« الحرب الأهلية » من جديد في رواية الدويـــــــهي « شريد المنازل »
لماذا يقتلون «أمــلاً كامل الأوصاف»
لماذا قتلتَ أملاً كامل الأوصاف بعدما شرّدته سنين طويلة؟ سؤال ربما يوجهه قارئ رواية «شريد المنازل» إلى كاتبها اللبناني جبور الدويهي، ومن حق الأخير أن يرد: هم، وليس أنا، من قصفوا عمر ذلك الشاب «فسحة السلام»، ابن العائلة المسلمة، وربيب الأسرة المسيحية، والـ«هم» هنا، ضمير يدين كل متعصب طائفي اشترك في صنع مأساة وطن، وجعل من بطاقة الهوية معبراً إما إلى الحياة، أو إلى الموت.
تبدو رواية الدويهي، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، معزوفة مكثفة الأسى، خصوصاً نهاياتها المعتقة بالحزن، إذ يقتل بطل الرواية (نظام العلمي) في لحظة اكتملت معالمه فيها، وكبر الطفل وصار شاباً يملأ العين، في لحظة امتلأت حياته بالمغامرات والحكايات والنساء كذلك، جسّد «نظام» مساحة مضيئة في مدينة مظلمة، شاب طيب في وطن شرير، وفي ذلك التوقيت تحديداً يقع البطل في قبضة المفتشين عن الهويات، ويكون مصيره التعذيب والقتل، وكما دخل إلى بيروت للمرة الأولى معمداً بالدم، خرج منها كذلك، ولم تنته مأساته بعد مقتله، إذ إن من خذلوه حياً، خذلوه ميتاً أيضاً.
|
أعمال
ولد الكاتب اللبناني جبور الدويهي في منطقة زغرتا، شمال لبنان، عام .1949 حصل على إجازة في الأدب الفرنسي من كلية التربية في بيروت، وعلى دكتوراه في الأدب المقارن من جامعة باريس الثالثة (السوربون الجديدة). ويعمل استاذاً للأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانية. شارك بكتاباته النقدية في العديد من الصحف والمجلات الأدبية، خصوصاً الصادرة بالفرنسية في لبنان. من أهم أعماله: «الموت بين الأهل نعاس» مجموعة قصصية، .1990 «اعتدال الخريف»، رواية، .1995 «ريا النهر»، رواية، .1998 «عين وردة»، رواية، .2002 «مطر حزيران»، رواية ،2006 ووصلت إلى القائمة القصيرة للبوكر العربية أيضاً. وآخر أعماله «شريد المنازل» حازت جائزة مؤسسة حنا يواكيم في لبنان. |
في شكل مميز، ظهر بطل «شريد المنازل» نمطاً مختلفاً، اسماً وشكلاً وسيرة حياة، عجينة بشرية لا تصلح إلا في الروايات كي تدين الواقع، مسامح مسالم محب للناس، على صنوفهم وأشكالهم كافة، مكانه «المدينة الفاضلة»، وليست طرابلس، أو حورا، أو حتى المدينة الصغيرة التي يتصارع فيها العالم، بيروت، حيث الجميع مختلفون على كل شيء، حتى في وصفة علاج لكدمة قدم بسيطة، هل يضع صاحبها قدمه في ماء بارد أم ساخن؟
من جديد تؤرخ الرواية للحرب الأهلية، تمزج بين المروي الحقيقي والمتخيل، تخترع شخوصاً، وتستند إلى قصص مازال أصحابها مفجوعين بالفقد، تخلق شخصية تبقى في الذاكرة، كان معولا عليها أن تكون أملاً يربيه كل الأطياف، لكن لا يصمد ذلك سوى عمر قصير، إذ يشرد ويقتل في عز شبابه.. قاوم نظام وحاول أن ينجو من كل ما يحيط به، فلت من براثن متعصبين ليقع في قبضة آخرين، دافع عن ذاته في البداية، وحينما لم يجد هناك محيصاً استسلم ولم ينطق وهم يعذبونه، ويفتشون في قلبه عما يشبهم، وجدوا بطاقة الهوية، وتطلعوا في الاسم، وكتبوا نهاية «نظام».
تائهون آخرون
ليس نظام العلمي الشريد الوحيد في الرواية، إذ توجد نماذج أخرى، تشير إلى صور مختلفة من التيه، وإن كان نظام «شريد المنازل» فهناك «شريدو أوطان» غيره تقطعت بهم السبل، وضاقت عليهم بلدان عدة، وليست أوطانهم الأصلية فحسب، فمن بين شخوص الرواية، عراقيون يبحثون عن مأوى، ويستقرون في لبنان بشكل مؤقت، ويعيشون فيها على حد التهديد والخوف ويأملون بمستقر أكثر أمناً. وهناك أيضاً أوليغا الروسية اللبنانية، التي ارتحلت إلى غير مكان، ثم عادت إلى بيروت، ومع اشتعال الحرب الأهلية، ترجع لتعاود كرة الرحيل من جديد، ولتسافر في سفينة ضمت كثيرين من رفاق بطل الرواية.
تبرز في «شريد المنازل» الصادرة عن دار النهار اللبنانية في ،2010 فسيفساء بشرية، وعالم من الطبائع والمعتقدات، تنوع كان من الممكن أن يصنع واحة جميلة بأطياف مختلفة، شريطة أن تخلو القلوب من التعصب، فوالد نظام الثاني مثلاً، الذي قام بتربيته، وأحبه كابن حقيقي، توما المسيحي، يبحث كل عصرية عن إذاعة القاهرة، ليستمع إلى صوت القارئ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، وهو يتلو سور القرآن المختلفة.
لكن نماذج نظام الابن، وتوما الأب المربي في الرواية قليلة، فالحياة خارج هذا الحيز مملوءة بالنماذج الأخرى التي تصنف المرء وتتعامل معه على أساس الدين والطائفة، وليس بوصفه إنساناً، بوادر التعصب ظهرت في الستينات، واشتعلت نارها الطائفية في السبعينات، قسمت بيروت إلى شرقية وغربية، حواجز وتفتيش ورصاص يطرز الهواء، وسفن من هنا وهناك تربض على السواحل، وطائرات إسرائيلية تقصف من الجو، ومخابرات من الشرق والغرب، تحيك مؤامراتها، وتدعم طائفة أو جماعة بعينها.. كل ذلك، وغيره تعرج عليه رواية «شريد المنازل»، وتجسده حكاية نظام العلمي، الذي قتل خلال تلك الحرب، وحفلت حياته رغم قصرها، 23 عاماً، بالأحداث والتفاصيل الكثيرة، لاسيما أنها كانت بمثابة نافذة على طبائع طوائف وملل عدة، وسلطت الضوء على سمات كل «فسطاط».
دخل نظام حياة جيرانهم (توما ورخيمة المسيحيين المارونيين) مبكراً، بعد انتقال عائلته إلى حورا، اطلع على تلك الحياة المغايرة، ذهب مع والديه الجديدين إلى قداسات وآحاد، انتقل بعد ذلك إلى بيروت للانتساب للجامعة، لكنه وجد أخرى، اختلط بالناس، واستمع إلى دروسهم عن الحياة، وجد نفسه بلا ترتيب وسط تنظيمي شيوعي، وعدد من الرفاق المختلفي المشارب والصفات، تدرب على السلاح في أحد المخيمات، واشترك في تظاهرات. صحب نساء عدة، لكنه عشق واحدة، جنان الفنانة التي اختطفتها الحرب الأهلية هي الأخرى. تنوعت ملل وديانات كل أولئك الرفاق وكذلك الصديقات، لكن كل ذلك لم يشكل مقياساً لذلك الشاب «اللامنتمي».
نحت
يشتغل صاحب «اعتدال الخريف» و«مطر حزيران» على اللغة طويلاً في «شريد المنازل» (253 صفحة) يعدد من صورها وأنماطها، يغزل جمله وفقراته بتؤدة شاعر في صفحات كثيرة، لا يستريح لأول قطاف من الكلمات يأتيه، يظل ينحت، بحب بادٍ في الرواية، في اللغة كيما يصل إلى مبتغاه الجمالي.
أحياناً تتوالى الأوصاف وتبرز الأسماء، وأخرى تحل بدلاً من الأفعال التي تأتي في جمل قصيرة، تجعل القارئ يلهث وراء حركاتها المتوالية، وقفزاتها السريعة الوقع.
تشف لغة «شريد المنازل» في محطات كثيرة، خصوصاً تلك التي تحاول رسم لوحة لأمكنة عدة حلت فيها الرواية، وكذلك في لحظات الحب التي كانت تسيطر على قلب العاشق «نظام» لـ«جنان»: «أيامه معلقة، تغيب عنه فيحاول الكتابة إليها هي طلبت منه تقول إن مفتاح قلبها الكلمات، عبارة جميلة مناسبة لمزاجها وتستسلم. ينتهز فرصة فراغ الشقة ليتمدد فوق السرير، ويبحث عما يقوله فلا يجد سوى كلمات أستاذ الفرنسية في حورا، يضحك من نفسه ويقرر أنه ليس مؤهلاً للكتابة. يتأكد من ذلك أكثر عندما يراجع بلا ملل الرسائل المقتضبة التي كانت تبعث إليه بها إلى شقة المنارة بالبريد، في غيباتها الأولى. قصاصات ورق أو صورة كتب على قفاها جملة لن ينجح يوماً في ابتكار ما يشبهها: أعود إلى عيون المارة إلى أزهار الشوارع البنفسجية، أنا السمكة خارج مائك، لا تتأخر علي. تمر بفترات نشاط قوي، خصوبة جارفة، تدوم أربعة أو خمسة أيام، ترسم نهاراً وساعات طويلة من الليل. لا تشبع لا تضجر، يقلق أهلها عليـها فتنزل أمها تتفقدها، تجدها وسط لوحاتها فتتركها على سجيتها ولو أن الحماسة المفرطة لا تروق لها. تدعوه جنان للبقاء معها، تبقى واقفة الريشـة في يدها حتى انبلاج الفجر أحيانـاً، ترسم، لا بل تضع هذه اللمسات التي لا تنتهي، ثم تستدير نحوه فجأة، وتقول: إن شيئاً ما بين جسـدي وروحي يعتبرك مميزاً، حملك علي خفيف وثقيل في آن. تشبهه بالمظلة، تقول إنها تشعر بأن بإمكانها رمي نفسها من مكان عال إذا كان معها، إذا كانت متأكدة من أنه يحبها، تحط من دون أن تتأذى لأنها ستتمسك به».
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
