دراسات تشير إلى تأثيرها السلبي في حاسة البصر ومعدلات القراءة.. وأخرى تتحدث عن فوائد تربوية فريدة

تضارب آراء خبراء بشأن استخدام الأطفال الحواسيب اللوحية

صورة

لم يعد غريباً البراعة التي يبدبها العديد من الأطفال، حتى قبل أن يجيدوا المشي، في استخدام الحواسيب اللوحية، فخلافاً للحواسيب الشخصية، تُسهِل شاشاتها اللمسية من تعاملهم معها، والاختيار بين التطبيقات والألعاب، ومشاهدة الصور والفيديو دون الحاجة لإجادة التحكم بالفأرة أو معرفة القراءة والكتابة.

وبسبب انجذاب الأطفال إلى الحواسيب اللوحية والهواتف الذكية، يلجأ إليها بعض الآباء والأمهات كوسيلة لتسلية أطفالهم خلال قيادتهم للسيارة أو إنجاز الأعمال المنزلية وحتى تناول الطعام.

وسبق أن طرح بعض منتجي الأجهزة الإلكترونية مثل شركة «سامسونغ» الكورية الجنوبية حواسيب لوحية مُصممة خصيصاً للأطفال، كما قدمت شركات أخرى أجهزة مزودة بخيار الرقابة الأبوية على الاستخدام، إلى جانب الحواسيب اللوحية للأطفال من إنتاج مُصنعي الألعاب الإلكترونية مثل «ليب فروج»، و«فيتش»، و«تويز آر أص».

ومع ذلك، لا يتوقف قلق الآباء والخبراء وأطباء الأطفال واختلافهم حول فوائد وأضرار استخدام الأطفال للحواسيب اللوحية وتطبيقاتها التي يُروج لفوائدها التربوية والتعليمية، حتى أن بعض المدارس، في هولندا على سبيل المثال، تستعين بها كعنصر أساسي في نظامها التعليمي. ومقابل ذلك، أشارت دراسات عدة إلى تأثيرها السلبي في حاسة البصر، واكتساب الأطفال مهارات اللغة، وتسببها في تراجع معدلات القراءة.

وفي الوقت نفسه، يعتقد بعض الخبراء بعدم توافر أدلة على فوائد تربوية لاستخدام الأطفال للشاشات، سواءً شاشاة التلفزيون أو الحاسب اللوحي، على تطورهم.

وربما يحرمهم هذا الاستخدام من أنشطة تُسهِم في تطوير أدمغتهم، مثل الألعاب غير الإلكترونية والتفاعل مع الكبار، ويرى خبراء أن استغراق الأطفال وقتاً طويلاً في استخدام الشاشات يرتبط بتعرضهم لمشكلات سلوكية وتأخر التطور الاجتماعي.

وأقر طبيب الأطفال في مستشفى سياتل للاطفال، الدكتور ديميتري كريستاكيس، بأن الأبحاث حول الحواسيب اللوحية لاتزال في مراحلها المُبكرة؛ فلم تُطرح أول حواسيب «آيباد» اللوحية إلا قبل ما يزيد بقليل على ثلاث سنوات.

لكن كريستاكيس اشترط أن تعتمد الألعاب والتطبيقات التعليمية على إشراك الطفل ودفعه للتفاعل حتى تتحقق منها الفائدة، وحذر من أنه في حال اكتفى الأطفال بمشاهدة مقاطع الفيديو على الحواسيب اللوحية ستستوي حينها مع التلفزيون الذي يتمتع بإمكانات محدودة على دمج الطفل.

وأشار إلى حاجة الآباء للتفكير في الوقت الذي يخصصونه لاستخدام الطفل الحاسب اللوحي؛ بحيث لا يحتل هذا الوقت مكانة أنشطة أكثر أهمية مثل النوم والقراءة أو التفاعل مع الكبار، وأكد أن الوقت الذي يقضيه الأطفال مع الآباء ومُقدمي الرعاية هو الأهم في ما يتعلق بتطورهم الاجتماعي.

واعتبر كريستاكيس أن ساعة واحدة في اليوم تكفي لاستخدم الأطفال الذين تتجاوز أعمارهم العامين للشاشات، في حين تُوصي «الأكاديمة الأميركية لطب الأطفال» تُوصي بألا يزيد الوقت المخصص للشاشات يومياً عن ساعة إلى ساعتين.

من جانبها، أشارت الطبيبة النفسية المتخصصة في الأطفال في «مركز مونتيفوري الطبي» في نيويورك، الدكتورة رهيل برينجز، أن استخدام الأطفال للحواسيب اللوحية وقتاً أكثر من اللازم قد يبطئ من اكتسابهم اللغة، لكنها أشارت إلى عدم تحديد الخبراء إلى الآن القدر الضروري من الاستخدام؛ نظراً لقلة الأبحاث في هذا الشأن.

وفي ما يتعلق بالأطفال الأكبر سناً، قد يُبطئ استخدامهم الزائد للشاشات من تطورهم الاجتماعي؛ بسبب الطبيعة الانفرادية لاستخدام الشاشة التي تعني أن الطفل لا يقضي هذا الوقت في تعلم كيفية تكوين الصداقات والتقاط التلميحات الاجتماعية، بحسب برينجز.

في المقابل، يعتقد خبراء آخرون بالفوائد الفريدة التي يُتيحها استخدام الأطفال الحواسيب اللوحية والهواتف الذكية، ومنهم جيل بوبان، عميدة كلية التربية في «جامعة بوست» في ولاية كونيتيكت الأميركية. واعتبرت بوبان أنه كلما زاد استيعاب وفهم الأطفال للتكنولوجيا قبل التحاقهم بالمدرسة، زاد شعورهم بالراحة عند دخولهم الفصول الدراسية للمرة الأولى.

وفي الوقت نفسه، أشارت بوبان إلى أهمية متابعة الوالدين التطبيقات التعليمية، حتى أفضلها، وأن يكون استخدامها محدوداً، واقترحت ألا يزيد استخدام الطفل للحاسب اللوحي عن 30 دقيقة في المرة الواحدة؛ بسبب قصر فترات الانتباه لدى معظم الأطفال الصغار. كما لفتت إلى دور وسائل الإعلام التي تسوق تلك الأشياء، ما يدفع لأهمية اتخاذ قرارات ذكية، سواء تعلق الأمر بتطبيق لحاسب لوحي أو عرض تلفزيوني.

وبسبب الدعاية والتسويق، تدير سوزان لين حملة داعية لطفولة خالية من الإعلانات التجارية، وتحث «لجنة التجارة الفيدرالية» الأميركية على فحص ممارسات التسويق لتطيبيقات وألعاب معينة موجهة للأطفال. ونصحت لين الآباء والأمهات بالحذر من أي برنامج تلفزيوني أو تطبيق يدعي تحقيق فوائد علمية تعليمية للأطفال الصغار، مشيرةً إلى عدم إثبات العلماء لأية فائدة إلى الآن.

وأشارت لين إلى حاجة الأطفال للتدريب اليدوي على اللعب الإبداعي، والاستغراق في أنشطة مباشرة مع أشخاص يحبونهم. واعتبرت أن أفضل ألعاب الأطفال هي تلك الأنواع الساكنة التي يُمكن للطفل تحويلها مثل المكعبات ودمى الحيوانات المحشوة، بينما إذا كان كل ما يقوم به الطفل ــ مع الحاسب اللوحي- هو الضغط على زر، فلن يُعزز هذا النوع من اللعب التعليم.

وواجه برنامج «عالم سمسم»، الذي بدأ عام 1969 في الولايات المتحدة الأميركية، تساؤلات مشابهة حول قدر الوقت الذي يناسب استخدام الأطفال للشاشة. وأقر نائب رئيس «ورشة عمل سمسم» للمحتوى الرقمي، سكوت تشامبرز، أن العلامة التجارية للبرنامج، التي تتضمن 45 تطبيقاً للأجهزة الذكية و160 كتاباً إلكترونياً، قد حصلت على دفعة هائلة بفضل الأجهزة ذات الشاشات اللمسية، التي يتيسر للأطفال التعامل معها أكثر من فأرة الحاسب.

وأشار تشامبرز إلى أن مثل هذا المحتوى يُوفر للأطفال تجربة تعليمية أكثر تخصيصاً وتفاعلية، بالمقارنة مع ما يقدمه البرنامج التلفزيوني، كما لفت إلى أن بعض تطبيقات سمسم تُشجع الأطفال على ترك أجهزتهم جانباً، وتُزود الآباء بالعديد من الأفكار للعب مع أطفالهم.

وربما يُشير هذا الاختلاف إلى أهمية الاستخدام المتوازن ومتابعة الوالدين عن قرب لاستخدام الأطفال للأجهزة الإلكترونية؛ لتحقيق أقصى استفادة ممكنة من التطبيقات والألعاب، وتجنب مضارها.

 

طباعة