الارتجال المحترف مسموح قبل فتح الستار

خالد جلال: المخرج ديكتاتور خلال العـرض

صورة

يعتبر كثير من المسرحيين أن الارتجال نوع من الاحتراف والتمكن على خشبة المسرح، لاسيما أن بعض هؤلاء الممثلين يعتقدون أن الارتجال أثناء العرض المسرحي يُكسب الممثل شهرة ونوعاً من التميز عن البقية، إلا ان الارتجال المحترف حسب المسؤول في مركز الإبداع الفني في مصر، المخرج خالد جلال، بعيد كل البعد عن تلك الفكرة الراسخة، إذ لا مكان للارتجال أثناء العرض المسرحي، إنما يكون في الفترة التي تسبق التحضير للمسرحية.

ويرى جلال أن «الارتجال المسرحي مصطلح سيئ السمعة في مصر، ويعني ان تقول ما تريد من دون الالتزام بالنص المسرحي أثناء العرض، وهذا الأمر مرفوض تماماً في المسرح المحترف، أو على الأقل في المسرحيات التي أقوم بإخراجها بمشاركة ممثلين من مركز الإبداع الفني، إذ أكون وقت العرض مخرجاً ديكتاتوراً لا يقبل الخروج عن النص المشغول لفترة طويلة قد تستمر لأكثر من ثمانية أشهر».

وتابع جلال الذي يقدم ورشة تدريبية في «الارتجال» ضمن برنامج إدارة المسرح التابعة لدائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، أن «المسرح بدأ بالارتجال من خلال الكوميديا المرتجلة، لكن في مركز الإبداع الفني يؤخذ ابداع الممثل طوال فترة التدريب الطويلة، ونقوم بتأطير هذه الارتجالات قبل العرض، الأمر الذي لا يترك مجالاً أصلاً للممثل بالارتجال طالما هو أفرغ ما لديه من زخم يمكن الاشتغال به في فترة التحضير».

الارتجال مهم

غياب الثقافة

قال المخرج المسرحي خالد جلال «نحن نصنع انسان المستقبل، الذي يكون لديه المام بالمسرح وثقافة تامة في زمن انعدمت فيه الثقافة، ولأن صناعة الثقافة تعد بطيئة مقارنة بغيرها من الصناعات، لذلك نحتاج إلى وقت لكسر السائد، على الرغم من ان مركز الإبداع الفني خرّج عشرات الممثلين المبدعين الذي يوجدون في معظم الأعمال المنفذة حالياً». وتقام حالياً في معهد الشارقة للفنون المسرحية، ورشة الارتجال المسرحي، التي تهدف إلى إنتاج عرض فني قصير يقدم ضمن فعاليات مهرجان «أيام الشارقة المسرحية» في مارس المقبل، وتستمر الورشة التي يشارك فيها عدد من المسرحين من تخصصات مختلفة، حتى الثامن من فبراير المقبل.

«الارتجال أصبح جزءاً مهماً في عملية التدريب المسرحي» حسب المخرج المصري، الذي يضيف أن «الممثل شريك في صناعة النص، باعتباره مبدعاً، لكن ذلك لا يتم إلا بوجود مخرج يقوم في النهاية بصياغة المسرح بشكله النهائي عبر اختزال ارتجالات الممثلين ووضعها في الإطار المناسب للعرض».

وتقوم عملية صناعة النص، كما يرى جلال، على مراحل عدة، أولاً التدريب عبر الورش المخصصة للارتجال لتفريغ طاقات الممثل الإبداعية، ثم يأتي الغزْل والانتقاء من تلك الارتجالات لتحديد ملامح الشخصية ضمن النص المرتجل لصناعة العمل المسرحي من تلك الارتجالات المغربلة، التي تعكس ذائقة وثقافة الممثل».

ويسعى المخرج من خلال النص المسرحي المرتجل، إلى صناعة ممثل، والاشتغال على الجوانب الإبداعية لديه من أجل التخلي عن ممثلي الانطباعات أو «الكليشيهات» المعروفة في التمثيل، وتحديداً في المسلسلات، مثلاً شخصية الدكتور التي صارت مكررة ومعروفة لدى المشاهد، وكذلك الرجل الغني المتعالي، والشخصية التاريخية قبل الاسلام وبعده، بالتالي يتدرب الممثل على كسر تلك الانطباعات في الشخصية والعمل على بلورتها للخروج بها عن المألوف، وكسر القيود الفنية إلى الابداع التمثيلي.

مركز الإبداع

حول مركز الإبداع الفني في مصر، قال جلال إن الدراسة في المركز تستمر لسنتين وهي مجانية، إذا ما تجاوز المنتسب للمركز اختبارات صارمة جداً تستمر لأربعة أشهر، تتم خلالها تصفية المتقدمين، الذين قد يتجاوز عددهم ‬3000 متقدم، ليتم قبول نحو ‬140 منتسباً، ويدرس في المركز مختلف أنواع الفن المسرحي من أداء درامي وغناء واستعراض ورقص، إضافة إلى كل ما هو متعلق بالمسرح من أزياء وديكورات وإضاءة، كذلك النقد المسرحي والإخراج والتأليف، من دون اغفال جانب مهم هو الارتجال والسلوكيات، إذ يتخرج ممثل جيد على المستوى السلوكي، أي ما يمكن تسميته في النهاية بالممثل الشامل.

وتابع جلال أن «مادة الارتجال المسرحي لا تدرس إلا في مركز الإبداع الفني، لذلك أخذت وقتاً طويلاً في تدريس ذلك المنهج عبر تغيير الشكل المعتاد سابقاً، إذ بات الارتجال مسموحاً في فترات التدريب فقط، بحيث يقوم الممثل بصب كل ما لديه من افكار وكلمات وعبارات تضاف إلى الحالة التي يجسدها، على ألا يزيد الممثل كلمة واحدة على النص المرتجل والمعتمد، خلال فترات التدريب، أثناء العرض المسرحي».

قهوة سادة

ثمانية أشهر كاملة استغرقتها مسرحية «قهوة سادة» للمخرج خالد جلال التي قدمت عروضها فرقة مركز الإبداع، للاشتغال على النص والتدريب على العبارات التي ارتجلها الممثلون، حيث قاموا طوال هذه الشهور بتفريغ ما لديهم من ارتجالات، وقام المخرج بغربلتها حتى تكتمل الحوارات النهائية «حيث بعدها لا يمكن ان يضيف الممثل كلمة إلى النص المتفق عليه»، كما يؤكد جلال، وذلك «حتى لا يجرح الجمهور من عبارة قد يجدها الممثل مضحكة أو فكاهية، أو ربما يقصد بها أمراً آخر غير ما وصل إلى ذهن المتفرج، خصوصاً أن الممثلين مختلفو الثقافات».

وأشار جلال إلى أن «المسرحية صناعة من الألف إلى الياء، لذلك هو لا يريد الإضافة إلى ما ارتجله خلال التدريب، كما أن هناك نوعاً من الرقابة على هؤلاء الممثلين يمارسها المخرج نفسه أثناء العرض ليتفادى ارتجالاً في غير محله، إذ إن هذا النوع من الارتجال مختلف عما كان سائداً، إذ إننا نلعب على تفاصيل شخصية الممثل نفسه، من أجل تخريج ممثل شامل، لاسيما في غياب المخرجين المختلفين الذين يركزون على التفاصيل».

تويتر