويبدو أن الاحداث التي يمر بها الوطن العربي في الفترة الحالية قد تركت اثرها في كل ما يتعلق بحياة الانسان اليومية، ولم تستثنِ صحته ومرضه، فخرج العديد من الدراسات التي تحذر من تأثير الافراط في متابعة ما تبثه «الفضائيات» من اخبار ومتابعات وايضاً برامج حوارية، بعد ان اصبح العنف هو السمة الغالبة على هذه المواد الاخبارية، وصارت النشرات تحوي صوراً دموية صادمة للكبار والصغار، حتى انه لم يعد مستغرباً ان يمتنع البعض عن متابعة نشرات الاخبار بأمر الطبيب، خوفاً من اصابته بأمراض مزمنة كالسكري وارتفاع ضغط الدم أو نوبات خطرة.
|
آثار نفسية وفقاً للدراسات؛ لا تقتصر الآثار السلبية لانتشار العنف والاخبار المحزنة على الصحة الجسدية للإنسان، لكنها تمتد إلى صحته النفسية، حيث اشارت إلى ان كثرة التعرض لأخبار العنف قد تصيب الانسان بحالة من التشبع بهذه الاخبار تتحول إلى تبلد في المشاعر مع الوقت، ويفقد التفاعل مع الاحداث والشعور بخطورتها، حتى تصير اخبار القتل والدمار عادية تمر دون ان يتوقف أمامها أحد، أو تثير في نفس المشاهد أية مشاعر، وهو ما يؤدي إلى أن يصبح العنف أمراً معتاداً وسلوكاً مقبولاً في المجتمع. |
وحذرت الدراسة التي أعدها المجلس الوطني لشؤون الأسرة في الاردن حول البرامج الموجهة للأطفال العرب في «الفضائيات» العربية من آثار العنف الذي ينقله التلفزيون على شخصياتهم ومستقبلهم، وشملت عينة تمثل الطلاب والطالبات الدارسين في مدارس حكومية وخاصة وتراوح اعمارهم بين سبعة وثمانية أعوام، وتوصلت الدراسة إلى ان «الطفل المشاهد للتلفاز دون رقابة أو انتقائية يصبح اقل احساساً بآلام الآخرين ومعاناتهم، واكثر رهبة وخشية للمجتمع المحيط به، وأشد ميلاً الى ممارسة السلوك العدواني، ويزيد استعداده لارتكاب التصرفات المؤذية». كما اشارت الدراسة الى ان ذروة المشاهدة التي تتركز في الفترة المسائية، وتعرض خلالها مشاهد عنيفة بمعدل خمسة مشاهد في الساعة، تعني أن الطفل في عمر 11 عاما يكون قد شاهد نحو 20 ألف مشهد قتل أو موت واكثر من 80 ألف مشهد اعتداء.
أيضاً أشارت دراسات علمية اجرتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو)، حول معدلات مشاهدة الاطفال العرب للتلفزيون، الى أن الطفل وقبل أن يبلغ الـ18 من عمره يقضي أمام شاشة التلفاز 22 ألف ساعة مقابل 14 ألف ساعة يقضيها في المدرسة خلال المرحلة نفسها. لافتة الى انه مع بدء القرن الـ21 زاد المعدل العالمي لمشاهدة الطفل للتلفزيون من ثلاث ساعات و20 دقيقة يوميا الى خمس ساعات و50 دقيقة نتيجة الانتشار الواسع للفضائيات التلفزيونية.
تشير سامية السيد الى انها منذ اندلاع احداث ما يسمى بالربيع العربي، كانت تشعر بصداع شديد كلما جلست لمتابعة نشرات الاخبار، وعندما ذهبت للطبيب اخبرها ان ما تعانيه يعود إلى تأثرها بالأحداث التي تشهدها المنطقة، ونصحها بتقليل التعرض لنشرات الاخبار قدر الامكان، حتى لا تزيد الاعراض التي تعانيها. الامر نفسه تعرضت له نادية سلمان التي باتت تعاني تسارعاً في دقات القلب مع نوبات صداع، ارجعها الطبيب إلى متابعة الاخبار طوال اليوم، ومنعها من ذلك، لافتة إلى انها بعد التوقف عن مشاهدة النشرات بدأت تستعيد بعض التوازن والهدوء لشخصيتها، كما توقفت عن الثورة في وجه اطفالها لأتفه الاسباب، والتعامل معهم بحدة وعصبية. من جانبها، اشارت أمل علي الى ان متابعتها للتلفزيون تقتصر على المسلسل التركي الذي تعشقه، وتحرص على متابعة حلقاته يومياً، اما الاخبار والبرامج الحوارية ذات الطابع السياسي فهي خارج اهتمامها، لانها لن تجني منها سوى الاكتئاب والتوتر بحسب ما قالت. كما اعتبرت ان ارتفاع نسبة مشاهدة المسلسلات التركية في الفترة الماضية مؤشر إلى رغبة الناس للهروب قليلاً من الواقع وما يحدث فيه من عنف وصراعات، إلى قصص رومانسية او انسانية يتفاعلون معها. واتفقت معها في الرأي ميادة عبدالله، موضحة انها لا تحب نشرات الاخبار، ولكنها كانت تتابعها باهتمام كبير مع بداية «الربيع العربي»، حيث كانت هناك اجواء غير معتادة من الحماس والترقب ومشاعر الوطنية والانتماء، ولكن بعد ذلك، ومع استمرار الاحداث لفترة طويلة، بدأ الاهتمام يقل، خصوصاً بعد ان تحولت الثورات في بعض الدول إلى صراعات مسلحة، وانتجت العديد من الاخبار والمشاهد الدموية التي تحولت إلى مصدر للاكتئاب والفزع بالنسبة لها وللكثيرين، حتى انها فقدت الثقة في المستقبل وفي الايام المقبلة، ووجدت نفسها في حالة من البلبلة وتداخل الافكار، فقررت الابتعاد تماماً عن البرامج الحوارية التي كانت سبباً رئيساً في هذا الفزع، واكتفت فقط بمتابعة سريعة لعناوين الاخبار في بداية النشرة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news