عبداللطيف المناوي ويومياته عـن كواليــــس الثورة المصرية
شاهد من «ماسبـيرو» يروي «الأيام الأخيرة لمبارك»
- «حسين قررت أن أفوّض المسؤولية كاملة لك وللجيش.. أنت صاحب السلطة الآن».
-- أجاب طنطاوي: «لا يا سيادة الرئيس، سنجد وسيلة أخرى، لم يكن هذا ما نريده».
-- لا، أجابه مبارك. وأضاف: «هذا قراري. تحدث مع عمر سليمان ورتبوا كيفية إعلان هذا النبأ. خلي بالك من نفسك يا حسين».
لم يكن هذا الحوار مشهداً في مسلسل هشّ السيناريو، بل كان حديثا هاتفيا بين الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك، ووزير دفاعه المشير محمد حسين طنطاوي، نقله، أو ربما تخيله، عبداللطيف المناوي في كتابه «الأيام الأخيرة لنظام مبارك»، الذي يروي فيه شهادته على أحداث 18 يوما، دارت خلالها أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير.
من أين حصل رئيس قطاع الأخبار السابق في التلفزيون المصري، عبداللطيف المناوي، على نصّ المكالمة، وغيرها كثير في الكتاب؟ وكيف أتى بهذه الدقة في النقل، إذ حرص على وضع كلمات المتهاتفين بين أقواس، ليظهر أنه ناقل «أمين»، لاسيما أنه يغرّد طوال صفحات كتابه بقيم الحيادية والموضوعية والمهنية، وأنه أحد الإعلاميين الحريصين عليها، رامياً بسهام نقده كل صحافي لا يتحلى بتلك القيم.
الشهادات، حول ثورة الخامس والعشرين من يناير، كثيرة وفوضوية، لكن الجديد في «الأيام الأخيرة لنظام مبارك»، الصادرة أخيرا عن الدار المصرية اللبنانية، أنها تأتي من الطرف الآخر، من «ماسبيرو»، وليس من «ميدان التحرير»، تأتي من شخص عايش صنّاع القرار في تلك الأيام، واطلع، على الأقل حسب روايته في الكتاب، على كواليس أفراد المعسكر الآخر، وطريقة تعاطيهم مع الأزمة، وحوصر في المبنى الدائري على النيل، مبنى الإذاعة والتلفزيون، حيث التلفزيون الرسمي الذي ظل مدافعا عن النظام حتى قبيل سقوطه بلحظات.
لا أسرار
|
محاولة «تأدّب» في كتاب عبداللطيف المناوي، يلفت النظر، في استهلال كل فصل، لجوء المؤلف، أو من حرّر له الكتاب، إلى منحى يحاول أن يكون قصصياً «متأدبا»، يعمل على إضفاء جو الزمان والمكان أولا كمقدمة للحدث، ففي مفتتح فصل بعنوان 25 يناير يقول المناوي: «ليناير أجواء خاصة في مصر، نهاره دافئ، لكنه ليس حارا.. ليله بارد، لكنه ليس شديد البرودة.. شمسه ساطعة، لكنها ليست حارقة. يناير في حياة المصريين أيضا، يمتلك رائحة الإجازات، فهذه الفترة، التي هي إجازات منتصف العام الدراسي يستغلها معظم المصريين في زيارة الأقارب وفي السياحة الداخلية..». فالتكرار والاستدراك شوّه الصورة التي حاول أن يمهد بها الكاتب لما سيرويه من أحداث ملتهبة «لكن ليست طازجة». ويبدو أن عبداللطيف المناوي حاول أن يسير على خطى الكاتب محمد حسنين هيكل، لكنه لم يستطع. أبى صاحب «الأيام الأخيرة لنظام مبارك» أن يستهل شهادته ويختتمها بصورة عادية، ففيهما «تهديد ووعيد»، ودعوة لقراءة التاريخ، إذ يعود المناوي إلى ما قبل الميلاد، إلى زمن فرعون قديم عاش قبل 45 قرناً، حكم مصر 94 عاما، وثار عليه الشعب، وبقيت البلاد من بعده في هرج ومرج لنحو ثلاثة قرون، ولذا يقول المناوي «وأخشى ما أخشاه أن تمر مصر بعد انتفاضتها الثانية إلى مرحلة مشابهة بمعايير الحاضر، ذلك بسبب تلك الحالة من الفوضى التي دخلتها البلاد بعد انهيار نظام مبارك».
|
بعيداً عن المكالمات المتخيلة، عليك كقارئ أن تخفف من سقف طموحاتك، ولا تتعشم كثيرا في أن عبداللطيف المناوي سيفتح خزانة اسرار، ويمنحك معلومات خطرة، تغير وجهة نظرك في الثورة المصرية، وتجعلك تعيد حساب الأمور، وتحللها من جديد، إذ إن المؤلف يكرّر كثيرا من الأحداث، كما نقلتها وسائل الإعلام المختلفة، بل يعود هو الآخر في سرد يوميات الثورة إلى أرشيف الصحف، يسترجع شهادات أناس عاديين، وتصريحات مسؤولين وقادة أحزاب وجماعات، لكي تكثر صفحات الكتاب، ووسط ذلك الحديث المعاد، قد تأتي إحدى «لمحاته» الخاصة، أو عثوره مصادفة على معلومة ما من مصدر من مصادره المطلعة، وما أكثرها في الكتاب، دونما إفصاح عن أسماء بالطبع.
وربما يمت لـ«موضوعية» المناوي في الكتاب أيضاً ما كان يرويه بالتفصيل عن كل ما يدور في ميدان التحرير بين المتظاهرين، رغم أن الرجل كان معتكفا، او محاصرا أحيانا، في مكتبه بقطاع الأخبار، يرفض ترك المكان، معتبرا نفسه في مهمة وطنية، وأنه يقوم بخدمات جليلة للبلاد، حتى ولو أتته رسالة من إعلامي بحجم حمدي قنديل تستحثه على ترك ذلك المكان الذي ينشر «الدعارة الإعلامية».
يقول المناوي: «قرأت الرسالة، وأمعنت فيها طويلا، فقد جاءتني اتصالات مختلفة من زملاء واصدقاء ومعارف يطلبون مني مغادرة المكان، وإعلان الاستقالة، إلا أن هذه الرسالة أيضا جعلتني أتوقف طويلا أمامها، وكان ردي عليها الذي لم أرسله إلى حمدي قنديل، ولكني قلته لنفسي مرة أخرى: إني هنا لا أخدم أحداً إلا هذا الوطن، ولا أفعل إلا ما أراه لمصلحة الوطن، وإنني مسؤول في وضع المسؤولية، وطالما أنني قبلت هذه المسؤولية ووضعت في هذا الموضع، فلا أملك إلا أن أستمر حتى تحسم المسألة، وبعدها لا أظن أنني سأبقى في هذا المكان، لأن مسؤوليتي تجاه هذا الوطن تفرض علي ألا أرحل عن السفينة وهي تغرق».
وبالفعل غرقت سفينة رموز النظام، لكن البعض كان متحسباً لتلك اللحظة، مؤمّنا أطواق نجاة، ومن بينهم عبداللطيف المناوي الذي ظل في موقعه في اتحاد الاذاعة والتلفزيون المصري لفترة بعد سقوط النظام السابق، وظهر أنه كان رجل كثيرين في هذا المكان، وليس رجل جمال مبارك أو أنس الفقي فحسب، كما ظن البعض، وكما أشار هو في كتابه.
انشغل المناوي في كثير من صفحات كتابه بالغمز واللمز في أسماء ارتبطت بالثورة المصرية، بصورة غير مباشرة، بالاعتماد في الهجوم مرة على اقتباس من جريدة غربية، أو الاستدلال بتقرير من جهة ما، ليبدو أن الكاتب يستند إلى حقائق، وليس إلى كلام مرسل. يتبنى صاحب الكتاب وجهة نظر النظام السابق في كثير من الصفحات، إذ لا يرى «الخطايا» التي ارتكبها النظام خلال الثورة، ولا حتى دماء الشهداء، بل يقدح في بعضهم، ويرى أن تهويلا كبيرا حدث في ذلك الأمر تحديداً.
استعراض
تكاد تخلو شهادة «الأيام الأخيرة لنظام مبارك» التي تقع في 462 صفحة من حرارة اليوميات الذاتية والشهادات الشخصية، التي من المفترض أن تمزج بين الخاص والعام، بين الذاتي والموضوعي، يسرّب فيها الكاتب جزءا من نفسه، ويبوح بصدق، كيما يبني جسور تواصل مع القارئ.
فصاحب الشهادة لم يتطرق للمنطقة الذاتية إلا قليلا، وحينما كان يعرّج عليها، كان يصطنع ذلك بأسلوب لا يخلو من الاستعراض، فمثلاً هو لم يترك «ماسبيرو» طوال فترة الثورة، وكان لا ينام إلا سويعات في مكتبه، ترك عائلته، واستقر في المبنى المحاصر، اهتم، كما روى، بتوصيل صوت المصريين المستغيثين من الانفلات الأمني، والعمل على تأمينهم من قبل الجيش الذي كان بينه وبين المؤلف خطاً مفتوحاً. رسم المناوي في الكتاب لنفسه صورة الشخص النافذ، المعارض لوزير الإعلام، حاول أن يضفي على ذاته هالة الإصلاحي في المكان والزمان غير المناسبين، وأنه بذل قصارى جهده للقيام بكل مسؤولياته في تلك المرحلة الحرجة من عمر الوطن.
كما كان لمؤلف «الايام الأخيرة لنظام مبارك» وقفات خاصة مع الخطابات التي ألقاها الرئيس السابق، إذ تحفظ على بعضها، ورأى أنها كانت سببا في سقوط النظام، رغم ان مبارك كانت أمامه فرص كثيرة لكي يحول الدفة لمصلحته، خصوصا بعد ذلك الخطاب العاطفي الذي محته موقعة الجمل، ويروي المناوي أن بعض نقاط ذلك الخطاب كانت بتوجيه منه إلى وزير الإعلام حينها أنس الفقي، والذي بدوره وضعها تحت عين جمال مبارك. لكن المفارقة ان بعض الخطابات التي حاول وضعها عبداللطيف المناوي كبدائل لخطابات مبارك، كانت رديئة وركيكة، ولا تحمل أي مضمون جديد عن المسار الذي سلكته خطابات مبارك الأصلية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
