فعالياته تمزج بين ملامح الأصالة والمعاصرة.. وتــــــــــوفر خيارات متنوعة للترفيه

«دبي للتسوّق».. قـــصة مـن نسيج الفرح

صورة

بالنسبة لي كنت أعلم أنها قصة نادرة حينما التقيت بزميل دراسة طواه عن ذاكرتي النسيان منذ 17 عاماً قبل أن تجمعنا صدفة مرافقة صغارنا في فعاليات شارع الرقة تحديداً، لأكتشف أن من يصطحب طفلة في عمر الزهور بجانبي، هو مراهق الأمس الذي أضحى محاضراً في جامعة نزوة بسلطنة عمان، وادخر إجازته السنوية لتلبية رغبة «الأسرة» على حد سرده، في معايشة أجواء «دبي للتسوق».

د.الشحات وهذا لقبه لم أصادفه في شوارع مدينتي العتيقة القاهرة، وضاع هناك بعد أن افترقنا من دون موعد، وفشل الفضاء الالكتروني في جمعنا، لكن فضاء أكثر رحابة كان بانتظارنا: «شيب رأسك يا صديقي العزيز لا يسمح لك بتحدي صيد الأسماك البلاستيكية من اجل الظفر بدمية»، قلتها من خلفه همساً دون أن أتأكد تماماً أنه رفيق الأمس، لنذهب في عناق لم يفضه، سوى إلحاح صغارنا باستئناف المرح.

كنت أقرأ لصديقي المتخصص في النقد الأدبي، وتصله أيضاً كتابات موقعة باسمي، دون أن يكون هناك ظن بأن هذا الاسم مرتبط بذاك الزميل سوى أن الأمر مجرد مصادفة تشابه أسماء، وظل خيال ذلك اللقاء الذي جمع أسرتينا بمثابة قصة نادرة، ويد بيضاء من مهرجان دبي للتسوق لم تمتد لغيري في عالم الصدف التي لا تتكرر، قبل أن تطالعنا كواليسه بعشرات من القصص المتشابهة التي فرق أصحابها تشعبات الحياة، وجمعتهم صدفة لقاء في وجهة واحدة شعارها «عالم واحد..عائلة واحدة».

توقعت أن تأخذنا السنوات الـ17 إلى حنين الذكريات، في يوم دافئ ومشمس من شتاء دبي المكتسي بطقس الربيع، لكن قائمة طويلة من الفعاليات بحوزة الأسرة الزائرة كانت تلح دائماً بأن رفاهية الوقت ليست متاحة هنا، في مهرجان عمره السنوي شهر وحيد، لا تستطيع استرجاع ساعاته التي تقفز مسرعة باتجاه ختامه.

مدينة المستقبل

اختيار وجهات تتوافق عليها الأسرتان ليس أمراً صعباً لكن الترتيب الذي يتم فيه دائماً النزول عند رغبات الأبناء كان بحاجة إلى تنسيق يراعي زخم الفعاليات، ومواقع إقامتها، ومارس الصغار ديمقراطية التصويت من اجل رحلة ترفيهية بدأت منذ نقطة اللقاء بشارع الرقة، بفعالياتها الترفيهية والتسويقية، وامتدت لشارع السيف، مروراً بالمراكز التجارية التي لم يمنعها طابعها التسويقي الجذاب من استضافة فعاليات ترفيهية متنوعة، لنستدرج بعدها إلى دبي «فيستفال سنتر»، ومن ثم الوصول إلى «فيستفال بروميناد» الذي رسخ لدى الجميع قناعة، بأن أيام المهرجان ولياليه، أقصر من أن تستوعب ثراء فعالياته.

«دبي مدينة لا تنام» قالها صديقي الشغوف بالأعمال الفنية والأدبية والأجواء التراثية، في وقت قررنا استهلاك الوقت على نحو أكثر ترشيداً في اليوم التالي، من خلال تخصيص أوقات للفعاليات الأكثر جذباً للصغار، على نحو لا يعيق رغبة التسوق والاستمتاع بعروض الأزياء والموضة، وأيضاً الحفلات الفنية التي تتيحها «ليالي دبي»، في الوقت الذي يمضي الآخرون سهرات استثنائية في أحضان «المخيم البري» في سياحة تستهوي عشاق سحر الصحراء وصفائها.

حياة البدو بكل ما كان فيها من شظف العيش وتقاليده الحياتية توجد هنا، هي أولى تعليقات صديقي الزائر على فعاليات «دبي للتسوق» في قرية التراث، التي ظل يلح بأن تكون هي فاتحة وجهاتنا في اليوم الجديد، قبل أن يستطرد بحديث أقرب للهمس الذاتي في وصف المكان: «على بعد أمتار قليلة، من الملهم أن تجد نمطاً معيشياً آخر خاصاً بحياة أهل الساحل أو الحضر بمساكنهم المصنوعة من العريش وسعف النخيل، كأن الزمان قد دار بعكس اتجاه عقارب الساعة ليستقر عند عقود مضت، رغم أن دبي هي مدينة المستقبل، لكن الخلفية المكانية تؤشر إلى حداثة مناقضة عبر ناطحات سحاب شامخة وفنادق عالمية، ومظاهر احتفالية، فضلاً عن رواد توحي ملامحهم بأنهم ضيوف مكرمون وفدوا لمعايشة حدث ما».

آلة الزمن

تفاصيل الرحلة إلى المكان، الذي قاد ايضاً إلى بيت الشيخ سعيد وقرية الغوص، حرص صديقي على نقله إلى سائر أفراد أسرته في لقاء يتحدث فيه كل منهم عن مشاهداته، فآلة الزمن كما وصفها نقلته إلى زمان غير الزمان، مضيفاً: «الدخول من ابواب القرية، رغم ذلك لا يعني أنك بمقدورك التحرك فوراً كيفما شئت، أو حسبما ترشح لك المرشدة، لأنك ستصبح على الأغلب هدفاً مشروعاً لأحد المتطوعين الذين يتسابقون لضيافة الزوار بالقهوة والتمر العربيين واللقيمات وايضاً الحلوى العمانية التقليدية، وهنا لا مجال للتذرع بحمية غذائية او ما شابه لأن الإصرار على التنصل من افتراش إحدى خيم الضيافة المنصوبة لن يستتبعه سوى خسارة مزيد من وقتك المحدود».

ويستطرد: «النصيحة التي يقدمها ذوو الخبرة في التردد على المكان دائماً لمصطحبيهم هي عدم إضاعة مزيد من الوقت في متابعة فعالية بعينها، لمحدودية عدد الساعات التي تستقبل فيها القرية زوارها، لذلك فإن عروض العيالة والرزفة التي تستقبلك يجب ألا تقتنص أكثر من دقائق لا تتجاوز عدد أصابع اليدين».

وحسب الصديق الزائر فإنك «إذا كنت قد بدأت بالفعل رحلتك الاستكشافية في ماضي دبي، وتوقفت عند ذلك الرجل الذي يقوم بفتح المحار بمهارة وسرعة فائقتين، فإنك إذا أمام متطوع يحاول تعليم المتحلقين حوله الطرق المثلى لفتح المحار، وكيفية الاستدلال والوصول إلى ما قد يحتويه من (اللولو) الذي كان يمثل قيمة اقتصادية كبرى في حياة الأجداد، وربما يضيف لك عبارات تعيدك ثانية إلى عالم ما وراء أسوار المكان»، متمتماً «سيظل لهذا اللولو المستخرج من محار الخليج العربي لدينا قيمة خالدة، رغم اجتياح نظيره المزروع والمصنوع لأسواق العالم»، لكنه حتماً سيقطع حديثه بابتسامة ترافقها إشارة إلى «لولو» يؤشر إليه من داخل محاره مسترسلاً «انظر إلى بديع صنع الخالق».

حكاية دبي

مقومات القصة أو الرواية بكامل شروطها الفنية لا تغيب عن صديقي، لكنه هنا ينقل رواية من واقع مهرجان دبي للتسوق، فيستكمل «وإذا اردت الحصول على معلومات أكثر عمقاً عن رحلات استخراج المحار والبحث عن (اللولو) وتقاليدها وشروطها، فإن ذلك الرجل الحامل لمهنة الأجداد مستعد لذلك، وربما لجأ إلى تشغيل اسطوانة مدمجة من أجل تسهيل المهمة، في مواءمة جديدة بين الأصالة والمعاصرة تعرفها نهضة دبي الحديثة معلماً أساسياً».

الاسترسال في الحديث هذه المرة كان يعني أن يقود الرجل أسرته إلى ملحمة أخرى في السياق المكاني ذاته، مضيفاً «لكن رائحة البحر التي يحملها المحار مرشحة للتلاشي عندما تتسلل رائحة الرقاق الذي ينضجه تنور الوالدة فاطمة، و(الشباب) والخمير التي يتم تسويتها بالطريقة ذاتها التي استخدمها الآباء والأجداد قبل اكتشاف النفط، أما (اللقيمات) فهي عسل الماضي الذي إن ترددت في طلبه فإن الوالدة موزة إحدى أمهر صانعاته ستحثك من تحت برقعها وبصوت يكاد يكون مسموعاً ألا تفوت مذاقه اللذيذ وفوائده المتعددة».

الجديد الذي تجده هنا هو أن الجميع مستعد للبوح بأسرار مهنته، وهو ما يقمن به بشكل عملي عبر كتابة مقادير ووصفات الطعام التقليدي بشكل مفصل في مكان بارز أمام البسطات التي يفترشنها، أملاً في معاودة حضور تقاليد المائدة الإماراتية وبعض وجباتها التراثية، التي تجد إقبالاً شديداً من الجميع هنا، كأن قرار العودة إلى الماضي أصبح في هذا الحيز الزمني والمكاني جماعياً.

الخروج من هذا العبق التراثي ومواصلة التعايش مع عروض وفعاليات المهرجان يجسد من وجهة نظر متابعها مزاوجة نادرة بين ثنائية الأصالة والمعاصرة، يستطرد الصديق الزائر، وهنا أحد الملامح الأساسية لعبقرية المهرجان الملهمة، فالتسوق ليس هو القيمة العليا لمهرجان يحمل اسمه، بل الأسرة التي أعلن عملياً أنها محور اهتمامه الأول، عبقرية تجمع بين أصالة الماضي في أروع تجليات تواصله مع الحاضر، ومعاصرة تسمو متطلعة إلى مستقبل، لا يجسده برج خليفه كإعجاز معماري عالمي، بقدر ما تعكسه قيم تنسج وصالاً بين الزمان والمكان، عنوانه دانة الدنيا، وزمانه توقيت إقامة مهرجان دبي للتسوق.

صديقي الذي يهم للمغادرة في يوم الإعلان عن اختتام فعاليات مهرجان دبي للتسوق، لم ينس أن يؤكد لي أن قصص الوفاء لهذا المكان الذي أضحى جامعاً للصدف السعيدة ليست مقتصرة على كل منا، قبل أن يذكرني بمصادفة أن الرقم ،17 الذي يؤشر لسنوات لم تجمعنا فيها المصادفة، هو أيضاً الرقم الذي يحيل إلى دورة المهرجان الحالية، لكنه أباح لي بغير سر: «أنا من خططت لقضاء إجازة الربيع في دبي خلال شهر عُرسها.. أقصد مهرجانها المضيء بقصص من نسيج الفرح».

تويتر