لإيجاد أدوات وبدائل استثمارية تحفز توظيف السيولة المجمدة في المصارف
محللون: تفعيل«مكتب الديْن» يعــيد النشاط إلى القطاعات الاقتصادية
أسواق المال المحلية فقدت 5 مليارات درهم من قيمتها السوقية. تصوير: دينيس مالاري
طالب محللون ماليون بتفعيل دور مكتب الدين العام (الذي نص عليه مشروع قانون الدين العام)، خصوصاً في وضع الخطط والآليات المتعلقة بإصدار السندات الاتحادية بالتنسيق مع المصرف المركزي وهيئة الأوراق المالية والسلع.
|
إصدار السندات الاتحادية أهم مهام مكتب الديْن العام
قال المدير العام لوزارة المالية، يونس خوري، في تصريحات صحافية في مايو الماضي، إن وزارة المالية شرعت في إنشاء مكتب للدين العام بهدف تجميع البيانات ونشرها في الوقت المناسب، إضافة إلى وضع الخطط والآليات المتعلقة بإصدار السندات الاتحادية بالتعاون والتنسيق مع المصرف المركزي وهيئة الأوراق المالية والسلع، مشيراً إلى أن قانون الدين العام في مراحله النهائية وبصدوره سيتضح حجم السندات التي يمكن أن يتم إصدارها بحسب ما تقتضيه الحاجة. وأضاف خوري أن دور الوزارة يكمن في وضع استراتيجية متوسطة المدى، وتوفير بيئة جاهزة للدين العام، ومن ثم إصدار السندات، لكن توقيت الإصدار وقيمته سيتحدد بمدى الحاجة إليه في الوقت المناسب، بحيث تكون المبالغ المستهدفة واضحة، لافتاً إلى وجود جهات عدة مهتمة بالاستثمار في السندات الحكومية، منها صناديق التقاعد وشركات التأمين، إضافة إلى البنوك التجارية التي ستتمكن من خصم هذه السندات لدى المصرف المركزي في حال احتاجت إلى الحصول على سيولة. وأشار إلى أن تطوير سوق للسندات له مزايا عدة، منها دعم السياسة النقدية للمصرف المركزي، خصوصاً أن الإصدار سيكون بالدرهم، وتعزيز التنمية الاقتصادية من خلال إدخال أدوات تمويل جديدة تمكن المستثمرين الأجانب من دخول السوق المحلية، إضافة إلى توفير مصادر تمويل جديدة للحكومة يمكن استخدامها في تمويل المشروعات التنموية حال رغبت في ذلك، إذ يمكنها اللجوء إلى الديون السيادية من السوق المحلية بدلاً من الخارجية». |
وقالوا إن إنشاء وتفعيل مكتب الدين العام بات ضرورة تزداد إلحاحاً مع تزايد تشدد المصارف في الإقراض وتحفظها على إقراض القطاع الخاص، إذ سيتم من خلاله إيجاد البديل الاستثماري المناسب للودائع المصرفية، الذي يكون في الوقت ذاته الاستثمار البديل لأسواق الأسهم في أوقات الأزمات الحالية.
وأضافوا أن إصدار السندات الاتحادية سيؤدي إلى تحرر السيولة من المصارف وانطلاقها في رحاب الاقتصاد لتحرك الراكد فيه من القطاعات التي تعاني شح السيولة، لاسيما وأن عائدها سيزيد على عائد الودائع المصرفية، إضافة إلى كونها صادرة عن جهة مضمونة، وهي الحكومة الاتحادية.
لافتين إلى أن أسواق الأسهم ستستفيد أيضاً في حال إصدار السندات الاتحادية بالعملة المحلية، إذ حدد مشروع قانون الدين العام إطاراً لإنشاء سوق للسندات الحكومية في الإمارات، وتداول أدوات للدين العام في سوق أو أكثر من الأسواق المالية الثلاثة في الدولة.
إلى ذلك، واصلت الأسواق المحلية تراجعها في الأسبوع الماضي تحت وطأة التراجع القوي الذي شهدته الأسواق العالمية وتراجع أسعار النفط، ووفقاً لإحصاءات هيئة الأوراق المالية والسلع، انخفض مؤشر سوق الإمارات المالي خلال الأسبوع المنقضي بنسبة 1.38٪ ليغلق عند مستوى 2470.80 نقطة، وخسرت القيمة السوقية 5.08 مليارات درهم جديدة لتصل إلى 363.92 مليار درهم.
وأشارت الإحصاءات إلى استمرار تدني معدلات التداول، إذ بلغت قيمة التداول الإجمالية الأسبوعية 671.15 مليون درهم توزعت على 9615 صفقة فقط.
تهويل إعلامي
وتفصيلاً، قال المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية، الدكتور همام الشمّاع، إن «الأسواق المحلية تراجعت خلال الأسبوع الماضي تحت وطأة التراجع القوي الذي شهدته الأسواق العالمية وتراجع أسعار النفط، وجاء التراجع بنسب تقل عن نسب تراجع الأسواق الأوروبية التي تراجعت بحده تحت تأثير التهويل الإعلامي لأزمة ديونها»، مؤكداً أن «أسواق الإمارات والأسواق الخليجية عموماً، وبعد أن أثقلتها التراجعات والهزات التي سببتها الأزمات المالية العالمية، أصبحت أكثر تحصناً من السابق سواء بسبب تراجع نسبة الاستثمارات الأجنبية فيها أو بسبب إدراكها للتهويل الإعلامي الذي يرافق هذه الأزمات».
وفسر الشماع، حديثة بالقول إنه «بعد أن أثبتت دبي أن الضوضاء التي أعقبت طلب دبي العالمية لجدولة ديونها كانت مجرد تهويل إعلامي هدفه الضغط على دبي للوفاء بالتزاماتها، أصبحت البورصات الخليجية أقل عرضة للهلع مما يسود في أسواق العالم»، مضيفاً أن «التمعن فيما يتناقله الإعلام من أخبار تتصل باليونان وديونها للمصارف الفرنسية، التي تم تخفيض التصنيف الائتماني لبنكين منها، هما (سوستيه جنرال) و(كريدي أجريكول)، يجد أن بعضاً من هذه الضجة الإعلامية مقصود، والبعض الآخر يسير في الموجة من دون هدف ومن دون إدراك لعمق الأزمة التي يتحدثون عنها».
وأوضح أن «موجة التصعيد الإعلامي أثارت حالة من القلق في أوساط المودعين الأوربيين، خصوصاً في البلدان التي لم تقم بضمان الودائع، الأمر الذي دفع وزراء المالية الأوروبيين إلى السعي لوضع الخطوط العامة لخطة تهدف إلى الحفاظ على الودائع في البنوك الأوروبية».
وأشار إلى أن «التصعيد الإعلامي أدى أيضاً إلى ارتفاع عائد السندات الأوروبية بسبب عدم الإقبال على شراء هذه السندات لخروج الأموال من اليورو وتوجهها نحو ملاذ آمن، وهو السندات الأميركية التي يتزايد الطلب عليها وينخفض عائدها»، لافتاً إلى أن «الأشهر القليلة المقبلة ستثبت أن هذا اللغط الإعلامي عن احتمالات أزمة جديدة في الاقتصاد العالمي، ما هو إلا بداية لنهاية الأزمة وظهور بوادر تعافي قطاع العقار الأميركي بعد أن تراجعت أسعار الفائدة على الرهون العقارية في سبتمبر المنقضي إلى أدنى مستوى لها في أربعة أعوام ونصف العام».
تعافٍ سريع
ونبه الشماع إلى أن «الإمارات مؤهلة للتعافي السريع فيما لو تم اتخاذ الإجراءات الضرورية لذلك»، قائلاً إن «جوهر المشكلة في الإمارات يكمن في أن غياب الأدوات الاستثمارية أدى لتجمع السيولة لدى المصارف على شكل ودائع ثابتة وادخارية تشكل قرابة 70٪ من السيولة الكلية في الاقتصاد»، عازياً ذلك إلى نقص البدائل الاستثمارية التي تتمتع بثقة عالية وتصنيف ائتماني عالٍ ويسهل الوصول إليها من قبل المستثمرين والمدخرين، إذ إن نسبة قليلة من المودعين تتجه بجزء من ودائعها إلى أسواق الأسهم، فيما تفضل النسبة الأكبر من المودعين البقاء في المصارف بعائد ثابت على ودائعهم الزمنية والادخارية».
وبين أنه «في العالم المتقدم، والولايات المتحدة بالذات، عندما تلوح في الأفق بوادر أزمة قد تطيح بأسواق الأسهم، يسارع المستثمرون للخروج من أسواق المال والتحول إما إلى أسواق السلع أو إلى سندات الخزينة، وفي أغلب الأحوال توزيع الاستثمار على سلال البدائل المختلفة».
وأوضح أن «مثل هذا الأمر أدى إلى ازدياد الطلب على سندات الخزينة الأميركية عندما بدأت أزمة التخفيض الائتماني للولايات المتحدة، إذ توقع المستثمرون تراجع أسواق الأسهم فسارعوا للخروج منها واتجهوا لشراء سندات الخزينة ذات العائد الثابت».
واستطرد «على العكس من ذلك في الإمارات، فإن الأزمات تؤدي إلى خروج المستثمرين من استثماراتها والانكفاء على الودائع البنكية التي تعني تجميد السيولة في أوقات الأزمات وتراجع الثقة وارتفاع مخاطر الائتمان».
وأكد أن «إنشاء وتفعيل مكتب الدين العام بات ضرورة تزداد إلحاحاً مع تزايد تشدد المصارف في الإقراض وتحفظها على إقراض القطاع الخاص، إذ إنه من خلال مكتب الدين سيتم إيجاد بدائل للاستثمار البنكي تكون في الوقت نفسه الاستثمار البديل لأسواق الأسهم في أوقات الأزمات».
وأشار إلى أن «توافر هذه البدائل الاستثمارية سيؤدي إلى تحرر السيولة من المصارف وانطلاقها في رحاب الاقتصاد لتحرك الساكن والراكد فيه من القطاعات التي تعاني شح السيولة»، لافتاً إلى أن «تفعيل مكتب الدين العام، وتسهيل إصدار سندات وصكوك عالية التصنيف الائتماني، يعدان من الأمور الجوهرية التي تسهم في تجاوز الأوضاع الراهنة».
نقص السيولة
من جهته، نبه المحلل المالي في إحدى شركات الوساطة المالية الإسلامية، مصطفى حسن، إلى أن «أزمة نقص السيولة ستظل المؤثر الرئيس في عدم صعود أسعار الأسهم وعودة النشاط للأسواق المالية».
وقال إنه «في ظل نقص السيولة سيستمر تراجع معدلات التداول، ومن ثم ستستمر سيطرة صغار المضاربين الأفراد على التعاملات، ما يعني أن السوق لن تحصل على فرصة للصعود، إذ إن المضاربين يجرون عمليات بيع مكثفة عند أي ارتفاع يحدث في الأسعار لتحقيق أي هامش ربح».
وأضاف أن «تفعيل دور مكتب الدين العام من الأمور المهمة لتحفيز إصدار سندات سيادية تكون بديلاً استثمارياً للأسهم في الأوقات الحالية، لكن من المهم أيضاً أن يتم إنشاء سوق محلية للدين بالعملة المحلية»، موضحاً أن «مشروع قانون الدين العام حدد مهام مكتب الدين العام في تقديم المشورة للحكومة حول إصدار السندات والعمل مع المصرف المركزي بشأن إصدار وبيع السندات الحكومية وأدوات مالية أخرى، وبشرط ألا تزيد إصدارات السندات المخصصة لمشروعات البنية التحتية عن 15٪ من الدين العام».
دين عام
أما مدير التداول في إحدى شركات الوساطة المالية، علاء الدين علي، فقال إنه «على الرغم من توافر سيولة كبيرة لدى المستثمرين المحليين، إلا أن هذه السيولة محجمة عن توظيفها لعدم وجود البدائل الاستثمارية، وتالياً ظلت مجمدة في ودائع مصرفية وتترقب الفرصة الاستثمارية المناسبة».
وأضاف أن «غياب الأدوات المالية التي تحفز المستثمرين على استثمار أموالهم ونقلها من مجال لآخر وفق تطورات الأوضاع الاقتصادية، جعل الأموال والثروات تتركز في مجال استثماري وحيد، هو الودائع المصرفيـة، خصوصاً أن الفرص الاستثمارية المتاحة للمستثمر لتوظيف مدخراته أو ثروته في الوقت الراهن تنحصر في العقار أو في الأسهم أو الودائع الثابتة في المصارف».
وأكد أن «تفعيل دور مكتب الدين العام سيسهم في إيجاد الأدوات الاستثمارية البديلة، وهي السندات الحكومية الاتحادية التي سيقبل المستثمرون عليها لارتفاع عائدها عن عائد الودائع المصرفية، إضافة إلى كونها صادرة عن جهة مضمونة، وهي الحكومة الاتحادية، ما سيؤدي إلى توفير السيولة التي سيعاد ضخها في القطاعات الاستثمارية كافة»، لافتاً إلى أن «أسواق الأسهم ستستفيد أيضاً في حال إصدار السندات الحكومية بالعملة المحلية، إذ حدد مشروع قانون الدين العام إطاراً لإنشاء سوق للسندات الحكومية في الإمارات، وتداول أدوات للدين العام في سوق أو أكثر من الأسواق المالية الثلاثة في الدولة».
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
