«نيران متــقاطعة».. بين رصاصة وأخرى هناك حياة

صورة

ربما نسمع عن مندناو في نشرات الأخبار، حين يكون هناك من رهائن تم اختطافهم من قبل الثوار هناك، يمر الخبر عابراً، الرهائن أولاً ومن ثم لا أحد يعرف شيئاً عن تلك الحرب الأهلية المندلعة هناك، وماذا يريد هؤلاء الثوار في الأدغال؟ لكن مع هذه الأسئلة التي تبدو سياسية يخرج علينا سؤال سينمائي أو جمالي، كيف يعيش سكان تلك المنطقة في الفلبين؟ كيف هي حياتهم؟

المخرج الفلبيني أرنيل مردوكيو في Crossfire (نيران متقاطعة) يقودنا إلى أدغال مندناو، يأخذ قصة من بين القصص الكثيرة التي ترمي بها تلك الحرب ويرويها، يبدأ من لقطة تحت البحر وشاب جالس في قعره بينما تنزل عليه من الأعلى أحذية عسكرية ورصاصات، ومن ثم يسبح بينها، والصوت يأتي (فويس أوفر) عن تلك الحياة التي ليست إلا رحلة، وحين يطفو ذاك الشاب على السطح يكون مسجل كاسيت موضوعاً على صخرة كبيرة، وهو يتحدث عن هدنة وسلام في مندناو.

البداية مشجعة، وهي تعقد معنا اتفاقاً على ما نحن بصدد مشاهدته، ليس هناك ما يدفع للقول، كما عنوان فيلم لويس مايلستون «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» ،1930 فما من خنادق، وبين كثافة الأشجار لا يمكن تحديد مصادر النيران، ومن يطلق على من، وفي أحيان كثيرة يكون إطلاق النار نحو كل ما هو متحرك، كما أن الفيلم غير معني بالمعارك كما هي الأفلام التي تناولت حروب العصابات، بقدر ما هو معني بمن يعيشون في ظل تلك الحروب.

الطبيعة الخلابة فاقعة الخضرة في الفيلم، ستكون المساحة التي سنشاهد فيها شخوص وأحداث الفيلم، ونحن حيال عالم لن يكون جمال الطبيعة إلا نقيضاً لكل ما نشاهده، إنه عن بشر عالقين في نيران متقاطعة، بين المتمردين والجيش النظامي، وحين يبدأ تبادل إطلاق النار بينهما، فإن هؤلاء البشر الذين في أغلبيتهم من النساء والأطفال يختبئون في حفر تحت الأرض إلى أن يتوقف إطلاق النار. من بين هؤلاء سيكون هناك شاب وحيد هو لينغيغ يحب الفتاة الوحيدة التي لم تسافر، وهي باتون، لينغيغ يعمل مع مغداس والدة باتون، وما عملهما إلا التقاط ما يسقط سهواً من المتقاتلين وبيعه إلى دكان خردة، أسلحة أو رصاصات يجمعونها ويبيعونها، ومغداس هذه المرأة العجيبة تقوم بالمقامرة فور تسلّمها مبلغاً لقاء ما تجمعه. في تلك القرية العالقة بين النيران، سنتعرف الى الحروب الصغيرة التي تجري على هامش الحروب الكبيرة، ستسعى باتون للعمل في اليابان، لكن من يقبضون منها المال الذي تستدينه من الإقطاعي داتو الرجل الوحيد في تلك القرية، لن يعودوا، وليستعيد الإقطاعي المال فإنه يسعى للزواج من باتون، وصولاً إلى تورط مغداس، في التبليغ عن أحد المطلوبين من قبل السلطات، لتتمكن من تسديد المال إلى داتو. الفيلم مبني على إيقاع بطيء وعلى قدر من محاكاة البيئة التي تجري فيها الأحداث، وهناك لقطات طويلة جداً مثلما هو الحال مع لقطة الغداء الذي يقيمه داتو لباتون وأمها، حيث تستمر اللقطة لأكثر من خمس دقائق، بينما ينحصر بالكادر وجه باتون من خلال قضيبين موجودين في النافذة التي أخذت منها اللقطة كما لو أنها في سجن. هذا مثال من لقطات طويلة حملها الفيلم، في استثمار لتولي الصورة قول الكثير، وإيقاع يمضي في التقاط حياة فيها الحب والتسلط والفساد في ظل حرب لا تميز بين أحد، وصولاً إلى آخر الفيلم، حيث ستتضح المصائر في إيقاع متسارع متروك للنهاية.

تويتر