فنانون حملوا أعمالهم من كل جهات العالم
بينالي الشارقة.. فن في كل مكان
«الفن في كل مكان»؛ العبارة التي تختصر الكثير من الكلمات في وصف الشارقة منذ أيام مع انطلاق الدورة الحادية عشرة لبينالي الشارقة، الذي يستمر نحو شهرين، خصوصاً بعد ربط منطقة الفنون بمنطقة التراث بشارع البنوك وصولاً إلى ساحة الخط، وكل ذلك في سياق الاعتراف بأهمية الفنون، وإعلاءً لدورها الحيوي في الارتقاء بالمجتمع.
والمميز في تلك المناطق أن كل واحدة تضم نخبة من الفنانين ومن الأعمال الفنية الجادة التي تستحق تسليط الضوء عليها، إذ أن هناك تجارب فنية مهمة يمكن من خلالها اكتساب الخبرات نتيجة الاحتكاك مع هؤلاء النخبة من الفنانين الذي جاؤوا من أماكن متفرقة من العالم، لكن هذا لا يعني الانقاص من أهمية المشاركة المحلية، سواء لفنانين إماراتيين أو عرب وأجانب مقيمين في الدولة.
ولعل ثيمة البينالي لهذا العام، التي هي بعنوان «نهوض- نحو خارطة ثقافية جديدة»، متجسدة في كل الأعمال المعروضة في المناطق الفنية التي شهدت توازناً حقيقياً من ناحية الأعمال وتنوعها، ففي كل منطقة هناك الفن المعاصر والحديث، وكذلك التقليدي بمختلف المدارس الفنية.
ولأن البينالي صنف المناطق الفنية بألوان أربعة هي الأحمر والأزرق والأخضر والبرتقالي، كل بحسب منطقته، سواء المنطقة المساحات الفنية الجديدة الخاصة لمؤسسة الشارقة للفنون أو ساحة الخط العربي أو منطقة شارع البنوك، وفي النهاية منطقة فنون الشويهين، ما ميز طريقة العرض استخدام البيوت القديمة لتكون غرفاً وساحات لاحتواء تلك الأعمال الهامة.
المنطقة الزرقاء
|
مصلى وعريش ليس بعيداً عن بيت الشامسي، هناك مجموعة من الأعمال الفنية معروضة في متحف الشارقة للفنون، منها عمل الفنان سعدان عفيف بعنوان التراث، وهو كرسي مصنوع من العريش. وقد تأثر الفنان عند زيارته الأولى للشارقة بسعف النخيل وبيوت العريش وكل ما يصنع من ذلك السعف، وطلب عفيف من شركة منتجة للأثاث المصنوع من أوراق النخيل في الشارقة اتباع تعليمات المصمم الايطالي إنزو ماري قدر الإمكان الموجودة في كتيبه لعام 1974 (عرض للتصميم الذاتي)، الذي يحتوي على إرشادات لتصميم الكراسي والطاولات والرفوف الأساسية. إذ ينصب جزء من اهتمام عفيف على ملاحظة التعديلات اللازمة، ويصاحب الأثاث الناتج النص المكتوب لمقابلة أجراها مع صانع العريش، وصيغة الجمع لعنوان المشروع يؤكد وجود طبقات مختلفة من التراث الذي يشير إليه المشروع، الذي يبني جسراً بين التقليد والحداثة. أما الفنان الإماراتي عمار العطار، فقد قدم 20 صورة فوتوغرافية بعنوان «مصَلى»، يؤرخ من خلالها العطار بيئته المحيطة والمشاهد المعاصرة، ذاهباً لما هو مجرد وثائق والتعامل مع القضايا التي تؤثر في النسيج الاجتماعي في الإمارات. وفي هذا العمل، يستعرض العطار المصليات عبر الإمارات، الأجزاء الداخلية عادة ما تكون متواضعة لتنسجم مع التعاليم الإسلامية وتتباين مع ثراء المشهد الخارجي للعمارة، ويتجلى السكون والثبات في تلك الأماكن البديلة، ما يرتقي بها من غرف عادية صماء داخل مراكز تسوق ومراكز أعمال إلى أماكن مقدسة روحانية الكل فيها سواسية، ويكفل الإحساس بالنظام والتجمع انعزالاً عن الصخب الشديد للتطور المدني الخارجي. |
للمنطقة الزرقاء مكانتها المهمة، كونها تضم أهم المواقع الفنية في الشارقة، ومنها ساحة الفنون، ومتحف الشارقة للفنون، ومبنى المقتنيات، إضافة إلى بيت عبيد الشامسي، وبيت السركال، التي تضم مراسم الفنانين التشكيليين.
أما عن ساحة الفنون فقد ضمت عملين للفنانة اليابانية ميكي كاساهارا بعنوان «متنزه ترفيهي» عبارة عن خمس منحوتات من البلاستيك المعزز بالألياف الزجاجية والحديد، إذ تستوحى كاساهارا أعمالها من الحياة اليومية وتناقضات المجتمع المعاصر، من خلال شخصيات ثلاث يستعرضها العمل هي شخصيات جالبة للحظ ابتكرتها لأغراض دعائية بحتة منذ سنوات عدة للوكالة اليابانية للطاقة الذرية، غير أن شهرة تلك الشخصيات ذاعت في اليابان بعد كارثة فوكوشيما النووية التي وقعت قبل عامين نتيجة الزلزال الذي أصاب اليابان، وفي هذا العمل، قامت الفنانة بتحويل تلك الشخصيات الكرتونية إلى ألعاب يمكن للأطفال امتطاؤها، وعلى جانب كل لعبة منها هناك علامة تحذير، يتجاهل البعض الخطر المحتمل، ويضعون أطفالهم على تلك الألعاب، بينما ينتبه البعض الآخر إلى تلك العلامة التحذيرية ويتصرفون وفقها.
كثافة فيديو
ليس بعيداً عن ساحة الفنون، هناك 20 فناناً عربياً وعالمياً اجتمعوا في غرف بيت السركال، لتقديم أعمال فنية متنوعة، منها أعمال الفيديو التي كانت موجودة بكثافة في هذه الدورة، مثل عمل المؤامرة تتعدى الاستهلاك للفنان محمد عبدالكريم، وهو فيديو ملون «عرض مرئي مع صوت»، لمدة ست دقائق، مع كتاب، إذ بدأ عبدالكريم هذا المشروع في طوكيو، وقام بالتصوير هناك، ويروي الفيديو والكتاب ثلاث قصص مستوحاة من الحياة اليومية، تصف المؤامرات المزعومة، ويحاول الفنان توريط المشاهد في تلك القصص.
فيما تمكن الفنان التركي براق أريكان من خلال برامج متخصصة «على الإنترنت» من عمل شاشة تفاعلية، عرض من خلالها الليبرالية الجديدة، وهو عمله الفني، الذي وظف أريكان قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية كمعطيات لإنتاج خرائط شبكية، بحيث يجعل ديناميات القوة مرئية وقابلة للنقاش.
ويجسد هذا العمل «استبيان» وبرنامج حاسوب لكي يلتقط العلاقة بين علاقة السكان الذاتية مع الليبرالية الجديدة في الإمارات وفي بلدانهم، ويتم استعمال البيانات التي يتم الحصول عليها حتى افتتاح بينالي الشارقة، لخلق شبكة من الرسوم البيانية، وتلك الخرائط المطبوعة تعرض في البينالي، ومع استمرار الناس في الإجابة عن الأسئلة خلال أيام البينالي، فإن قاعدة البيانات تتوسع، ويتم تحديث النسخ الرقمية على الدوام، خصوصاً أن هذا العمل نفذ بتكليف من مؤسسة الشارقة للفنون.
أما «اتجاهات» الفنان التونسي إسماعيل بحري، فهي عمل فيديو يسير في ذات النسق مع بقية أعماله، التي يهتم من خلالها الفنان بعلم الظواهر وتصور أعماله من لوحات وصور وفيديوهات تجارب صغيرة، وفي عمل «اتجاهات» تتبع الكاميرا يداً وهي تحمل بحذر كوباً مملوءاً بالحبر، وتمضي بها في شوارع تونس، ونسمع صوت حركة السيارات، لكننا لا نرى سوى اليد، والحبر ورصيفاً غير مُسوّى.
ومن وقت إلى آخر ينخفض الكوب إلى مستوى الأرض، وتقترب عدسة الكاميرا لالتقاط المشهد من الأعلى المنعكس في الحبر، الذي يظهر علماً يرفرف، وشجرة جافة ولوحة إعلانية ملونة، وعبر هذا الجهاز البصري البسيط تتسع رؤيتنا للمدينة، إلا أننا لا نراها إلا في لقطات متقطعة.
أعمال تركيبية
يقدم الفنان الألماني ثيلو فرانك عمل الصخرة اللامتناهية، وهو مكون من مواد مختلفة، منها الفولاذ والألمنيوم والقماش والمرايا الزجاجية، إضافة إلى الخشب والحبل الضوء والأرجوحة، ويفسر عمل فرانك الظواهر المادية والبيئية اليومية ضمن سياقات جديدة تؤكد تصوراتنا عن الضوء والمكان والحركة بطريقة شاعرية ومرحة.
ويعد «الصخرة اللانهائية» موقفاً قوياً يوضح الإشراق المؤكد للنسيج العربي المدني، من خلال وحدة داكنة تمتص كل الضوء، وتبتكر تياراً بصرياً يرتسم عند الزائر، ويتمكن شخص واحد فقط من الدخول في كل مرة، من خلال فراغ مظلم وكهفي ويظهر باباً في المشهد، في الجانب الآخر هناك وهج لخط من صفوف المرايا، وأرجوحة مفردة في المركز.
ويكشف داخل الصخرة المتعددة الأسطح وغير المنتظمة الجوهر التقليدي المثالي الذي يكون من الصعب فهمه من خلال حدوده المتلاشية وانعاكاساته التي لا حصر لها.
وفي عمل تركيبي آخر، يقدم الفنان الإماراتي ناصر نصرالله مشروعاً محول القصص، وهو مشروع تفاعلي مستمر، إذ تتم دعوة زوار المعرض لكتابة كلمات شخصية على بطاقات أُخفيت داخل صندوق صُنع خصيصاً لذلك، إذ لا يمكنهم رؤية البطاقات أثناء عملية الكتابة.
بعدها يقوم نصرالله باستخدام هذه النصوص المكتوبة أو «الخربشات» لإنشاء رسومات، حيث يجمع بين المواد التي حصل عليها وبين تجاربه وأفكاره الخاصة، ويتحول الصندوق الأسود إلى آلة تعمل على تحويل المدخلات إلى مخرجات، إذ يتم عرضها بعد ذلك بجانب بعضها بعضاً، ويحصل الزوّار، مقابل مشاركتهم، على مذكرة صُنعت يدوياً تم تكوينها من الورق المعاد تدويره.
فيما قدم الفنان المصري أيمن رمضان عملاً تركيبياً بعنوان «الوضع مائع»، إذ أخذ العمل عنوانه من عبارة صدرت عن البيت الأبيض بعد فترة وجيزة من بداية الثورة المصرية في 25 يناير، إذ قام رمضان بصنع لافتة تبرز العبارة، ثم التقط لها صوراً فوتوغرافية بعد وضعها في أماكن مختلفة في أرجاء القاهرة، بعدها أنتج المزيد من اللافتات وأرسلها إلى أصدقاء له في الخارج، وقام كل من هؤلاء بالتقاط صور للافتة نفسها في المكان الذي يختارونه. بينما يمكن ملاحظة لافتة الشارع في شكلها الجمالي البسيط في كل مكان في العالم، إذ يسهل الوثوق بأنها تمثل حقيقة رسمية، لكن في العديد من تلك الصور الفوتوغرافية تبدو اللافتة عديمة المعنى، مثل الكثير من الكلمات والرموز التي تتلفظ بها السلطات.
ألغام ومصائد
قدم الفنان مروان رشماوي لوحة أكريليك بعنوان إزالة الألغام، والعمل هو جزء من سلسلة «أشياء وجدت»، التي تصور القنابل العنقودية التي جمعت بعد حرب لبنان 2006، وكذلك الطاقم الذي قام بجمعها، الأعمال تستفيد من تقنيات الطباعة وقطع المطاط لتحديد جماليات هذه الأشكال القاتلة، هذه القطعة بالتحديد تظهر عضواً من المؤسسات غير الحكومية النرويجية المتخصصة في إزالة الألغام والقنابل العنقودية، وهو يكشف عن قنبلة مغرية.
أما الفنان اللبناني خالد سبسبي، فقدم عمل فيديو مع عمل تركيبي، بعنوان الطريقة النقشبندية لضاحية غريناكر، إذ يعمل الفنان على الحدود والثقافات والضوابط ليبتكر أعمالاً فنية تتحدى الإجراءات والمبادئ المتطرفة.
بيت الشامسي
أما في بيت عيد الشامسي، فقد قدمت الفنانة الإماراتية زينب الهاشمي حالة دوران العقل، وهو عنوان عملها التركيبي، إذ تروي الهاشمي قصصاً في أعمالها، مستكشفة بمواد وتقنيات جديدة في كلّ عمل تنخرط فيه، وغالباً ما يخرج عملها من تقاليد الإمارات، لاسيما من الحرف اليدوية، إذ في مشروعها «حالة دوران العقل» تستخدم مصائد السمك التقليدية التي تصنع من المعدن، والمعروفة باسم «غرغور»، لتشكل هيكل القبة الأساسية، يكشف هذا العمل احتمالات جديدة للتعاون بين الفنانين والحرفيين، حفاظاً على عناصر الثقافة الإقليمية.
كذلك، قدم الفنان الياباني فوميتو أورابي، عمل الانجراف من خلال المراكب الشراعية 4، والعمل التركيبي قائم على فكرة الفنان في جمع الأشياء التي يعثر عليها ويستخدمها أساساً لأعماله التركيبية ورسوماته، كذلك هناك فلسفاته، منها أن البشر يمتلكون الأشياء بشكل مؤقت وحسب، فالأرض والأشياء وحتى أجسادهم لا تنتمي إليهم إلى الأبد.
ويحاول فوميتو نقل هذه الحقيقة من خلال الأشياء التي يقوم بجمعها، وتمثل الأصوات غير المسموعة للخشب الطافي والأحجار وقطع الورق المبتورة وغيرها من الأشياء المهملة قوام عمله، إذ إن كل شيء له وجود في العالم يكون في حالة تدفق، وكل البشر وكل الأشياء متصلة ومرتبطة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news