جديد كلينت إستوود ودي كابريو
«جاي. إدغار».. كيف تصبح مدير استخبارات مدى الحياة
هنا غواية خاصة في تتبع السير الذاتية، والقول من خلال فيلم ها أنا أضع أمامكم شخصية حقيقية، وأمضي في نبشها وتصوير كل ما تعرفونه أو تجهلونها عنها، كلينت استوود يقول لنا ذلك في جديده J Edgar (جاي. إدغار) المعروض حالياً في دور العرض المحلية، كما كثر غيره من المخرجين قد فعل ويفعل.
هناك أمران يمكن التوقف عندهما قبل المضي مع الفيلم الذي نقدم له، ألا وهما: أمر أول لا مفر من ذكره يتمثل بإطلاق المزيد من المدائح على استوود الذي كلما تقدم في العمر ازداد نشاطاً وحيوية، وعلى شيء يجعل من تجاوزه 70 نقطة انطلاقته الحقيقية في عالم الإخراج، وقد قدم لنا أفضل أفلامه وبمعدل فيلم أو فيلمين في كل عام، وللعلم فإن استوود في 31 مايو المقبل يكون قد بلغ 82 من العمر، ولكم أن تجدوا كم من الأفلام مطروحة على قائمة أعماله. الأمر الثاني، يتمثل بالتوقف عند شخصية إدغار الحقيقية، وتتبع الدور الخفي والمهم الذي لعبه في تاريخ أميركا الحديث، ونحن نتكلم هنا عن رجل استخبارات محاطة حياته بشتى أنواع الألغاز، فهو بقي مديراً لمكتب التحقيقات، الذي عرف في ما بعد بـ«مكتب التحقيقات الفيدرالية» من عام 1927 حتى تاريخ وفاته ،1972 وقد عاصر إدارة كل من هوفر، وروزفلت، وترومان، وإيزنهاور، وكيندي، وجونسون، ونيكسون، ويعتبر أميركياً بأنه وطوال ترؤسه مكتب التحقيقات الفيدرالية الذي أسسه كان يعتبر الرجل الثاني في الدولة، وما استمراره في هذا المنصب إلا لاحتكامه على أسرار متعلقة بكل رئيس من الرؤساء سابقي الذكر، وغالباً ما كانت تلك الأسرار على اتصال بالحياة الجنسية والعاطفية للرئيس، كما أنه شخصية غريبة الأطوار، ويقال عنه إنه كان مثلياً، وعاش في بيت أمه إلى أن توفيت.
دور العمر
استكمل استعراض ما كانت عليه شخصية إدغار عبر الفيلم، وتجسيد ليوناردو دي كابريو له في أداء له أن يكون واحداً من أدوار العمر، كما هو حال دي كابريو حين قدم تحت إدارة سكورسيزي شخصية هيوارد هيوز في «الطيار»، ولعل الفيلم في ملمح من ملامحه فيلم دي كابريو طالما أننا نتكلم عن بطولة مطلقة له، وما عنوان الفيلم إلا شخصية جاي إدغار نفسها التي جسدها دي كابريو، وإن كان لنا أن نقول إنه فشل في ذلك، فمعنى ذلك فشل الفيلم برمته، الأمر الذي يمكن نفيه تماماً، فمع دي كابريو وإدارة استوود له، كنا حيال أداء له أن يكون الرهان الأكبر للفيلم، وهو رهان ناجح تماماً.
مقاربة حذرة
غالبا ما أقارب هكذا أفلام بحذر شديد، لا لشيء إلا لأنها على اتصال بشخصية استخباراتية، ولعل المسعى لفصل الفن عن الواقع أمر لا محيد عنه أحياناً، للتساؤل بمنتهى البراءة، كيف تكون هكذا شخصية في الواقع وكيف لها أن تظهر في الفيلم؟ وهذا السؤال، خصوصاً في حالة «جاي. إدغار» لا علاقة له باتهام الفيلم بأنه يسعى إلى تلميع الشخصية، الأمر الذي أدعي أنه غير وارد، لكن ومهما حاولت السينما أن تقدم صورة مطابقة للواقع فإنها تبقى غبر مطابقة له.
جاي إدغار مصاب بفوبيا الشيوعية، إنها أكبر الشرور، وهو جاهز لقتلهم جميعاً، وليس الشيوعيون إلا جراثيم سيتعامل معهم بشتى أنواع المعقمات، كالتصفية والاعتقال والترحيل، وهذا ما سيطالعنا به من البداية، وهو يشهد تفجيرات تطال عدداً من الشخصيات السياسية الأميركية، والتي تكون نقطة انطلاقه نحو انشاء مكتب التحقيقات، ومن ثم إطلاق حملة لتطهير البلاد من الخطر الراديكالي الأكبر الذي يتهددها. هذه الفوبيا ستتواصل حتى النهاية، ولاستكمال شخصية إدغار فهو مصاب أيضاً بفوبيا من الزنوج والمثليين مع أنه كان مثلياً، وهو لم يعين أي زنجي أو مثلي في مكتب التحقيقات الذي كان يديره، الأمر الذي لا يعرض له الفيلم، فهو «واسب» صافي بكل ما تعنيه هذه الكلمة، وسنقع عليه في الفيلم وهو يتفقد عناصره وهندامهم ودرجة لمعان أحذيتهم، واجداً في الأناقة أمراً لا يساوم عليه.
جاي إدغار، شخصية أوديبية مأزومة، متعلق بأمه التي تشكل محور حياته، بحيث أنه لن يترك بيتها إلا حين تتوفى، وحينها فقط سيخالف تعاليمها ويقوم بارتداء ملابسها النسائية، الأمر الذي كان يمتنع عنه ويصارع في داخله نوازعه المثلية، لأن أمه تكره أن يكون ابنها «مخنثاً».
تتمركز علاقات إدغار الإنسانية بعيداً عن سلك التحريات والاستخبارات حول شخصين لا ثالث لهما، الأولى هي هيلين غاندي (نعومي واتس)، وهو يفشل في أن يقيم علاقة حب معها، فتتحول إلى سكرتيرته وكاتمة أسراره التي ترافقه حتى النهاية، والثاني هو كلايد تولسون (آرمي هامر) صديقه ورفيق دربه وذراعه اليمنى، وشريكه في السكن والحياة والعمل وربما الحب!
بين زمنين
فيلم «جي إدغار» الذي كتبه دوستن بلاك كاتب فيلم «ميلك» يمضي في زمنين، الأول يكون ما يفترض أنه زمن الفيلم المعاصر، حيث إدغار في خريف العمر، بينما يترافق ذلك بفلاش باك تمضي آليته وفق ما يمليه إدغار على كاتب سيرته الذاتية. سيحمل سرد إدغار الكثير من الخفايا، لكنه سيكون محملاً بالقدر نفسه بالكثير من الأكاذيب التي لن نعرف أنها أكاذيب إلا على لسان كلايد الذي يصارحه بذلك. ومع كل ما تتمتع به شخصية إدغار من خصال، فإن خصلة أخرى تضاف إليها تتمثل باستئثاره بالمكتب الذي يديره وإبعاده لأي عميل يمكن أن ينال قسطاً من الأضواء في وسائل الإعلام، إنه يريد على الدوام أن يكون صاحب كل إنجاز وأن يرتبط به شخصياً، ولا يجد حرجاً من تأليف وتلفيق قصص في هذا الخصوص، بما يتخطى جبنه، كما سيظهر عليه في أحيان كثيرة، فهو عقلية منغلقة فائقة التنظيم تتمتع بكل دهاء ومكر القيادة، لكنه بعيد عن الشجاعة الصفة التي لا حاجة لها بها أصلاً، ولعل الفيلم يجيب في النهاية عن كيف لرجل أن يؤسس مكتب التحقيقات الفيدرالية ويبقى مديره حتى وفاته، الإجابة بمشاهدة الفيلم.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news