نصائح للتخلص من البقع.. ورحلة مع الوجع العراقي

البحث عن شكل مختلف للفرجة المـــسرحية

صورة

فرق كبير بين مسرح ينشد الآمان ويتحرك في مساحة إبداعية متوقعة، وبين من يضع نفسه في مواجهة مسرحية خطرة ومربكة، ويراهن على خصوبة المسرح كمساحة مفتوحة على كل أشكال التجريب والبحث عن شكل آخر للفرجة المسرحية.

هذه المقارنة بين مسرحين بدت واضحة بين جمهور ونقاد عروض اليوم الخامس من أيام مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما، إذ كنا أمام عرضين: الأول من مصر، وحاول أن يقدم لنا فرجة ممتعة، لكنه ظل في دائرة المتوقع، والثاني عراقي آت من ألمانيا أسس لفرجة مربكة تترك أثرها في النفس لفترة طويلة.. كلا العرضين لم يحملا ما هو جديد على مستوى المضمون.

في العرض المصري حاولت الحكاية أن تنطق بهمّ نسوي وقع في فخ النمطية وبدا محاصراً في دائرة تقريرية، والعراقي عاد هو الآخر لعرض الوجع العراقي من الزاوية نفسها التي شهدناها في عروض عراقية كثيرة، إلا أن هذا العرض، وعلى عكس المصري، انتقل بالعرض من مقولته المألوفة إلى فضاء بصري مغامر ومؤثر، وإلى معالجة مشاكسة ترفض المتوقع ولا تكترث بما لدينا من قناعات عن شكل العرض المسرحي وثوابته.

يضعنا العرض المصري «الطريقة المضمونة للتخلص من البقع» أمام همّ نسوي بامتياز، إلا أنه وعلى الرغم من وضوح المقولة، لابد لنا من السؤال عن الغاية والهدف والرسالة التي يريد هذا العرض تمريرها على لسان تلك المرأة، التي قتلت زوجها وذوبته بمواد كيمائية بعد أن عانت منه كثيراً. امرأة محاصرة بالبقع القذرة التي تلوّث حياتها، فقررت التخلص منها نهائياً. هذه البقع الكثيرة تجمعت في نهاية المطاف في الرجل الذي لم تختلف النظرة له، أو لمساوئه عن العشرات من الأعمال المسرحية والتلفزيونية التي طرحت الهمّ والمواجع ذاتها.

النص في هذا العرض، وهو لرشا عبدالمنعم، لم يكن مفاجئاً ولا يحمل أوجه. نحن أمام حكاية بسيطة لامرأة تعيش أزمة متكررة تمر بها المرأة الشرقية من دون أن تأخذنا إلى رؤية عميقة، أو تدخل في مكونات تغادر بنا هذا القالب الاجتماعي التقليدي المؤثر الغنائي القوي، الذي رافق دخول الجمهور إلى الصالة، والذي يتحدى الذكورة وتحجيمها للمرأة بالاستناد إلى كثير من الديباجات الاجتماعية والشرعية، وضعنا أمام استنتاج مبدئي اننا أمام تجربة ستتجرأ على هذا الموروث من منظور مختلف، وليس من خلال حكاية عن انتقام نسوي، حتى ولو كان هذا الانتقام مختلفاً. الاختلاف في طريقة انتقام المرأة من شريكها الرجل وظلمه لها لا يغير من النتيجة النهائية.

حاول نص العمل أن يمرر سياقاً إنسانياً لهذه المرأة، وأن يقترب من تفصيلات نسوية صغيرة تنزرع في وجدان المرأة وتتحول مع الوقت إلى عبء يرافقها في حياتها، في محاولة لتعميم الأزمة ومنحها طابعاً عاماً ينتقد المجتمع في صورته العامة، إلا أننا وعلى المستوى العام، لم نخرج من تقريرية اتهامية تضع المرأة في خانة طهرية في مواجهة آثام وأخطاء تكبلها وتعيق قدرتها على العيش وفق قيم إنسانية طبيعية. لا تكمن مشكلة هذا العمل في مقولته ومضمونه على مستوى النص، بل أيضاً في شكل المعالجة والخلاصة البصرية في حالتها النهائية.. بدا العرض في كثير من الأوقات بأمس حال إلى وحدة تجمع عناصره ورؤيته البصرية. إن قمنا بتفتيت المكونات الجمالية فإننا سنحصل على اشتغال وجهد مبذول لتقديم سينوغرافيا وفرجة جميلة، لكن نسج هذه العناصر في بناء واحد ومتماسك شكّل مشكلة ملموسة. كانا أمام رمزية في الإضاءة، واستخدام الملابس، والديكور، وأداء حركي راقص، إلا أن هذه التفصيلات بدت متناثرة وغير مترابطة عضوياً.

في هذا العرض كنا أمام مشكلة الممثل المخرج، بدا الصراع واضحاً بين الممثل والمخرج على الخشبة، في مناطق كثيرة كانت المخرجة الممثلة ريهام عبدالغفور تحتاج إلى من يتفحص حضورها كممثلة على الخشبة، وأن تكون هي في دائرة المتفرج، لخلق علاقة عضوية بين المعالجات البصرية والفنية وبينها كممثلة.

معالجة طبيعة الموسيقى، وفنيات الصوت، جميعها عناصر كانت تتطلب من ريهام أن تكون خارج الخشبة.. أسئلة كثيرة يمكن تعقبها في تفصيلات هذا العرض الذي اشتغلت عليه مخرجته، وأسست لمكامن بصرية جميلة، لكنها وبعد مدة قصيرة، صارت مكررة وثقلاً على العمل.

أمام عرض (الطريقة المضمونة للتخلص من البقع) لايمكننا القول إننا كنا أمام تجربة مسرحية مختلفة تضيف لتجارب مونودرامية مصرية شبابية شهدناها في أكثر من مهرجان وصفقنا لها بحرارة. ثمة ممثلة جيدة، ومخرجة مجتهدة، وكادر فني محترف، لكننا في آخر الآمر لم نحصد ثمار هذه الجهود المتفرقة، ولم نشعر بأننا خرجنا بفكرة جديدة تشغل بالنا ونحن نغادر الصالة.

إلى بغداد

غير عابئ بنا.. يدخل المسرح من بوابة مختلفة، ومن منظور يؤكد أن لا صياغة نهائية يمكن وضعها للمسرح، ليس للمسرح شكل واحد.. ليس له صياغة نهائية، كما أن ليس لأحد أن يقرر مسبقاً (الطريقة المضمونة لإنجاز عرض مسرحي). تخطلت الأوراق أمامنا، ويعاد ترتيبها، ثمة فرجة مضيئة، تضيع وتتشتت في لحظة مباغته، تتصاعد الحالة الدرامة وتصل إلى حد الانهيار من داخلها، أو من تلك المرأة التي تتحرك على الخشبة للمساعدة في فنيات العمل. يبنى العمل أمامنا، يتأسس بطريقة مكشوفة، لكنها قادرة على التأسيس لدهشات غير متوقفة. نحن نتحدث هنا عن العرض الألماني ـ العراقي (إلى بغداد)، ونتحدث بالضرورة عن واحد من أهم عروض هذه الدورة من المهرجان، ليس لأنه العمل الخارق، بل لأنه يعيد الاعتبار للتجريب والبحث عن صياغات ورؤى جديدة في آليات البناء، والشكل، والإخراج باعتباره سلسلة من المغامرات في فضاء الخشبة المسرحية.

قد لا تكون قصة العمل تحمل لنا ما هو جديد أو مفاجئ بالنسبة لرحلة الألم العراقي التي لا تتوقف، لكنه يؤسس لمنطلق بصري يغاير أشكال تناول هذه الرحلة، يأخذنا المؤلف والمخرج والممثل أزل إدريس، إلى القسوة في حالتها المتطرفة.. قسوة الواقع، والآخر، والقسوة على الذات. ندور في لحظات عبثية، تختلط فيها الأوهام، بالحقيقة، بالموروث، بالعنف، بانهيارات شخصية وجماعية.

تفاصيل داخلية غير منتهية تدور وتتصارع في عقل ذلك العراقي الذي يقرر ترك وطنه.. الخلاص من حجيم والارتماء في جحيم آخر.

لا شيء جاهز في هذا العرض غير ممثل متمكن وضع نفسه في سلسلة من الاختبارات واللحظات المتكررة التي أسست لبنية مسرحية على درجة كبيرة من الاستفزاز، ذلك العنف العميق الذي يتطور ليزهر لطعة حمراء على وجه الممثل يضعنا في متاهة من الضيق والنفور والرغبـة في خلاص ما من كل هذه القسوة.

في هذا العرض فرجة بصرية تستفيد من أشكال تقنية مختلفة، تتشكل أمامنا وتتبدل عبر لوحات لا تعترف بالشكل المبستر للعمل المسرحي، وتتصدى لفكرة جاهزية العمل. تضعه في مواجهة ممكنات فشله وانهيار بنيته الدرامية.

توضـع الأدوات والمستخدمات الفنيـة وتتحرك بحسب متطلبات المشهد.. لا شيء يقيني ونهائي في هذا العرض.. كل شيء يتأسس بهشاشة وبأخطاء وحراك وكأننا في بروفة عمل وليس في تجربة جاهزة للعرض أمام الجمهور.

ثمة لعبة مختلطة، لعبة داخل لعبة تشبه إلى حد كبير فتح الصناديق، في لحظات إلى فضاء درامي على درجة كبيرة من الحساسية والتأثير، لكن سرعان ما تعيد الحركة على الخشبة الشعور بأننا في مسرحية، ثمة كسر قصدي لا يتوقف للإيهام. هي حكاية مبعثرة، متعثرة، وكأن هناك نية مسبقة في رفض تحويل كل تلك المواجع إلى مجرد حكاية.

هذا الوجع الإنساني لايستدرجنا إلى الشفقة والتعاطف، بل يضعنا في حالة دائمة من النفور. ينبش هذا العرض في الكثير من المواجع وردود الفعل غير المألوفة، ويخلق أمامنا في لوحة النهاية التي يصير فيها مكون لوني إشارة واضحة إلى اللحظة التي تضيع فيها هوية ذلك المهاجر في ألوان لا حصر لها.

تويتر