عن رواية للكاتب غي دي موبسان

«بل آمي».. غراميات التـسلّق الاجتماعي

فيلم «بل آمي» معالجة حصيفة للعمل الروائي المأخوذ عنه. أرشيفية

يدخل المجتمع المخملي الباريسي عبر نسائه، ويذلل كل الصعاب بالاعتماد على وسامته وغوايته، ويمسي الأمر بمثابة شبكة متصلة من العشيقات اللواتي يطوعهن في خدمة ما يتطلع إليه. الفيلم هو Bel Ami (بل آمي)، المعروض حالياُ في دور العرض المحلية، والعنوان الذي لا نترجمه هنا ليس إلا اسم تحبب تطلقه ابنة كلوتليد (كريستينا ريتشي) على جورج دورا (روبرت باتينسون)، الشاب الريفي الفرنسي العائد من خدمته العسكرية في الجزائر، الذي نقع عليه هائماً على وجهه في باريس لا يملك ثلاث فرنكات، وها هو يقع على صديق كان معه في الجزائر شارل فورسيه الذي سرعان ما يترك له باباً موارباً ليدخل جورج عالم الصحافة والمجتمع المخملي في باريس عام .1890

قبل المضي أكثر مع أحداث الفيلم، يجب ذكر أن الفيلم مأخوذ عن رواية للكاتب القصصي الشهير غي دي موبسان (1850 ـ 1893)، والذي عرف بغزارة إنتاجه للقصص القصيرة، ولتكون «بل آمي» واحدة من ست روايات كتبها موبسان في حياته العاصفة والسريعة، وقد نشرت هذه الرواية عام ،1903 أي بعد وفاته، وللدقة انتحاره هو الذي عاش مجداً أدبياً كبيراً وكان على قدر كبير من الثراء.

ومع العودة إلى الرواية يمسي الفيلم معالجة حصيفة جداً للعمل الروائي، ونقلاً معداً ببراعة إلى وسيط آخر، ولعل العودة لقراءة الرواية وجعلها مجاورة للفيلم ستمنحنا معبراً مخبرياً نحو ما يمكن أن تأخذه الصورة من الأوراق، وقدرتها المدهشة على تكثيف فصل روائي بمجموع لقطات لا تتجاوز مدتها الـ10 دقائق، فجورج في الرواية سيمضي وقتاً طويلاً وهو يتسكع في باريس، وهو يجري عمليات حسابية تتعلق بوجباته وكيفية ترتيبها بما يتناسب وما معه من نقود، ومن ثم تردده أمام أن يدخل القهوة ويطلب مشروباً وعدوله عن ذلك، ومن ثم يلتقي صدفة رفيقه بالجزائر فورسيه، ودعوة الأخير له إلى المقهى، وبالتالي فإن شارل سيدفع عن جورج، وليأخذه بعد ذلك إلى ملهى لكن بعد أن يمر شارل على جريدته، ليقوم بتصحيح «بروفا» الطبع، وفي الملهى سيعطيه مالا ويسأله أن يأتي إلى منزله، لكي يعرفه إلى أصحاب السلطة والنفوذ في الصحافة ليتم تعيينه في الصحيفة التي يعمل فيها.

ما تقدم تلخيص مكثف جدا لأحداث الفصل الأول في الرواية، وبإحالة ذلك إلى الفيلم، فإننا سنقع على جورج ومن اللقطة الأولى أمام واجهة المقهى مديرا ظهره لنا ويراقب ما يجري في داخل المقهى الفاخر، ومن ثم سنقع عليه في الملهى وهناك سيرى شارل، ويمنحه المال ليشتري بدلة يأتي بها إلى بيته ليعرفه إلى علية القوم، كل ذلك لن يستغرق أكثر من 10 دقائق، وفي تتبع لإيقاع الفيلم، فإنه سيكون على شيء من الانتقالات السريعة بين حدث أو آخر، وعلى شيء من تعقب ما سيصير إليه جورج دورا الذي سيكتشف مع توالي الأحداث أنه لا يمتلك من موهبة إلا وسامته وقدرته على غواية النساء، الموهبة التي ستكون في خدمة هدف واحد متصل بالانتصار على فقره وعقدته الاجتماعية.

الاكتشاف سابق الذكر هو أول المآزق الدرامية التي يجابهها جورج، والكيفية التي يلتف بها على ذلك والحل الذي يمضي إليه سيضعه أمام حقيقة أنه لا يملك موهبة الكتابة، فالمقولة الأساسية في الفيلم تتمثل في أن باريس مسيرة من قبل الزوجات، وبالتالي فإن جورج ومع ذهابه إلى الموعد الذي يحدده له شارل سيتعرف إلى زوجته مادلين (أوما ثرومان)، وسيقترح عليه على مائدة العشاء أن يكتب سلسلة مقالات بعنوان «مذكرات فارس فرنسي في الجزائر»، ولتكتب له المقال مادلين أو تمليه عليه، وحين تتوتر علاقة شارل مع جورج، فإن الأول يقول له ما معناه إن عليه أن يكتب بنفسه لا أن يترك الأمر لزوجته، وليقدم جورج على كتابة مقال سرعان ما سيأخذه شارل إلى رئيس التحرير وليقوم الأخير بطرد جورج لأن مقال جورج أشبه بكتابة معاملة تجارية، لكن مهلاً! الحل لدى جورج سيكون بالالتفاف على رئيس التحرير، من خلال زوجته التي يمضي إليها ومعه سلة من الإجاص يقول لها إنها أرسلت إليه من والده في النورماندي، وليعين رئيس قسم بعد ذلك.

يمكن وصف الرواية والفيلم المأخوذ عنها والذي أخرجه كل من نيك أورماند ودكلان دونلان، بأنها وثيقة جمالية عن المتسلق الاجتماعي عديم الموهبة، ولعل الطبقات وتمايزها وتصارعها شكلت محوراً رئيساً في الأدب الفرنسي، وهناك شخصيات كثيرة خارجة من الروايات الفرنسية في القرن الـ،17 وأقصد تحديدا ستندال وشخصية جوليان الشهيرة في رواياته «الأحمر والاسود» مرورا بغوستاف فلوبير، وصولاً إلى موبسان و«بل آمي»، حيث الطبقة التي تنتمي إليها الشخصية تشكل الدافع الرئيس للأفعال التي تقدم عليها، فجوليان في «الأحمر الاسود» سيتخذ من نابليون مثلاً أعلى، وهو ينتقل من بيت أرستقراطي إلى آخر، هو ابن صاحب منشرة أخشاب، لكن جوليان سيكون على اتصال بمزايا تتمثل في معرفته القوية باللاتينية والأدب الإغريقي وما إلى هنالك من ما يتلقاه في مسعاه لأن يكون كاهناً، وليكون أيضاً مستثمراً في ذلك ليغزو العالم الارستقراطي من خلال نسائه أيضاً، معوضاً عقد نقصه من خلال ذلك.

مع جورج سيكون الأمر أكثر مباشرة، والتسلق الاجتماعي سيكون ممهوراً بالغواية فقط، كون جورج كائن غواية لا يمكن لامرأة إلا وتستسلم لسحره، لكن لكل امرأة عالمها، فهو سيتزوج مادلين لكن الأخيرة ستكون حرة وعلى شيء من الانشغال التام بعوالم ليست الغواية من أولياتها، إنها امرأة مستقلة تماماً ومتنورة ومأخوذة بالأفكار والشؤون السياسية، ولها أن تكون المرأة التي يمسي الصراع معها مريراً، دون أن يقر بهزيمته في النهاية فهو وحين ينال منه كل من حوله يمضي عكس قلبه، ويغوي ابنة رئيس التحرير كما سنقع على ذلك مع نهاية الفيلم، ولعل ممثلاً مثل روبرت باتينسون سيكون اختياراً فيه الكثير من المزايا لتجسيد شخصية جورج.

أعود إلى الفيلم ككل، واحكام مخرجيه قبضتهما على العمل الأدبي المأخوذ عنه، حيث إيقاع الفيلم سيكون سريعاً ومتواتراً فطول المشاهد أو اللقطات تخلق القيمة العاطفية للمشاهد بالاعتماد على تتالي الأحداث أو تواقتها وتباعدها بفترات زمنية قصيرة تنظم العلاقة بين أجزاء الفيلم، لتكون متناغمة وعلى قدر كبير من صلاحية الفيلم ليكون مثالاً عملياً جميلاً، لما يمكن للمعالجة السينمائية أن تأخذه من الرواية.

تويتر