الدورات التعليمية المفتوحة تعيد صقل المهارات وتساعد في البحث عن وظائف جديدة
تُروج منصات «الدورات التعليمية المفتوحة واسعة النطاق عبر الإنترنت» أو «موك» MOOC، المساقات التعليمية التي تُقدمها، باعتبارها سبيل الدارسين للفوز بالوظائف التي طالما حلموا بها، في وقت تعيد فيه فعلاً، صقل مهاراتهم، وتعزز مكانتهم الوظيفية، وتساعدهم في البحث عن وظائف جديدة.
لكن العلاقة بين الدراسة في هذه الدورات، وفرص العمل والتوظيف في المستقبل، ليست بهذا القدر من البساطة والوضوح.
وأظهرت دراسة شملت 52 ألف شخص من الدارسين في مساقات تعليمية عبر الإنترنت، أن المستخدمين في البلدان النامية يُحققون فوائد ملموسة أكثر من غيرهم، ويتأثرون بها على نحوٍ أكثر وضوحاً من نظرائهم في الدول المُتقدمة.
نظام تعليمي
وعلى مدار الأعوام الخمسة الماضية، تحولت المساقات التعليمية الهائلة المفتوحة عبر الإنترنت إلى نظام تعليمي، يُوفر مجموعة متنوعة من البرامج الدراسية. ولا يصعب تفسير السر في جاذبيتها بالنسبة للموظفين؛ إذ تُوسع آفاقهم، وتُكسبهم مهارات جديدة، وشهادات دراسية رقمية من أرقى الجامعات بكلفة زهيدة. أما في ما يخص أرباب الأعمال، فربما لا يُدرك جميعهم إمكاناتها، وقد يُقللون من أهميتها عند مراجعة السير الذاتية للمُتقدمين للوظائف الجديدة.
وتحرص منصات «الدورات التعليمية المفتوحة واسعة النطاق عبر الإنترنت» على إبراز أهميتها في الحصول على الوظائف، وتدعم ذلك بقصص لطلاب سابقين، نجحوا في تغيير مساراتهم المهنية، واقتناص وظائف الأحلام.
وفي واقع الأمر، فإنه يصعب قياس آراء أصحاب الأعمال تجاه الدورات التعليمية الهائلة المفتوحة عبر الإنترنت، وتأثير الأخيرة، والتعليم عبر الإنترنت عموماً، في اتخاذهم القرارات بتوظيف أشخاص بعينهم.
وقال مستشار الإعلام الاجتماعي والمشارك في «معهد تشارترد للأفراد والتنمية» CIPD، الذي يجمع العاملين في مجال إدارة الموارد البشرية في المملكة المتحدة، بيري تيمز: «لم تدخل الدورات التعليمية المفتوحة واسعة النطاق عبر الإنترنت إلى كل جزء في عالم الأعمال»، مؤكداً أنه لايزال يلتقي مع أشخاص لا يعرفونها، ويتساءلون عن ماهيتها عند سماع اسم «موك».
لكن إقرار الشركات بأهمية التعليم، من خلال الإنترنت عموماً، والمساقات الهائلة المفتوحة عبر الإنترنت خصوصاً، يتحسن في الوقت الراهن، بحسب تيمز الذي أضاف: «أنه مجال مُثير، يحتاج إلى مزيدٍ من التركيز، لكنه يموج بالنشاط، فهو ليس ثورة شاملة، لكنه يصبح جانباً آخر لما تتطلع إليه الشركات».
ويصدق هذا خصوصاً على بعض القطاعات، مثل تحليل البيانات، والتسويق، وتكنولوجيا المعلومات، وتُقدم مختلف المنصات تقريباً دورات تعليمية قوية في هذه التخصصات، وتقتصر بعضها على هذه المجالات تحديداً.
دورات شعبية
وتضمنت قائمة أكثر «الدورات التعليمية واسعة النطاق المفتوحة عبر الإنترنت» شعبية في موقع «كورسيرا» في عام 2015، ثلاثة مساقات تتعلق بالبرمجة، منها مساقان يُركزان على علوم البيانات، وآخر يتناول تكنولوجيا تعلم الآلة.
وركزت دورتان من بين الأكثر رواجاً في «كورسيرا» على اهتمام أوسع بمجال الأعمال، هما المحاسبة المالية والتفاوض. ويُصنف مساقان آخران ضمن مظلة أوسع للتطوير الذاتي؛ وهما «تعلم كيف تتعلم؟» وهو المساق التعليمي الأكثر شعبية في «كورسيرا» خلال 2015، والتأمل البوذي.
وعلى الرغم من تقديم عدد من أهم الجامعات الأميركية للدورات التعليمية الهائلة المفتوحة عبر الإنترنت، فربما تكمن المشكلة في تنوعها الكبير لدرجة يصعب فهمها وقد تُثير ارتباك البعض. وبالتالي، ينبغي أن يكون القسم المُخصص لهذا النوع من الدراسة في السير الذاتية مُركزاً للغاية؛ لكي يتمكن رب العمل ومسؤول الموارد البشرية من ملاحظته وتحليله.
اهتمام عالم الأعمال
وقال «اتحاد الصناعة البريطانية» CBI، الذي يضم آلاف الشركات: «تُدرك الشركات أن المساقات الهائلة المفتوحة عبر الإنترنت وسيلة سهلة المنال للحصول على تعليم ذي جودة عالية، لكن اختيار المُزود المُلائم أمر أساسي، إذا كانت هذه الدورات ستتوافق مع أهداف المشاركين وآمالهم».
وبالفعل تُوجد دلائل على اهتمام عالم الأعمال بالدورات التعليمية الهائلة المفتوحة عبر الإنترنت. وعلى سبيل المثال، طورت سلسلة متاجر التجزئة البريطانية «ماركس آند سبنسر»، بالتعاون مع «جامعة ليدز»، دورة تعليمية باسم «الابتكار: مفتاح نجاح الشركات»، وتتوافر في منصة «فيوتشر ليرن» FutureLearn، ودرسها أكثر من 26 ألف شخص من 70 بلداً حول العالم.
كما تعتزم كلية «إتش إي سي باريس» للأعمال والإدارة، بالتعاون مع شركة «أكسا إنفستمنت مانجرز» لإدارة الأصول والاستثمار، إطلاق دورة تعليمية في إدارة الأصول عبر منصة «كورسيرا»، خلال أبريل المُقبل.
كما تستعين بعض الحكومات بهذا الخيار التعليمي، لتطوير مهارات موظفيها ومواطنيها عموماً، إذ أنشأت وزارة العمل السعودية بالتعاون مع منصة «إيديكس» edX بوابة على الإنترنت، تُقدم دورات تعليمية مفتوحة للنساء والشباب. ودرس موظفو الحكومة الاسكتلندية دورة تعليمية بعنوان «تغيير الأعمال والمجتمع والذات»، بالتعاون مع منصة «إيديكس»، قبل أن تُتيحها للجمهور العام.
دراسة حديثة
وعموماً، يبدو أن الدورات التعليمية الهائلة المفتوحة عبر الإنترنت، تُحقق أقصى فاعليتها في سوق العمل حينما تُركز على أهداف مُحددة، وربما يرجع ذلك، بحسب ما تُظهِر نتائج الأبحاث، إلى أن معظم الدارسين فيها هم من الموظفين بدوامٍ كامل، ومن المتعلمين المقيمين في البلدان المُتقدمة، وغالباً يستعينون بها لتحسين مساراتهم المهنية.
ومع ذلك، خلصت دراسة حديثة أجراها باحثون في موقع «كورسيرا» وجامعتيْ «بنسلفانيا» و«واشنطن» الأميركيتين، وشملت 52 ألف شخص من الدارسين في مساقات تعليمية واسعة النطاق عبر الإنترنت، إلى أن المستخدمين في البلدان النامية غالباً يُحققون منها فوائد ملموسة أكثر من غيرهم، مثل حصولهم على عملٍ جديد، أو تأسيسهم مشروعاً جديداً، ويتأثرون بها على نحوٍ أكثر وضوحاً من نظرائهم في الدول المُتقدمة.
وبيّنت نتائج الدراسة أن الأشخاص العاملين بالفعل في وظائف تتطلب مهارات مُرتفعة، يستفيدون غالباً من «الدورات التعليمية المفتوحة واسعة النطاق عبر الإنترنت» في إعادة صقل مهاراتهم، وتحسين مكانتهم في وظائفهم الحالية. ويختلف ذلك عن استفادة الأشخاص العاملين في وظائف تتطلب مهارات أقل في الدول النامية، ويُحقق هؤلاء فوائد ملموسة أكثر وضوحاً وأهمية، مثل الانتقال إلى وظيفة جديدة.